فنانون مهرة وبالفطرة لم يلتحقوا بالكليات والمعاهد المتخصصة ورثوا الحرفة عن الآباء والأجداد لديهم قدرة فائقة على صناعة قطعة فنية تشبه تماماً القطع الأصلية التي تمثل كنوز المقابر الفرعونية على اختلاف الأسر والتاريخ والعصور.
بسطاء في أزيائهم، فكلهم يرتدي الجلباب الصعيدي ويفترشون الأرض وبمعدات بسيطة للغاية تخرج من تحت تحف فنية يتهافت عليها زوار الأقصر من الأجانب وحتى أصحاب البازارات السياحة في الغردقة وشرم الشيخ ليبيعوها لزوارهم.
إنهم ملوك صناعة الألباستر في مصر، أهل الأقصر وتحديداً بقرية القرنة الواقعة في البر الغربي لمدينة الأقصر، وهي القرية الوحيدة على مستوى مصر التي يمتهن أهلها هذا الفن، ملوك صناعة الألباستر فقدوا عرشهم بسبب تراجع معدلات السياحة للأقصر على مدار السنوات الأربع الماضية التي أعقبت ثورة 25 يناير، فمعظم المصانع والورش تنتج وتخزّن منتجاتها على أمل تحسن الأوضاع وعودة الأقصر إلى سابق عهدها كمقصد للحركة السياحية في مصر لأنها تحتوي على ثلث آثار العالم ومازالوا رهن الانتظار يراودهم الأمل.
تجوّلنا في قرية القرنة التي تضم نحو 250 مصنعاً و400 ورشة منزلية لفنون الألباستر في محاولة للكشف عن هذه المعامل الفنية التي تكاد تكون فريدة من نوعها على مستوى العالم.
قال محمود حساني، صاحب مصنع: «ننحت التماثيل الفرعونية، ونقلّد النسخ الأصلية على أيدي صناع مهرة من أبناء مدينة «القرنة» الواقعة في البر الغربي بالأقصر في الطريق إلى وادي الملوك، ويمتهن هذه الحرفة الكبار والصغار ويتم الحصول على جزء من الأحجار اللازمة للصناعة من جبال «القرنة» في رحلة تستغرق ثلاثة أيام حيث تنقل على الدواب، وهناك الكثير من الحجارة التي تجلب من خارج الأقصر من أسوان والبحر الأحمر، مشيراً إلى أن حجر الألباستر له ثلاثة ألوان الأبيض والبني والأخضر».
وأكد أحمد البدري، أحد المهتمين بهذه الصناعة، أن انهيار القطاع السياحي بالأقصر بعد ثورة 25 يناير تسبب في انخفاض سوق صناعة الألباستر، وأضعف بيعها، مشيراً إلى أن هذه الحرفة تنفرد بها مدينة القرنة في البر الغربي.
ويضيف أن صناعة الألباستر تهتم بنحت التماثيل الفرعونية وتقليد النسخ الأصلية على أيدي صنّاع مهرة في نحو 250 مصنعاً مملوءاً بالتحف والتماثيل التي ينحتها الصبية والعجائز، بالإضافة إلى 400 ورشة في المنازل تصّنع وتبيع للمعارض الموجودة في المصانع والبازارات الموجودة في المدينة، لأن من يتقن هذه الصناعة فنانون بالفطرة لم يدخلوا مدارس أو أكاديميات علمية لكنهم مبدعون فيما يقدمون من فنون.
انتقد محمد صالح، أحد الصنّاع، سياسة الشركات السياحية التي تقوم بها تجاه تجارة التحف والتماثيل حيث تجبر أصحاب المصانع على دفع مبلغ من المال نظير توجيه زبائنها إليهم للشراء، ما يجبر أصحاب المصانع على عدم الاكتراث بجودة الخامة، وشراء التماثيل الصينية المقلدة، وترك أصحاب الحرفة الأصلية التي أصابها الركود وأصبحت مهددة بالانقراض بعد أن هجرها الحرفيون والصناع المهرة، وبحثوا عن عمل آخر رغم أن تلك الحرفة تجذب السيّاح من كل دول العالم للتمتع بمشاهدتها.
وأبدى محمد قناوي، أحد أصحاب البازارات، تخوفه من انقراض الحرفة بمصر، خصوصاً بعد استيراد مصر للتماثيل الفرعونية من دول تقوم بتصنيعها بالطرق الممكنة من دون فن أو مهارة مثل إيران وتركيا والهند وغيرها، وهذه الدول تبيع التحف أرخص من التي ينحتها الفنيون المهرة، رغم عدم جودة التحف المستوردة.
وطالب بضرورة تدخّل الحكومة للإشراف على تلك الصناعة التي تواجه الانقراض منذ ثورة يناير، وتعويض أصحاب الحرف عن فترة الركود السياحي حتى لا يهجروا تلك الحرفة النادرة، ويتجهون للبحث عن عمل آخر، وإنشاء جهة أو نقابة تقوم بحماية حقوقهم وتطالب بالاعتزاز بالمنتج المصري الذي يعد رمزاً للدولة تجب حمايته، لأن تاريخ الحرفة طويل لا يعرف قيمته إلا أبناء تلك المدينة السياحية التي تدر دخلاً قومياً لمصر لا يجب تجاهله.
يقول أحمد رمضان 31 سنة عامل في مصنع ومتخصص في التعامل مع حجر الألباستر إنه يمارس الحرفة منذ 14 سنة، مشيراً إلى أن حجر الألباستر من الحجارة القاسية التي يصعب التعامل معها، لذلك فالنقش والحفر على الألباستر يستغرق وقتاً كبيراً وربما يستغرق الانتهاء من تجهيز قطعة واحدة أكثر من 3 أيام لأنها تحتاج إلى معاملة خاصة مثل ترغيتها بالماء ولفها بالقماش وإعادة تلميعها من جديد.
ويؤكد رمضان أن كل العاملين في مجال صناعة الألباستر يعانون منذ بداية المحنة التي تمر بها السياحة المصرية في أعقاب ثورة يناير، ومشيراً إلى أن هذه الحرفة تعد نوعاً من الفنون المعرضة للاندثار وعلى الحكومة التدخل ومساعدة العاملين فيها في هذه الظروف العصيبة لأن الجميع لديه التزامات ومسؤوليات تجاه من يعولهم على أن يستمر هذا الدعم والمساندة حتى تستعيد السياحة عافيتها من جديد.
ويؤكد ياسين شوقي، عامل بأحد المصانع ومتخصص في التعامل مع حجر الألباستر، والتحق بالعمل في هذا المجال منذ أن كان عمره 10 سنوات أي أنه يعمل به منذ 15 سنة، أنه يحتاج إلى الصبر وقوة الملاحظة، لأن التعامل مع قطعة الحجر الخام ينتج في النهاية تحفة فنية.
ويضيف أن التعامل مع الحجارة والحفر عليها وتلميعها ينتج عنه الكثير من الغبار والأتربة الناعمة التي يستنشقها العامل، وبالتالي تأتي على الصحة العامة مع تقدم العمر، وتكون نتائجها المباشرة على العين والجهاز التنفسي والجلد، لأن بعض الأجسام تتعرض لحساسية شديدة بعد التعرض للأتربة الناعمة الناتجة عن الحفر على الحجارة.
ويشير أحمد مصطفى، صاحب مصنع، إلى أن أغلبية المصانع لديها معارض خاصة بها داخل المصنع، ويتم التفنن في عمل الديكورات الساحرة لها وعرض القطع بطريقة مثيرة للاهتمام لجذب انتباه الزائرين الأجانب بجانب تنفيذ نوعيات من تكنولوجيا الإضاءة المبهرة لإظهار جمال التحف الفنية المعروضة.
وأضاف: «المصانع والعاملون فيها يعانون تراجع معدلات السياحة، وبالتالي تراجع المبيعات الذي يتبعه تراجع الدخل المالي في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يهدد عرش هذه الصناعة العريقة بعد أن هجرها عدد كبير من العاملين فيها للبحث عن مصادر أخرى للدخل، الأمر الذي يتطلب تدخّل الحكومة لحماية هذه المهنة العريقة من الانقراض وتوفير الحياة الكريمة لأصحابها إلى حين تحسن الظروف».
وأشار إلى أن هناك تماثيل تحفر وتنقش من الحجر فتخرج قطعاً فنية تحاكي التماثيل الأصلية، وفي بعض الأحيان يستعان بالأتربة والكسر الناتج عن الحفر في صب تماثيل في قوالب جاهزة بعد خلطها بالمواد الكيماوية لمنحها درجةً من الصلابة وتلوينها بألوان لافتة للأنظار.
أبو النحاتين
يقول محمود عباس (67) أحد أقدم فناني الألباستر في الأقصر إنه يمارس مهنة صناعة الألباستر والحفر على الحجارة لاستنساخ التماثيل التي تمثّل الحضارة المصرية القديمة منذ حوالي 50 سنة، مشيراً إلى أنه يقوم بالحفر على الجرانيت الأسود والأخضر والوردي والبازلت بجميع أنواعه وحجر الهامر الأخضر والأبيض وحجر المرمر.
وأضاف أن إنجاز عدد القطع يومياً يتوقف على حجم القطعة ونوعية التفاصيل الموجودة في التمثال الذي يتم حفره، فهناك بعض القطع تأخذ أكثر من يوم كامل، مؤكداً أن أصعب أنواع الحفر تكون على حجر الجرانيت.
ونوّه بأنه عند صناعة التمثال من الحجر الجيري فإن الأمور تكون أسهل كثيراً، ومن الممكن أن تستغرق القطعة حوالي ساعتين فقط لأنه أسهل أنواع الحفر نظراً للمرونة التي يتمتع بها الحجر الجيري.
وكشف محمود عباس النقاب عن أنه شارك في صناعة جزء من ديكور المقبرة التي تم عرضها في برنامج المقالب «رامز عنخ آمون» الذي قدمه الفنان رامز جلال في رمضان قبل الماضي، مشيراً إلى أن استنساخ التماثيل الفرعونية بالنسبة له متعة كبيرة.
وأشار إلى أن الأوضاع في السوق سيئة للغاية منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وإلى تدهور السياحة وتراجع أعداد السياح، وبالتالي يعاني السوق حالة ركود شديدة، ونحن مازلنا نقوم بالتصنيع على أمل تحسّن الأوضاع واستعادة السياحة عافيتها من جديد وبدء تدفق السياح إلى الأقصر، لأن عودة حركة السياحة تعني أن هناك رواجاً كبيراً.