الاتيكيت كلمة إذا ما سمعها الكثيرون يرد في خاطرهم شخصيات الطبقة الارستقراطية وما تتسم بها سلوكياتهم من مظاهر مثل القيام للمرأة وفتح باب السيارة لها وتقديمها في السير، ورفع القبعة تقديراً لشخص ما ولكن الواقع مزدحم بملامح وأصول يتبعها البعض هي في الأساس من قواعد الإتيكيت وهنا يثور التساؤل عن أهمية مراعاة مثل هذه السلوكيات في حياتنا واذا ما كنا في حاجة فعلية إليها وهل يهتم الكثيرون في مجتمعاتنا بأن تكون تصرفاتهم طبقا لأصول الإتيكيت؟

ولد بين الطبقة الارستقراطية ويعرفه كل الناس

الإتيكيت أصول يتجاهلها الكثيرون

تقول نورة المخدوم ربة منزل: أتبع الإتيكيت أحيانا وليس في كل الوقت أو كل التصرفات لأن هناك عادات وتقاليد تحكمنا وفي بعض التصرفات منه تجاوز لهذه العادات في حين أن هناك سلوكيات محببة تخلق أجواء من المحبة والصداقة مثل تبادل الهدايا ومعاملة الناس بلطف ودماثة.

بينما تقول زهرة نواف مهندسة: اعتقد أن النساء في المجتمعات العربية أكثر ميلا للالتزام بأصول الإتيكيت من الرجال والسبب أن بعض الرجال الشرقيين يعتقدون أنهم غير مطالبين بالالتزام بقواعد الاتيكيت وهذا راجع للمجتمع الذكوري الذي تربى فيه ويسمح له بأن يطلق العنان لصوته ويتحدث كيفما يشاء وبأي صورة بينما يطالب المرأة بخفض صوتها.

بينما يقول محمد سادوم موظف: الإتيكيت له ظروف معينة وكل منا يجد نفسه في حاجة اليه في حياته كأن يكون في مناسبة خاصة ووسط طبقة ما لذا عليه مراعاة الإتيكيت في طريقة أكله أو جلوسه وأسلوب حديثه ولكن في البيت ليس هناك من يتبع الإتيكيت لأن هذا مكان للراحة ويتحرر فيه الانسان من كل القيود.

ويقول حسن الأشرف: الإتيكيت من المصطلحات الدخيلة علينا كعرب لأن تاريخنا فيه كل قواعد وأصول التصرف الحسن دون تكلف أو تصنع أما الذين يتحدثون عن الإتيكيت فهم يجرون وراء المظاهر وإعطاء انطباعات تخالف طبيعتهم ولو أن كل عربي التزم أصوله وتعاليم دينه التي لم تترك شيئاً الا ونظمته لتفوق بأخلاقه الحميدة ورقيه على ما يسمى بالإتيكيت.

بينما تقول مروى الزيدون محاسبة: المجتمع فيه من يجهلون قواعد الإتيكيت ويظهر ذلك في تصرفات تصدر عن البعض والمثير للدهشة أن فيهم من هم على درجة لا بأس بها من العلم كأن تقوم سيدة مثلا بفتح علبة الماكياج الخاصة بها لتصليح مكياجها وهي جالسة بين الناس وهو سلوك مخالف لأبسط قواعد الإتيكيت، وغير ذلك من التصرفات التي نمر بها يومياً ويفعلها البعض بدون دراية وفي رأيي أن الإتيكيت شيء هام واذا تعلمه أفراد المجتمع ساده الرقي.

ويقول د. مروان الحاج أستاذ علم الاجتماع: الإتيكيت تعبير أو مصطلح أوروبي معناه التصرف بتحضر ورقي أما في العربية فالكلمة لها معان كثيرة منها مراعاة الذوق العام أو الاجتماعي وأحيانا اللياقة أو التصرف في المواقف الحرجة وبمرور الوقت تكونت لهذا المصطلح قواعد معروفة تعمل بها المجتمعات المتحضرة وعلى عكس الفكرة السائدة أن الإتيكيت أصله أوروبي فالتاريخ يؤكد ان الفراعنة سبقوهم اليه حيث كان يتم تعليم الشاب الذي يلتحق بالبلاط الملكي أصول اللياقة وآداب التعامل وهذا هو الإتيكيت بمفهومه الحالي.

وعما إذا كان الإتيكيت خارج اهتمامات المجتمعات العربية قال: لكل مجتمع عاداته وآدابه في التصرف وغالبا ما يلتزم بها الغالبية من الأفراد لأن هذه الآداب والعادات لها جذور في ثراثه وثقافته وأيضا في ديانته.

والحاجة الى ما يسمى بالإتيكيت كسلوك متعارف عليه عالميا جاءت ليستعين به الانسان تجنبا للوقوع في الحرج إذا ما كان على غير دراية بعادات أهل المكان الذي هو فيه وبإرجاع هذا إلى مجتمعاتنا العربية نجد أن الغالبية العظمى خاصة في تعاملاتهم اليومية والاجتماعية يتعاملون طبقا لما جرى عليه العرف والدين وإن كان عبر التاريخ دخلت في هذه العادات بعض المستجدات هي بالأساس من الإتيكيت ولكن مع الوقت اندمجت في ثقافتنا ونمارسها دون أن ندرك ذلك منها على سبيل المثال عادة تقديم الزهور للمرضى وفتح باب السيارة للسيدات وغيرهما ولكن لو لاحظنا طبيعة هذه العادات لوجدنا أنها تتفق وطبيعتنا الشرقية من الناحية النفسية والدينية فالدين دعانا الى زيارة المريض والتخفيف عنه ودعانا الى الرفق بالمرأة لذا تقبلنا هذه العادات في حين أن هناك عادات من صميم الإتيكيت ولكن طبيعتنا الشرقية وقيمنا الدينية رفضتها فالمجتمعات العربية خاصة المتحضرة والحاصلة على مستوى جيد من التعليم تتبع الإتيكيت في حدود ما يتوافق مع طبيعتنا الشرقية.

د. محمد رمضان رئيس قسم علم النفس بأكاديمية شرطة دبي قال: الإتيكيت في مفهومه الواسع نوع من الرقي في التعامل وفي حياة كل انسان مواقف يومية ومجالات اجتماعية متعددة يحتاج فيها الى اتباع الأسلوب المناسب وأن تكون لديه القدرة على اعطاء انطباع شخصي جيد عن نفسه وسط محيطه الاجتماعي من خلال سلوكيات تؤكد ما يتمتع به من ذوق سليم وهذا المفهوم الواسع للاتيكيت يتبعه كل مجتمع حسب عاداته وتقاليده الخاصة به والعرب بطبيعتهم يميلون الى التلقائية في التعامل ويعبرون عن مشاعرهم ببساطة دون تكلف وعبر التاريخ وضعوا لهم أعرافاً خاصة للتعامل مستمدة من حضاراتهم وطبيعتهم ولو بحثنا في هذه المسألة لوجدنا في عالمنا العربي ما هو أهم من الإتيكيت وأعمق وأكثر صدقا وفطرية فحضارتنا وديننا هما أصل كرم الضيافة واحترام الضيف واحترام الصغير للكبير والرفق بالنساء والضعفاء وحسن المعاملة لذا نحن لسنا في حاجة الى مدخلات في عاداتنا وقيمنا لأنها لن تضيف جديداً لنا كمجتمع باستثناء بعض الفئات كالدبلوماسيين مثلا لأن طبيعة مجالهم تفرض عليهم الاحتكاك بجنسيات مختلفة.

ويقول د. فؤاد نصر أستاذ علم النفس: الإتيكيت مسألة نسبية تقديرية في مجال العلاقات الاجتماعية تحكمها معايير كثيرة منها نوع الصلة الذي يربط الأفراد بعضهم ببعض والعادات والتقاليد، وفي كل مجتمع نجد أن أفراده يضعون عرفا للتصرف والسلوكيات التي تتبع في مختلف مواقف الحياة وغالبا ما يراعيها الأفراد لكن هناك بعض المدخلات في هذه العادات الأصيلة بحكم عوامل كثيرة منها الانفتاح الثقافي والاعلامي الذي لا بد أن يحدث معه تأثر ما بالثقافات الاخرى وأحيانا ينزع البعض الى التقليد ولكن غالبا ما يكون هذا في التفاصيل الشكلية أما في العادات التي تمس جوهر عاداتنا وتقاليدنا الشرقية فغالبا ما تبقى كما هي دون تأثر لهذا نجد أننا كمجتمع نراعي الإتيكيت طبقا لمفهومنا عن الذوق والمجاملات الطيبة بين افراد المجتمع التي تخلق جوا من الود والانسجام وهذا يحدث غالبا بشكل تلقائي دون تصنع.

الدبلوماسيون والمضيفات سفراء للذوق الرفيع

مهن تتنفس الإتيكيت

الاتيكيت بالنسبة للبعض ليس مجرد مجاملات اجتماعية ولكنه من صميم عملهم وفرض يومي يجب أن يؤدوه بإخلاص وإلا اعتبروا مقصرين في مهامهم الوظيفية وهم غالبا إما أصحاب مهن رفيعة كالدبلوماسيين ورجال الأعمال وإما اصحاب مهن عادية ولكنها تفرض على العاملين فيها هذا الواجب. ومن أصحاب هذه المهن.

مضيفو الطيران الذين تقتضي طبيعة عملهم أن يكونوا في حالة مزاجية معتدلة طوال الوقت. وتقول هند السردي مضيفة طيران: للعمل في الضيافة قواعد يلتزم بها كل فرد من طاقم الضيافة وأول هذه الالتزامات الابتسامة الدائمة وأول ما نتعلمه هو الحفاظ عليها أياً كانت الظروف والتعامل مع الراكب بلباقة وهدوء وتقديم راحته على أي اعتبار آخر منذ اللحظة التي يضع فيها قدمه في الطائرة.

يقول عمار الفهدي مضيف: طبيعة المهنة ومتطالباتها ظاهرة من تسميتها فالضيافة لها أصول وواجبات أولها إشعار الضيف بالراحة في المكان وفي مجال الضيافة الجوية تحقيق ذلك يتطلب مجهودات مضاعفة، وهناك نوعية من الركاب تحتاج الى معاملة خاصة، فمن الركاب من يتوتر من ركوب الطائرة، ومنهم كبار السن هذا غير تنوع الجنسيات الذي يتطلب من المضيف ان يكون لديه الإلمام بعادات وطباع الجنسيات المختلفة حتى يحسن التعامل معهم. وأهم قاعدة نتدرب عليها ضبط النفس والتحكم في الانفعالات حتى في المواقف الحرجة وأن يكون الأدب والاتزان هما طريقة التعامل مع الراكب وفي الوقت نفسه القدرة على السيطرة على الموقف عن طريق عدم الانزلاق في الخطأ أو الانفعال.

بينما يقول حسن إسماعيل مضيف في أحد المطاعم: للعمل بالمطاعم خاصة الكبرى منها أتيكيت خاص من دون شك أولها طريقة استقبال العميل وإشعاره منذ اللحظة الأولى أنه مرحب به وأن كل فريق الضيافة في المطعم في خدمته ثم طريقة تلقي طلبات العميل وطريقة تقديمها على المائدة ورفعها أيضا كل هذه أمور لها اصول وقواعد.

ويقول عبداللطيف النوبي مضيف بمطعم فندقي: الغالبية العظمى من المضيفين في المطاعم الصغرى لا يتبعون القواعد أو أتيكيت تقديم الطعام لأن العميل غالبا لا يدري ما القواعد ولا تعنيه فهدفه تناول وجبته فحسب ولكن في المطاعم المتميزة يكون للعميل مطالب منها الاستمتاع بالمكان والشعور بالراحة وتناول وجبته في جو متميز وهذا دور فريق الضيافة.

أما مريم يوسف والتي تعمل في استقبال أحد الفنادق فتقول: العمل في الاستقبال مسؤولية كبرى لأن الموظف أول واجهة للمكان وأسلوب استقبال العميل مهم جدا في أعطائه الانطباع العام لذا يجب أن تكون هناك دقة في طريقة الوقوف والنظرة واتباع قواعد الترحيب وتلبية رغبات الضيف.

بينما يقول جاسر الشيخ موظف استقبال: هذه الوظيفة تتطلب مجهوداً مضاعفاً للحفاظ على الشكل اللائق لاستقبال الضيف لأنها بطبيعتها مجهدة وتستلزم البقاء في وضع الوقوف طوال الوقت، فمن غير المسموح لموظف الاستقبال في الفنادق الجلوس لأنه من غير اللائق أن يدخل الضيف فيجد الموظف المكلف باستقباله جالساً، ومع هذا الجهد يجب أن نحافظ في نفس الوقت على المظهر العام والحيوية في استقبال كل ضيف بالابتسامة والنشاط لاستيعاب طلبات كل ضيف.

سلوك شائع في أماكن الدوام

الإفراط في المجاملة ذوق أم نفاق اجتماعي؟

عندما يقف الموظف لمديره ليتقدمه في السير أو عندما تجامل المرأة زوجة رئيسها وتفرط في مدحها وتتفنن في إعداد مائدة الطعام التي دعتها اليها ومثل هذه التصرفات وغيرها تعتبر من أصول الاتيكيت والمجاملة التي تضع من يقدم عليها أحياناً في دائرة الاتهام بالرياء والنفاق الاجتماعي.

يقول يوسف سلوم موظف: الاتيكيت معناه الذوق والدماثة في التعامل ولكن بشرط عدم المبالغة أو التصنع لأن البعض يغالون أحيانا في المدح والتصرف بطريقة لا تنم عن صدق مشاعر وهذا يؤدي الى عكس النتيجة المطلوبة.

بينما يقول عبدالله بوشيبة موظف: التصرف المصطنع مرفوض وما يسمى بالاتيكيت في رأيي المقصود به حسن الخلق واذا لم يترب الإنسان بالأساس عليه فإنه لا يمكن تصنعه ولكن للأسف البعض لأغراض شخصية يحفظون بعض تصرفات لاستخدامها عند اللزوم مع بعض الأشخاص وفي المناسبات التي يكون لهم فيها مصلحة خاصة بينما إذا ما شاهدت الشخص نفسه في بيته وكيفية تصرفاته ومعاملته لأهله تجد النقيض وهذا يعرف بالمنافق.

أما جميلة المحمود موظفة فتقول: بين الشيء وضده خيط رفيع والبعض قد لا يستطيع تمييز هذا الخط ويتصور أن المبالغة في الظهور بمظهر الدماثة ووالذوق تجعله محبوبا وتعطي عنه انطباعات ايجابية في حين أنه لا يدرك أنه بذلك يستهين بذكاء الآخرين الذين يستطيعون أن يميزوا الصدق من الكذب، خاصة في مجال العمل حيث نجد هذه الظاهرة فهناك نوعية من الموظفين يدمنون نفاق الرؤساء وكأنها هواية فيتصرفون أمامهم بدماثة وانكسار شديد وبشكل مختلف عن طريقة تعاملهم مع زملائهم وما إن يشاهد أحدهم رئيسه حتى يهرع لفتح الباب له متصورين أنهم بذلك يكسبون تأييد الرؤساء.

ويقول سليمان راضي: البعض يتعامل بالإتيكيت على أنه لزوم البرستيج محاولا لفت النظر إليه وجعل نفسه محط أنظار الآخرين من خلال تصرفاته فاذا ما تواجد في مكان يكون مجاملا أكثر من اللازم ليظهر للناس أنه أكثر الموجودين لباقة وهذا يعتبر من النفاق.

بينما ترى سميحة حارب أن الإتيكيت أصبح من متطلبات الحياة ولا تعتبر المجاملة نفاقا حتى لو كانت بهدف أو مصلحة وكما تقول: ليس عيبا أن يكون الإنسان مهذبا مع الآخرين ويسمعهم ما يطرب آذانهم ويشعرهم بالرضا فالكلمة الطيبة صدقة ونحن الآن نحيا في عالم تداخلت فيه المصالح بين الأجناس المختلفة والإتيكيت لغة صالحة للتفاهم والتجانس بين الجميع ولا أرى في ذلك أي نفاق بل هو حسن تصرف من وجهة نظري.

د. مي مظلوم أخصائية علم الاجتماع قالت: هناك صراع بين ثقافتنا ومعتقاداتنا الدينية وما يسمى بالإتيكيت تعبير غربي يتوافق مع طبيعة حياتهم وما وضعوه لأنفسهم من منهج في الحياة والاستجابة غير المدروسة لهذا المنهج تشكل عملية استنساخ، وتحول العربي الى مسخ غربي في حين أن العودة للأصالة والتقاليد المستمدة من التراث يمكن أن تكون المنهج الأصيل لنا كشعوب عربية شرقية عرفت أنها خير أمة أخرجت للناس.

وأضافت: حالة التخبط السلوكي التي نحياها كعرب ساهمت فيها الكثير من المؤثرات أهمها التكنولوجيا ووسائل الاتصال التي تنقل لنا اسلوب حياة الغرب الذي قد يثير انبهار البعض ويرغب في تقليده.

واستدركت: الصراع بين عاداتنا الشرقية والإتيكيت المستورد مستمر وعلينا أن نعرف الأفضل لأنفسنا وإذا وجدنا أن المجتمع الغربي به مناهج جيدة لسلوكنا لا مانع ان نطبقها بشرط أن ندرسها بتأن مع عدم التمسك بالقشور.

د. سامح شريف أخصائي نفسي قال: البعض بداعي النفاق الاجتماعي وتمرير المصالح يدعي الإتيكيت ولكن هناك حد فاصل بين ذلك وبين الذكاء الاجتماعي فنحن نعيش في مجتمعنا وتحيط بنا حياة عملية واجتماعية تجعلنا في حاجة الى شيء من الذكاء الاجتماعي لأننا نتعامل مع من نعرف ومن لا نعرف في البيت والشارع والعمل ومن دون هذا الذكاء يمكن أن يحدث تنافر في العلاقات بين الأفراد ولكن يجب هنا أن ينتبه الانسان الى أن يكون سلوكه عن قناعة لا لمجرد التقليد. وأضاف: بالنسبة للسلوك الشخصي وفقا للإتيكيت مثل طريقة الأكل أو المصافحة وغير ذلك فهذه أمور شكلية ولا ضرر منها طالما لا تخالف مبادئ عامة أو تتحدى التقاليد والأعراف بل على العكس تعد أسلوبا لتقديم النفس بشكل حضاري وفيها احترام للمكان ومن فيه، وميزة الاتيكيت أنه دولي ومقبول عند كل المجتمعات ولكن لا يكفي أن نقرأ كتاباً عن الاتيكيت أو نحضر دورة لتغيير سلوكنا بل يجب أن يكون ذلك عن قناعة ويكون هناك ارتياح نفسي وتقبل له حتى يصبح هذا السلوك جزءاً من الشخصية.

د.عبدالله المنيزلي قال: سلوك الإنسان يتغير تبعا للموقف الذي يتعرض له وطبيعة المكان فمن الطبيعي أن يختلف السلوك في العمل عن البيت ومع الرؤساء عن الزملاء أو الأصدقاء فلكل حالة أسلوبها الخاص ولكل مقام مقال بل إن بعض الأماكن تفرض على الانسان التصرف بشكل معين، فليس من المستوعب أن يجلس شخص في مطعم راق وكل من حوله يأكلون بطريقة ما وهو يأكل بيديه مثلاً فهذا سيكون سلوكاً منتقداً لذا عليه اتباع الاتيكيت والتصرف مثلما يتصرف من حوله حتى إن كان في بيته يتصرف على خلاف هذا لأن الإنسان يكون على تلقائيته في منزله.

الدين المعاملة

إذا كان الغرب اخترع مصطلح الإتيكيت ووضع له قواعد دولية تسعى دول العالم الى اتباعها كلغة عالمية في التفاهم والتجانس إلا أن الإسلام سبق الغرب بقرون في مفهوم الإتيكيت وجوهره حين دعا البشرية كلها الى اتباع دين قوامه حسن المعاملة بين الناس واحترام الآخر:

ويقول د. محمد عبدالعزيز المحاضر في جامعة الشارقة:

اذا كان الإتيكيت حُسن الخلق وآداب المعاملة فهذا ما دعا اليه الإسلام فنجد في الأحاديث الشريفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين واحترام المرأة والالتزام بآداب الطعام، مثل قوله صلى الله عليه وسلم ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا ويسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير ويسلم الصغير على الكبير وان من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وعن الموائد ياغلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ومن السنة ألا يشرب الملء مرة واحدة وهذا من قواعد الإتيكيت وأيضا المشاهد التي ننبهر بها مثل أن يفتح الرجل باب السيارة لزوجته ونرى أن هذا من الإتيكيت في حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجلس على الأرض ويضع يده ويطلب من زوجته أن تقف على رجله وتركب الناقة وكان صلى الله عليه وسلم يطعم زوجته ويقول خير صدقة لقمة يضعها الرجل في فم زوجته والاسلام يحث على ألا نذهب الى بيت أحدهم الا بموعد سابق حتى وان كان ذي قربى من باب الاستئناس الذي نستطيع أن نعرف منه ان كان الطرف الآخر سيستأنس بوجودنا عن طريق الاتصال قبل الزيارة وإعطاء الفرصة له للاستعداد.

أكاديمية لإعداد الإنسان المتحضر

الاكاديمية الدولية للاتيكيت الموجودة في قرية المعرفة بدبي تهدف بحسب مديرتها نور رومية الى تغيير النظرة السائدة عن الإتيكيت وتأكيد أهميته لكل البشر في حياتهم الاجتماعية والعملية لأنه أسلوب السلوك السليم في الحياة كما يجب أن يعيشها الإنسان المتحضر ليكون ناجحا وفي الوقت نفسه موضع تقدير، واحترام من الآخرين. ونور رومية هي بالأساس مهندسة كهرباء ولكنها وجدت اهتماماً خاصاً بهذا الجانب من الحياة لذا حرصت على الحصول على عدد من الدورات بمعاهد متخصصة في فرنسا ثم قررت إنشاء هذه الاكاديمية في دبي.

وعن بداية الفكرة تقول: البداية جاءت عن طريق تفكير مشترك بيني وبين شريكتي بعد أن لاحظنا أن المؤسسات التي تهتم بهذا الموضوع موجودة في أغلب دول العالم وأنها غير موجودة في دبي على الرغم من أنها تضم أكبر تجمع للجنسيات في العالم وربما يؤدي ذلك الى صعوبة التفاهم لاختلاف العادات والتقاليد وفكرنا أننا نستطيع ضمن نطاق أكاديمي وبمساعدة جهات متخصصة من سويسرا وأمريكا ونجلترا أن نطور برامج لتعليم الجنسيات المختلفة أصول التصرف في مختلف الأجواء بأن نضع بين أياديهم برامج متخصصة لتعليم الاتيكيت ضمن عادات وتقاليد المنطقة وهذا يعينهم على التأقلم والانخراط في المكان الذي يقيمون فيه.

وعن نوعية البرامج التي تدرس للملتحقين بالمعهد قالت: تتنوع البرامج حسب احتياجات ومتطلبات كل دارس للأطفال والشباب أو الحياة الاجتماعية للسيدات أو لرجال الأعمال والعاملين في مجالات تحتاج الى أسلوب معين في التعامل مثل خدمة العملاء عن طريق التليفون والاستقبال في الفنادق ومسؤولى المبيعات وكافة المجالات التي تهتم بها المؤسسات الكبرى وتسعى الى تطوير العاملين بها من ناحية الأسلوب وحسن التصرف.

وأضافت: المنهج الذي نعمل من خلاله يعمل على جعل السلوك المتحضر جزءاً من تركيبة الشخص بحيث يقوم به بلا تكلف أو عناء بل بشكل تلقائي وسلس وأحيانا تكون هناك مشكلة شخصية تعوق الشخص عن ممارسة السلوك بشكل طبيعي خوفا من انتقاد الآخرين له أو السخرية منه فنساعده على تخطي هذا الانطواء.

وعن كيفية ايجاد الأسلوب المقبول للتعامل لدى الجنسيات على اختلاف عاداتهم وتقاليدهم قالت التعدد الثقافي المخرج منه الاتيكيت وهو مصطلح يقصد به الآداب العامة في التعامل ولأن المرجعية هنا هي الثقافة الإنسانية الشاملة فقلما تختلف بين البلدان ويتضمن المعلومات ذات الخصوصية للمناطق المختلفة تبعا لعاداتها وتقاليدها الراسخة حتى تراعى عند التواجد بها.

وعن تقبل المجتمع للفكرة وإقباله عليها قالت: إقبال الدارسين على الأكاديمية من مختلف الأعمار يؤكد استيعاب عدد كبير منهم لأهمية هذا المنهج.

وعن برامج المعهد قالت: بالمعهد 4 برامج الاول للأطفال والشباب نحن نعلم الطفل كيف يصبح السلوك والتصرف الحسن جزءاً من تركيبته التى ينمو عليها وكيف يتعامل مع زملائه ومدرسيه والسائق الذي يصطحبه للمدرسة وكيف يتعامل مع أسرته. أما البرنامج الثانى فهو الإتيكيت الاجتماعي وهو موجه للرجال والنساء.

والبرنامج الثالث هو اتيكيت رجال الأعمال ويتضمن كل مايحيط بالعمل بدءاً من التعامل مع الزملاء أو العملاء والتحضير للقاءات العمل واتيكيت غرف الأجتماعات وحتى طرق مواجهة ضغوط العمل بمرونة. أما البرنامج الرابع فموجه للوافدين ويشمل تعليم حضارة المنطقة وأصول وتقاليد المجتمع وتعريف طريقة التصرف بشكل سليم أثناء المناسبات الهامة وذات الخصوصية مثل شهر رمضان وأيام الأعياد والاصول التي يجب أن تراعى حفاظا على مشاعر الاخرين وكل هذا يسهل انخراطهم في المجتمع الخليجي.

وعن المدة التي يحتاجها المتدرب للوصول الى المستوى المطلوب قالت: كل برنامج له مراحله المتدرجة من يوم الى أسبوع وعملية التدريس تخضع لرغبة المتدرب واختياره لما يريد أن يتدرب عليه فهناك سيدة مثلا تتقدم طالبة تعلم الجزء الخاص بكيفية تحضير طاولة الطعام مثلا ولاترغب في بقية المنهج فنلبي لها رغبتها في دراسة هذه الجزئية.

التصنع سلوك هستيري

د. حسين علي رضا استاذ علم النفس، تحدث عن الفارق بين النفاق والاتيكيت قائلاً: بعض الاشخاص تكون في طبيعتهم المبالغة وهؤلاء يبالغون في تصرفاتهم التي يحاولون من خلالها عكس صورة لهم عكس طبيعتهم وهذا ما نسميه في علم النفس بالسلوك الهستيري وهو اظهار ما ليس بداخلنا أو المبالغة في اظهار ما لدينا ولكن غالباً ما تكتشف هذه السلوكيات المصطنعة للطرف الآخر وتأتي المبالغة في المجاملات بنتيجة عكسية خاصة إذا كان بها تنازلات أو تقليل من شأن النفس لارضاء الطرف الآخر لأي سبب لأن الطرف الآخر يدرك أن هذا نفاق وليس مشاعر حب أو تقدير نابعة من القلب لذا فالأسلوب الأفضل حتى يستطيع الانسان ان يعطي الآخرين الانطباع الجيد عن نفسه هو الصدق والاعتدال في المجاملة واتباع قواعد الاتيكيت وان يكون منطقياً في مجاملاته.

وأضاف: هناك جانب آخر يجب ان يراعى في اتباع الاتيكيت هو طبيعة وعادات الآخرين الاجتماعية فما يصلح لبيئة لا يصلح لغيرها لذا يجب احترام مشاعر الآخرين والابتعاد عن ما يسبب لهم الحرج تحت مظلة أننا نتبع الاتيكيت لأن هذا يعني أنه لا يهتم بالفعل بمشاعر الآخرين ولكنه يدعي ذلك في محاولة لإظهار صورة مثالية لنفسه على عكس الحقيقة.