قال تعالى: ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمدلله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء. ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (ابراهيم 38 - 41)

ما زلنا نعيش مع دعاء الخليل ابراهيم وهو في رحاب البيت، وبعد أن طلب الخليل ابراهيم - عليه الصلاة والسلام - من الله تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ليكونوا حراساً لبيته، حماة لحرمه، وليؤدوا العبادة على وجهها الأكمل فإنه تخلل هذا الدعاء ثناء من ابراهيم عليه السلام على ربه عز وجل بعلمه الكامل الشامل المحيط بدقائق الأمر، وبما في الكون من خفي وجلي، فقال - كما حكى القرآن -: ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن أي تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه، لأنه لا يحتجب عنك غيب من الغيوب، والمراد استواء السر والعلانية في علمه تعالى، والمعنى إنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا، وأنت أرحم بنا، وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك إظهاراً للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك، وتذللاً لعزتك، وافتقارا إلى ما عندك، واستعجالا لنيل أياديك، وولهاً إلى رحمتك.

وقيل المعنى ربنا إنك تعلم ما نخفي من الوجد والألم لما وقع بيني وبين اسماعيل وأمه هاجر من الفرقة، وما نعلن من البكاء والدعاء، وقيل: ما نخفي من كآبة الافتراق، وما نعلن مما جرى بيننا وبين هاجر عند الوداع من قولها: إلى من تكلنا؟ وقولي لها: إلى الله تعالى.

والمعنى الأول بتقدير العموم هو المختار لمناسبته لمقام الثناء على الله تعالى.

و(ما) في قوله (ما نخفي وما نعلن) موصولة، والعائد محذوف، والتقدير: ما نخفيه وما نعلنه. وقيل: إن (ما) مصدرية.

وافتتح هذا الثناء بنداء الرب تعالى للدلالة على مزيد من التضرع، وليتناسب مع ما يأتي من أفعال مسندة إلى ضمير الجماعة.

ويرى أبوحيان أنه لا فرق ولا تفاوت بين إضافة لفظ (رب) إلى ياء المتكلم وبين إضافته إلى جمع المتكلم، وهكذا كلام مردود فالمقام هو الحكم في ذلك.

وأضاف: رب إلى ضمير الجماعة نا لإشراك ذريته معه في هذا الثناء نظرا لسبق ذكرهم في ما سبق من دعاء.

وتأكيد الجملة بإن لتقوية تثبته من شمول علم الله تعالى وإحاطته.

كمال العلم الإلهي

وبين قوله نخفي ونعلن طباق فيه تأكيد آخر على شمول علمه تعالى وكماله، وقد أضفى هذا المحسن البديعي - الطباق - على التعبير جمالا وروعة لعدم تكلفه، ولاستدعاء المعنى له.

وتقديم (مانخفي) على (ما نعلن) لأنه الأول على شمول علمه سبحانه وكماله، أو لتحقيق المساواة بينهما في تعلم العلم على أبلغ وجه، فكان تعلقه بما يخفي أقدم منه بما يعلن، أو لأن مرتبة السر والخفاء متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلا وهو قبل ذلك خفي فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية.

وتأمل السر في عدم تقييد الفعلين (نخفي) و(نعلن) بمتعلق معين، وذلك لإفادة العموم والشمول والإحاطة والكمال لعلم الله تعالي، فعلم الله تعالى بما يخفون وما يعلنون ليس مقصورا على شيء معين، بل هو شامل لكل ما يخفونه وما يعلنونه.

وليس المراد من ضمير الجماعة في نخفي ونعلن مجرد علمه تعالى بسر ابراهيم وأولاده وبعلانيتهم، بل بجميع خفايا الكون والملكوت، وقد بين هذا بقوله وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء.

وفي هذا قولان:

أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم - عليه السلام - ثانيهما: أنه من كلام ابراهيم عليه السلام، والمعنى: وما يخفى على الذي هو عالم الغيب من شيء في أي مكان، فإن قيل بالرأي الأول فهو اعتراض بين كلام ابراهيم تصديقا لكلامه كما ذكرنا.

وإن قيل بالرأي الثاني ففي الكلام التفات من الخطاب في إنك إلى الغيبة في لفظ الجلالة لتربية المهابة وللاشعار بعلة الحكم كما في قوله ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وللإيذان بعمومه لأنه ليس بشأن يختص بابراهيم عليه السلام، أو بمن يتعلق به، بل شامل لجميع الأشياء، فالمناسب ذكره تعالى بعنوان مصحح لمبدأ الكل.

ومن في قوله من شيء للاستغراق وشيء لعموم النفي وشموله والمعنى: لا يخفى عليه شيء ما، وتنكير شيء للعموم، أي ليتناول علمه - سبحانه - كل شيء مهما كان دقيقا وخفيا.

وفي متعلقة، بمحذوف وقع صفة لشيء، والتقدير: من شيء كان فيهما.

السماء والأرض

وبين السماء والأرض طباق يبرز المعنى ويؤكده.

وفي تكرار النفي والجار مع المعطوف عليه في قوله تعالى ولا في السماء إيذان باستقلاله في الحكم المنفي، وأنه ليس تابعاً لما قبله، فعلم الله تعالى بما في السماء يستوي مع علمه سبحانه بما في الأرض.

وتقديم الأرض على السماء، لأن الكلام في جدبها وخصبها، وذكرت السماء، لأنها تمسها بالسقي والماء. أو أن التقديم باعتبار القرب والبعد من البشر، ولمناسبة السماء للفاصلة بما فيها من مد قبل نهايتها.

والمراد من السماء ما يشمل السماوات كلها، أو ما يشمل جهة العلو، وهو أوفق، بافراد السماء. ويمكن أن يكون المراد من الأرض جهة السفل.

ومجيء الجملة على طريقة نفي الخفاء في قوله وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء من دون أن يقول: ويعلم ما في السموات والأرض، (تحقيقاً لما عناه قوله تعلم ما نخفي وما نعلن من أن علمه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه شائبة خفاء بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون بالنسبة إلى علوم المخلوقات).

ولما في هذه الطريقة من تحقيق التناسق بين نظم هذه الجملة ونظم الجملة السابقة، حيث بنيت الجملة السابقة ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن على إثبات علم الله بما يخفونه وما يعلنون، وبنيت هذه الجملة على نفي خفاء شي عن علم الله تعالى ولم يبق لنا في تأمل هذا الثناء إلا الإشارة إلى أن قوله وما يخفى على الله من شيء تذييل لجملة إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، ولكونها تذييلاً أظهر فيها اسم الجلالة، ليكون التذييل مستقلاً بنفسه بمنزلة المثَل والكلام الجامع.

ويردف الخليل إبراهيم عليه السلام هذا الثناء بثناء آخر يلهج فيه بالحمد لله تعالى وشكره على بعض نعمه عليه ومنها أنه سبحانه وهبه إسماعيل واسحاق مع كبر سنه. لقد ذكر إبراهيم عليه السلام النعمة التي لها أعظم الأثر في نفسه وهي نعمة الإنجاب بعد الشيخوخة والهرم، فقال: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء.

وفي هذا الثناء من إبراهيم عليه السلام تعليم لذريته بدوام حمد الله وشكره على ما منحهم من نعم، وما حباهم من آلاء، فاستدامة النعم بالشكر، واستبقاؤها بذكر فضل المنعم، لذلك بادر الخليل إبراهيم بالشكر لله على أن وهبه وهو شيخ هرم وأمرأته عجوز ولدين كريمين هما إسماعيل واسحاق.

وقد كان هذا أمراً خارقاً للمألوف، ولذا تعجبت سارة زوجته عندما بُشرت باسحاق، كما حكى القرآن عنها قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً (هود 72)، وابتدأ إبراهيم كلامه بالحمد إشعاراً بشكر النعمة وتقديرها وبيان عظيم أثرها في نفسه.

ولم يذكر القرآن الكريم سن إبراهيم عندما رزق بولديه، واختلفت الروايات في ذلك، فقيل: كان عمره عندما وُلد له إسماعيل تسعاً وتسعين سنة ووُلِد له اسحاق وعمره مائة واثنتا عشرة سنة وقيل مائة وعشرون .

وهذا كله لا يشغلنا، فالمهم أن تعرف أنه رزق بولدين عندما وصل إلى سن لا يستطيع فيها الانجاب وكذلك زوجه سارة أم اسحاق، فكان ذلك آية عظيمة، ومخالفة للأسباب المعروفة.

وقوله الحمد لله فيه معنى القصر، أي الحمد لله وحده، فهو مانح النعم، وهو مجريها، فكل إحسان هو منه سبحانه إما بالفعل وإما بالتسبيب.

الشكر والحمد

وهناك فرق بين الشكر والحمد، فالشكر هو الاعتراف بالنعمة على جهة التعظيم للمنْعِم، والحمد: الذكر بالجميل على جهة التعظيم أيضاً، ويصح على النعمة وغير النعمة، والشكر لا يصح إلا على النعمة، ولذا يمكن أن يقال: إن الحمد أعم من الشكر، وبناء على هذا فإنه كان من الملائم إيثار الحمد على الشكر في قوله الحمد لله لمناسبته لمقام الثناء، والله أعلم. والحمد مبتدأ، ولله خبره، وفي تعليق الحمد أولاً باسم الذات أي الله ، وفي وصفه تعالى ثانياً بما في حيز الموصول وهب لي على الكبر.. إشارة إلى انه سبحانه مستحق للحمد باعتبار ذاته جل شأنه، ومستحق له باعتبار صفاته وأفعاله.

وأوثر التعبير باسم الموصول الذي للاشارة من خلال صلته إلى وجه بناء الحمد، وفي التعبير بالهبة اشعار بأن هذه النعمة هبة محضة، وعطاء خالص خارق للأسباب العادية التي لا مدخل لها فيه، والهبة: تمليك من غير عقد ولذا كانت مِنّة وعطاء خالصاً.

وعلى الكبر جار ومجرور في موضع الحال، وذهب المفسرون إلى أن على بمعنى مع أي مع كِبري ومن شواهد استعمال على بمعنى مع قول الشاعر:

إني على ما ترين من كبري أعرف من أين تؤكل الكتف

وقالوا: يصح جعل على بمعناها الأصلي والاستعلاء مجازي، ومعنى اعتلائه على الكبر: انه وصل غايته فكأنه تجاوزه وعلا ظهره كما يقال: على رأس السنة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى. وقال بعضهم: لو كانت على للاستعلاء لكان الأنسب جعل الكبر مستعلياً عليه، كما في قولهم: علي دين فالكبر أولى بالاستعلاء حيث يظهر أثره في جميع البدن.

ولا أرى ان هذه التأويلات قد ابرزت الغرض من استعمال (على) بدلا من (مع)، فإذا كان الغرض هو الدلالة على المصاحبة فلم عدل عن الكلمة الموضوعة اصلا لهذا المعنى وهي (مع)؟ وإذا كانت (على) للاستعلاء المجازي - كما يقولون - اشارة الى ان الكبر تمكن منه وعلا ظهره، فلم عكس النظم ليكون هو مستعليا على الكبر؟

إنني اشير هنا الى ان (على) في الآية الكريمة لم تنب مناب (مع) بل هي بمعناها الاصلي، ودلالتها على الاستعلاء انما كان مجازيا في الآية الكريمة، لأن الكبر ليس جسما يمتطى وانما هو معنى، والاستعلاء المجازي فيه اشارة الى قهر قدرة الله تعالى لتلك النواميس الكونية، وخرق الأسباب الظاهرة، وبيان ذلك ان الكبر من عادته ان يمنع من الانجاب، وهو في الظاهر سبب قاهر متغلب إلا ان الله تعالى شاء ان يخرق ما جرت به العادة ويقهر ما خلق من نواميس ادلالا على عظيم قدرته واطلاق يده في ما خلق، وتكريما لمن خرقت من اجله النواميس، وحطمت بسببه ظواهر العادات، مما جعل ابراهيم يلهج لسانه ثناء على الله، وشكرا له. ولو قيل: مع الكبر، لما اوحى بمعنى الاستيلاء على الاسباب وقهرها كما يوحي به حرف الاستعلاء (على).

تكرر البشارة

وتقييد الهبة بكونها على الكبر استعظام للنعمة، واظهار لشكرها. قال الزمخشري: (وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها اعظم من حيث انها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة على عقب اليأس من اجل النعم واحلاها في نفس الظافر، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لابراهيم) وقد يعترض قائل فيقول: كيف يذكر ابراهيم - عليه السلام - ولده اسحاق في ثنائه على ربه، وهو لم يكن مولودا عند دعائه - عليه السلام -؟!

ويجاب على ذلك بأن الله تعالى حكى جملها من دعاء ابراهيم - عليه السلام - حيث بشر اولا بإسماعيل - عليه السلام - كما جاء في قوله تعالى: فبشرناه بغلام حليم (الصافات 101) ثم بشر ابراهيم عليه السلام بابنه اسحاق في قوله تعالى: وبشرناه باسحاق نبياً من الصالحين. وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (الصافات 113) وقد تكررت البشارة باسحاق في اكثر من موضع وان قيل: ما وجه المناسبة بين قوله: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق المتضمن الشكر على نعمة الولد وقوله ان ربي لسميع الدعاء في ختام الآية؟

قلنا: ان تذييل الآية - ختامها - جاء تعليلا لجملة (هب) أي للهبة المذكورة، فإنه - عليه السلام - لما كان قد دعا ربه لطلب الولد بقوله رب هب لي من الصالحين (الصافات: 100) فاستجاب له، ناسب قوله بعد الشكر: إن ربي لسميع الدعاء أي لمجيبه، من قولهم: سمع الملك قول فلان: إذا اجابه وقبله ومنه قولهم في الصلاة: سمع الله لمن حمده أي اجابه واثابه، وعليه فقوله السميع، كناية عن اجابة الدعاء، وعبر عن ذلك بصيغة المبالغة، ليدل على كثرة اجابته سبحانه الدعاء، وان ذلك شأنه، فيفيد انه وصف ذاتي لله تعالى.

وأكد هذا المعنى بإن واسمية الجملة واللام. وفي التعبير بوصف الربوبية المضاف الى ياء المتكلم (ربي) اشارة الى شعوره بالشكر الجزيل لربه، والى عناية ربه به، ورعايته له، فهو مربيه، المالك لأمره، المتولي لشؤونه وفصلت الجملة عما قبلها، لأنها جملة تعليلية.

وعدل عن المضمر الى الظاهر في قوله إن ربي لسميع الدعاء حيث كان الظاهر ان يقال: إنه لسميع الدعاء للاشعار باستقلال جملة التذييل، بالاضافة الى دلالته على المعاني التي اشرنا اليها آنفا.

وجاء ضمير المتلكم في ربي مفردا مخالفاً لما قبله في قوله: ربنا اني اسكنت من ذريتي... (لما ان نعمة الهبة فائضة عليه خاصة، واسماعيل واسحاق عليهما السلام من النعم لا من المنعم عليهم).

وبعد.. فالذرية نعمة عظيمة، وهبة جليلة لمن وهبه الله اياها، لأنها امتداد للانسان، كما انها مسؤولية جسيمة، فينبغي لكل انسان ان يحسن تربية اولاده ليكونوا لبنة صالحة في مجتمعهم، وإلا استحالوا الى جرثومة فتاكة تنهش في بنيان هذا المجتمع، وكم من اناس شقوا بأولادهم وتعسوا؟ لأنهم لم يحسنوا اعدادهم وتربيتهم. وتلك فقط اشارة موجزة. والله اعلم بمراده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

هبة إلهية

بادر الخليل ابراهيم بالشكر لله على ان وهبه وهو شيخ هرم وامرأته عجوز ولدين كريمين هما اسماعيل واسحاق. وقد كان هذا امرا خارقا للمألوف ولذا تعجبت سارة زوجته عندما بشرت باسحاق كما حكى القرآن عنها. قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً (هود: 72) وابتدأ ابراهيم كلامه بالحمد اشعارا بشكر النعمة وتقديرها وبيان عظيم اثرها في نفسه.

ولم يذكر القرآن الكريم سن ابراهيم عندما رزق بولديه، واختلفت الروايات في ذلك فقيل: كان عمره عندما ولد له اسماعيل تسعا وتسعين سنة وولد له اسحاق وعمره مائة واثنتا عشرة سنة وقيل مائة وعشرون.

وهذا كله لا يشغلنا فالمهم ان تعرف انه رزق بولدين عندما وصل الى سن لا يستطيع فيها الانجاب وكذلك زوجه سارة ام اسحاق فكان ذلك آية عظيمة ومخالفة للاسباب المعروفة.

[email protected]