إذا رأيت في الناس من اجترؤوا على الحق، وتبذؤوا فيما بينهم، وتفحشوا بالفعل والقول فأرجع ذلك كله إلى غياب الحياء ونزعه من قلوب العباد، واذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "آخر ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحِ، فاصنع ما شئت"، فلم يقترن الإيمان بشيء أفضل من التقوى، ولم يتزين بخلق أفضل من الحياء، لأنه في أبسط تعريف له أنه خلق يبعث على فعل كل مليح وترك كل قبيح، وهو من صفات النفس المحمودة، وهو رأس مكارم الأخلاق، وزينة الإيمان، وشعار الإسلام، كما في الحديث: "إن لكل دين خُلقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء" .

خلق الأنبياء

وحين تستجمع أمام ناظريك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحياء ستعرف أنه - صلى الله عليه وسلم - وصف به ربه، وذكر أنه كان خلق الأنبياء واتصف به - صلى الله عليه وسلم - ففي صحيح ابن ماجة وأبي داود عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً، أو قال خائبتين"، وقد صح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله حييٌ كريمٌ يكني عما شاء، فذكر الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والتغشي، والجماع كله النكاح، ولكن الله يُكني" .
والحياء خلق جميع الأنبياء، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح"، وكان رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - تجسيداً حياً لهذا الخلق في أسمى معانيه، وقد ورد عن الصحابة في صفاته وأخلاقه وشيمه وشمائله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أشد حياءً من العذراء في خلوتها، والحياء كما قال صلى الله عليه وسلم خير كله، شعبة من شعب الإيمان، بل إنه والإيمان قرينان، إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر، وقد تلقى الصحابة - رضي الله عنهم - هذا الخُلق الكريم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويروي البخاري عن أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: "سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ إن النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَاراً، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ"، وفي رواية لمسلم: "الحياء خير كله" .

قرين الإيمان

والحياء خلق يحبه الله - عز وجل - وقد روى أبو داود والنسائي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر والحياء"، فهو من الإيمان، وكلما ازداد منه صاحبه ازداد إيمانه، والعكس صحيح، كلما نقص إيمان العبد نقص حياؤه، وبين النبي اقتران الإيمان بالحياء، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان والحياء قُرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر"، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل من الأنصار وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضر بك"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإن الحياء من الإيمان"، وهذا لما للحياء من مزايا وفضائل تجعله من الإيمان وقد أمرنا رسولنا الكريم بالتخلق به وحثنا عليه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون، شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" .
والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في فُحشٍ، والجفاء ضد البر، وهو في النار، وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار" .

الحياء من الله

أما أعلى مراتب الحياء وأجلها فهي مرتبة الحياء من الله، ويروى أن رجلا خلا بامرأة فأرادها على الفاحشة، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب . قالت: فأين مكوكبها؟ (تعني أين خالقها)، ولذلك يرى العلماء أن الآية الكريمة في سورة العلق "أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى" هي مفتاح الحياء، فلو أنك علمت علم اليقين أن الله يراك، واستقرت في نفسك تلك الحقيقة، فلن يكون أمامك غير الحياء من ربك، حياء من أن يراك في معصية، حياء من أن يفتقدك في طاعة، حياء من كل ما توسوس لك به نفسك الأمارة بالسوء، "وَلَقدْ خَلَقنَا الإنسانَ وَنَعْلمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" فهو سبحانه مطلع على أحوال عباده، رقيب عليهم، اطلاع حتى على ما توسوس به نفس العبد، اطلاع يقوي عنده خلق الحياء من الله، حياء يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وتدبر قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "استحيوا من الله حق الحياء . فقالوا: يا رسول الله إنا نستحي . قال: ليس ذاكم، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" .
ومن الحياء أن يستحيي العبد من ملائكة الرحمن، أولئك المكلفين به، المطلعين على ما يأتيه من قول وعمل، الذين قال الله تعالى فيهم: "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظينَ، كِرَاماً كَاتِبينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ"، وفي هذا يقول ابن القيم: "استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام، وأكرموهم، وأجلُّوهم أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه مَنْ هو مثلكم"، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يعصي بين يديه، فما الظن بإيذاء الملائكة الكرام الكاتبين .

ميزان الأفعال

والحياء من الناس فيه خير كثير، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حكماً على أفعال العبد، ووضعه موضع الضابط والميزان الذي يضبط ويزن تلك الأفعال، فقال - صلى الله عليه وسلم: "ما كرهتَ أن يراه الناس فلا تفعله إذا خلوت"، وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: "لا خير فيمن لا يستحي من الناس"، وقال مجاهد: "لو أن المسلم لم يصب من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي لكفاه" .
وكما أن الحياء من الله يتبعه حياء من ملائكته الكرام البررة، ويستتبعه حياء من الناس، فقد قيل بحق إن من استحيا من الناس ولم يستح من نفسه، فنفسه أخس عنده من غيره، فحق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أحدًا من نفسه كأنه يراه، ويكون هذا الحياء بالعفة وصيانة الخلوات وحُسن السريرة، فإذا كبرت عند العبد نفسه فسيكون استحياؤه منها أعظم من استحيائه من غيره، ولهذا قال بعض السلف: من عمل في السر عملاً يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر .
ومن أفضل من شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلق الحياء الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقد روى مسلم بسنده عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعاً في بيتي، كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوى ثيابه، قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟"" .

محمد حماد