إعداد: أشجان محمود
"الأقزام البنية" هي أجرام أصغر من النجوم وعلى الرغم من أن بعض علماء الفلك ينسبونها إلى النجوم، فإن لدى هذه الأجسام الفضائية خواص مشتركة أيضاً مع الكواكب، ويبدو أن ذلك حير العلماء فهم لا يستطيعون تصنيفها لأي منها سواء النجوم أو الكواكب، وهناك دلائل جديدة تم اكتشافها عن هذه "الأقزام البنية" غيرت من مفاهيم علماء الفضاء حول مدى الاختلاف بين الكواكب والنجوم، فبعض منها تشبه درجة حرارته الحديد المنصهر والآخر يشبه جليد السليكات، وهناك أيضاً بعض الخواص التي تتشاركها مع الكواكب التي تقع خارج المجموعة الشمسية لكوكب الأرض .
طبقاً لمجلة "نيوساينتيست" البريطانية تم التوصل إلى هذه "الأقزام البنية" لأول مرة عام 1962 بوساطة العالم شيف كيومر في معهد "غودارد" لأبحاث الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" في نيويورك، والذي تعجب من صغرها وأطلق عليها "أقزام سوداء"، وفي سبعينات القرن الماضي أشارت عالمة الفضاء جيل تارتر إلى أن هذا المصطلح يطلق على نجم بارد أسود عندما تقترب فترة عمره على الانتهاء، وتم اقتراح أسماء أخرى بديلة مثل "الكوكب النجمي"، أو "النجم المولود" حديثاً، أو "الشبيه النجمي"، ولكن في النهاية تم إطلاق مصطلح "الأقزام البنية" على هذه الجسيمات الكونية .
وفي عام 1995 تم اكتشاف النجم القزمي "غليس 229 b" الذي يبعد بمقدار 19 سنة ضوئية، ويرجع الفضل في اكتشافه إلى تلسكوبات الأشعة فوق الحمراء، وتتراوح كتلة القزم البني ما بين 20 و50 مرة ضعف كوكب المشتري، وتصل درجة حرارة سطحه التي تتميز بالبرودة نسبياً إلى 680 درجة مئوية .
وبالنسبة لعدد صغير من الباحثين المتخصصين، فإن القزم البني غليس 229 b هو نجم ولكن غلافه الجوي يشبه الكواكب، إلا أنه مختلف بدرجة كبيرة، فبريقه والتحليل الطيفي له، ووجود غاز ميثان بداخله تجعله مختلفاً عن بقية الكواكب، وهو ما جعل العلماء يقارنونه بكوكب المشتري فقط، ولكنهم لم يصنفوه ضمن الكواكب الغازية .
وعلى الرغم من أن لدى "الأقزام البنية" خواص مثيرة ومحيرة، توصل العلماء حتى يومنا هذا إلى اكتشاف أكثر من 1200 قزم، ولكنها أثارت الجدل حول كيفية تصنيفها، ومنذ بداية نظر الإنسان إلى السماء كان دائماً هناك تمييز بين النجوم والكواكب، إلا أن "الأقزام البنية" خالفت ذلك، فهي جعلت التمييز بين الاثنين يبدو باهتاً .
ويرى العلماء أن "النجوم القزمية البنية" نشأت من انهيار سحابة غازية مثل النجوم العادية، ولذلك لها خواص مشتركة مع النجوم، وتوجد فيها مراكز مغناطيسية مثل النجوم وينبعث عنها بعض إشعاعات الراديو مثل النجوم النابضة، وهي كثيفة خلال بداية نشأتها، وتنتج أشعة تحت الحمراء خافتة عند الانتقال من طاقة الجاذبية إلى الحرارية، وعلى الرغم من ذلك فهي تبرد خلال فترة حياتها، وهو ما يجعلها أكثر برودة وربما تصل حرارة بعضها إلى 27 درجة مئوية .
فهل هي تبدو أقرب شبهاً للكواكب؟ أسئلة كثيرة أثارت حيرة العلماء، فالنجوم القزمية كتلتها أكبر من معظم الكواكب، ويصل حجمها إلى ضعف حجم كوكب "المشتري" بنسبة تتراوح ما بين 13 و75 مرة، وهناك فقط من 3% إلى 4% من الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية التي تم التوصل إليها حتى اليوم هي التي تتميز بضخامتها .
وتتشارك النجوم القزمية مع الكواكب الغازية العملاقة في عدد من الصفات، حيث يتميز غلافها الجوي بالغليان فهو يتكون من سائل سام من أحادي أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين والماء والميثان والأمونيا، ويرى العلماء أن المعلومات التي يتوصلون إليها توضح وجود علاقة وثيقة بين النجوم القزمية البنية والكواكب، وتمثل أيضاً جسراً بين العلوم الكوكبية والنجمية .
ومؤخراً توصل العلماء إلى تطور جديد، هو أن لدى هذه "الأقزام البنية" مناخاً جوياً، حيث كان يراودهم الشك لفترة طويلة في أن هذه "الأقزام البنية" لديها سحب لأن حرارتها الداخلية تدفع الغازات إلى الارتفاع والتكاثف، كما يحدث في الغلاف الجوي للكواكب البعيدة عن النظام الشمسي "درب التبانة"، ولكن مؤخراً استطاعوا رؤية هذا التغير المناخي، ففي السنوات القليلة الماضية أدرك العلماء أن اختلاف مستويات الأشعة فوق الحمراء المنبعثة من الأقزام البنية يرجع إلى التغير في المناخ، ووقتها قاموا بتسليط التلسكوبات عليها لمدة شهر وتوصلوا إلى وجود تغيرات في انبعاث الأشعة فوق الحمراء تسببت فيها عواصف ضخمة، ومن دراسة التركيب الكيميائي للنجوم تبين أن الغلاف الجوي للأقزام البنية الساخنة يحتوي على جزيئات من الحديد الغازي والسليكات التي تتكاثف كلما ارتفعت لأعلى وتبرد .
وقدمت "الأقزام البنية" أول وصف دقيق للمناخ الموجود وراء النظام الشمسي، حيث كان من الصعب معرفة حالة المناخ في الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية لأنها ضعيفة جداً ولا يمكن قياس طيفها لأن الأمر يتطلب تلسكوبات ضخمة، ولذلك فما تم التوصل إليه حتى الآن من معلومات يساعد على فهم مناخ الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية، فعندما يبرد الغلاف الجوي للقزم البني يحدث تحول مفاجئ في نظامه السحابي ويتبدد، وهو ما يحدث بالفعل في الكواكب الغازية الموجودة خارج المجموعة الشمسية .
ويتشابه مناخ "الأقزام البنية" الباردة مع كوكب الأرض، وهناك عدد قليل منها لديها سحب مكونة من بخار الماء، وتتشابه أيضاً درجة حرارتها مع درجة حرارة الكواكب الموجودة في النظام الشمسي، والبعض الآخر منها يمكن من خلاله التنبؤ بحالة الطقس في بعض الكواكب والتي تتميز بارتفاع درجة حرارتها من جانب واحد، وأكثر ما حير العلماء هو اكتشافهم بعض "الأقزام البنية" مصاحبة للكواكب، حيث اكتشف فريق من علماء الفضاء مؤخراً أول كوكب يدور في مدار حول "نجم قزمي"، ويبلغ حجمه ضعف كوكب "المشتري" .
ويرى العلماء أنه من الضروري التعامل مع هذه الأجرام السماوية بشكل منفصل ولا يتم تصنيفها ضمن النجوم أو الكواكب .