إعداد: محمد هاني عطوي
بعد مرور 3 سنوات تقريباً على هبوط المركبة كيوريوسيتي روفر وهي عربة متجولة على المريخ تتحرك بالطاقة النووية وجزء من مشروع مختبر علوم المريخ التابع لوكالة الفضاء الأمريكية للكشف عن أسراره وعن شكل من أشكال الحياة الغريبة عليه .
أطلقت العديد من المركبات الأخرى بهدف اكتشاف كواكب واقعة خارج مجموعتنا الشمسية . وتبين من خلال الاستثمارات الضخمة أن اكتشاف مثل هذا النوع من الكواكب آخذ في الازدياد . ولكن لم يُعثر بعد في أي من هذه الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية، (الكواكب الخارجية) على أي شكل من أشكال الحياة، حتى المجهرية منها .
يستمر هذا السعي الحثيث في تأجيج الأوهام وإثارة الخيالات التي يصل بعضها إلى مرحلة الجنون من أجل العثور بأي طريقة ومهما بلغت التكاليف على حياة أو أي شكل من أشكالها في هذا الكون الفسيح . فما الأسباب التي تجعل العلماء منبهرين بمسألة البحث عن حياة في مكان آخر غير الأرض؟
يقول جون لو بيرتو المدير الفخري لمختبر الأبحاث المتعلقة بالأغلفة الجوية والرصد الفضائي في مركز CNRS بفرنسا أن ثمة ثلاثة أسباب وراء هذا الأمر: الأول هو معرفة إن كانت الأرض تمثل استثناء فعلياً في هذا الكون من جهة أنها الوحيدة حتى الآن التي تحوي حياة ذكية . وفي هذا الصدد يتساءل جون لو بيرتو: "هل نحن الكائنات الحية الوحيدة في الكون؟ لعل هذا السؤال الوجودي هو أحد الأسئلة العظيمة في التاريخ البشري" لأنه لو تم اكتشاف شكل من أشكال الحياة خارج كوكب الأرض، فإن الأرض ستفقد مكانتها الحالية باعتبارها المهد الوحيد للحياة المعروفة . ويقول كريستوف مالاتير، المتخصص في فلسفة العلم، والمساهم في تحضير كتاب "من الخمول إلى الحياة": حتى اللحظة، يعتبر كوكبنا استثناء في هذا الأمر فعطارد والمريخ والزهرة ثلاثة كواكب نعتبرها كأبناء عمومة للأرض، وهي لم تتبع المصير نفسه في التطور على الرغم من أنها عرفت ظروفاً أولية مماثلة ولذا فإن اكتشاف الحياة على كوكب آخر سيكون بمثابة ثورة كوبرنيكوسية جديدة . ويضيف مالاتير أن الإنسان اعتقد دائماً في مركزية الكون ولكن مع ظهور الاكتشافات عبر القرون، تبين له خطأ هذا الاعتقاد وان اكتشاف الحياة على كوكب آخر سيكون خطوة إضافية، ومهمة .
ويشير الفيلسوف إلى أن الناس يعتقدون منذ العصور القديمة، أن الأرض هي مركز الكون ثم اعتقدوا أن الشمس في وسط الكون ثم أدركوا بعد ذلك أن الأرض ليست سوى جزء من النظام الشمسي، الذي يقع على مشارف مجرة درب التبانة التي لا تعتبر بدورها بحد ذاتها سوى واحدة من كثير المجرات .
ومع ذلك، فالبحث عن حياة خارج المجموعة الشمسية لا تحركه فقط اعتبارات وجودية . فوفقاً لكريستوف مالاتير فإن مزايا البحث العلمي تكمن في مكان آخر فالعلم حسب رأيه يبحث عن أسباب مادية للأمور .
السبب الثاني في البحث عن حيوات أخرى في الكون، حسب جون لو بيرتو هو إلقاء الضوء على أصلنا فالبحث عن حياة في أماكن أخرى، مثل المريخ، هو أمر مفيد لأن الكوكب الأحمر يوفر ظروفاً مشابهة لتلك التي عرفت على الأرض قبل بضعة مليارات من السنين، عندما ظهرت عليها أول أشكال الحياة حسب رأي بعض العلماء ممن يؤمنون بالتطور . وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الاهتمام بالحياة خارج كوكب الأرض يفيدنا في المقام الأول في فهم أفضل لحياتنا .
والواقع أن عدم تمكن الإنسان من دراسة الحياة في أماكن أخرى، جعله يعكف على الحياة التي يتمكن من مشاهدتها بالفعل ولذا نجده قد اختبرها، وصنفها، وفصلها تماماً لكنه ما زال يعتقد أن الظروف التي أدت إلى ظهورها على الأرض لا تزال غامضة . فالتولد التلقائي أي ظهور الحياة من مادة غير حية، لا يزال غير واضح بالنسبة له على حد قول لويس دي هونديكور أخصائي علم الفلك الكيميائي ومدير الأبحاث في CNRS، الذي شارك في تأليف كتاب من "الخمول إلى الحياة" .
ويقول هونديكور: تظهر لنا فرضيتان رئيسيتان، من جهة، فإن الحياة جلبت إلى الكواكب الأرضية "الصخري" مثل الأرض عن طريق أجرام سماوية "النيازك" وذلك على هيئة ماء ومواد عضوية معقدة وهي الأحماض الأمينية، الضرورية للحياة . من جهة أخرى، هناك فرضية محيط "الماجما" الصهارة التي تشكلت خلال تشكيل طبقة وشاح الأرض . فقد عملت هذه الكتلة الصخرية المنصهرة على محاصرة الكربون، والأوكسجين، والنيتروجين، وربما المياه ثم حررت هذه العناصر في وقت لاحق من خلال البراكين والمصادر الحرارية المائية وبالتالي سمحت بانطلاق العمليات الكيميائية العضوية الضرورية للحياة .
ويرى هونديكور أنه إذا تمكنا يوماً ما من دراسة شكل من أشكال الحياة خارج الأرض، فربما ستعطينا بالفعل أول نقطة مقارنة مع حالة الحياة على الأرض . ولكن هل ستكون قد ظهرت في بيئة مشابهة لبيئة كوكب الأرض؟ وإذا لم تكن كذلك، فكيف تنتظم؟ أسئلة كثيرة لا تزال دون إجابة، وإجاباتها صعبة التخيل .
أما السبب الثالث فيتمثل في معرفة إن كان بالإمكان وجود الكائن الحي على أشكال أخرى فحتى الوقت الحالي تعتبر الحياة على الأرض القائمة على أساس الحمض النووي DNA هي النموذج الوحيد الذي نعرفه . وعلى الرغم من التنوع الكبير في الأنواع والبكتيريا، فإننا نجد على هذا الكوكب تفرداً وخصوصية في الحياة . ويشير لويس هنديكور إلى أن عناصر الأساسية التي تقوم عليها الحياة كما نعرفها تستند في المقام الأول على ست ذرات: الهيدروجين، والأوكسجين والكربون والبوتاسيوم والنيتروجين والفوسفور وغير ذلك لم يتسن لنا حتى الآن رؤية أنواع أخرى من الحياة . ولذا سيكون من المفيد دراسة هذه الأنواع على كواكب أخرى لمقارنتها مع ما نعرفه عن حياتنا .
ويشير أخصائي جيولوجيا الكواكب فرانسوا فورجيه، مدير الأبحاث في CNRS إلى أنه من الضروري الاهتمام بالكواكب الأخرى لدراسة الحياة، لأننا على سبيل المثال ندرس في الطب، حيوانات أخرى لفهم أفضل لطبيعة الإنسان وهذا ما يفعله في الواقع أخصائيو بيولوجيا الفضاء وهو فرع جديد من فروع العلم برز مؤخراً وأحرز تقدماً كبيراً في هذا المجال بفضل العمل التعاوني مع العديد من التخصصات مثل الفيزياء الفلكية وعلم الفلك والكواكب والأحياء، والكيمياء، ويحاول الباحثون في هذا المجال تخيل ما تبدو عليه كائنات حية أخرى تعتمد على عناصر مختلفة عن عناصرنا .
على سبيل المثال، افترض هؤلاء وجود شكل من أشكال الحياة يعتمد على السيليكون، وليس الكربون . ولكن هناك، وفقاً لهؤلاء مشكلة كبيرة، فالسيليكا، أي الرمال، يجب أن تسخن إلى أكثر من 1500 درجة كي تصبح سائلة، وهو شرط أساسي كي تتشكل الحياة وتتطور . ولكن من المعلوم أن الحياة لا يمكن أن تظهر في مثل هذا القدر من درجة الحرارة . والمشكلة ربما تكون مماثلة إذا ما حاولنا أن نتخيل مذيباً آخر غير الماء . كالأمونيا مثلاً الذي يعتبر أحد العناصر التي يمكن نظرياً أن تحل محل الماء لكنه غير مستقر ولا يصل إلى الحالة السائلة إلا في درجات حرارة سلبية وهذه حرارة منخفضة جداً من أجل ظهور الحياة وتطورها . ويخلص الباحث فرانسوا فورجيه إلى نتيجة مفادها أنه لا يؤمن بفكرة وجود ظواهر مختلفة تماماً عن ظاهرة الحياة كما نعرفها على الأرض .

الكربون وليس السيليكون

الحياة على الأرض قائمة على الكربون وهذا يعني ببساطة أن كيمياء الحياة على الأرض تستخدم الكربون لتكوين الجزيئات العضوية المعقدة التي تستخدم لمختلف وظائف الحياة حيث نجد أن عنصر الكربون يدخل في كل تراكيب الكائنات الحية مثل أغشية الخلايا، الأنزيمات، البروتينات، الهرمونات، وصولاً إلى الحمض النووي ومركبات أخرى . ولسنوات طويلة كان حلم العلماء وكتاب الخيال العلمي يتمحور حول احتمال وجود كائنات حية مبنية على أساس عنصر آخر غير الكربون ومن يتذكر مسلسل "ستار تريك" في الثمانينات خصوصاً الحلقة 25 من الجزء الأول لا بد أنه شاهد الكائن الفضائي "هورتا" المكون من السيليكون . ومن المعروف أن العناصر المختلفة يمكن أن تمتلك خصائص كيميائية متشابهة وهذه التشابهات تنبع من حقيقة أن جميع الذرات هي أساساً وضعت معاً بنفس الطريقة في الجدول الدوري للعناصر في الكيمياء حيث إن العناصر المرتبة في عمود واحد لها عدد الإلكترونات نفسه في غلاف الذرة الخارجي . ومن المعلوم أيضاً أن الإلكترونات في الغلاف الخارجي تلعب دوراً في التفاعلات الكيميائية وهذا يعني أن العناصر في العمود نفسه تميل إلى المشاركة في التفاعلات الكيميائية . ولو نظرنا إلى العمود الذي يبدأ بالكربون C سنرى أسفل منه عنصر السيليكون Si وهو العنصر المقترح ليحل محل الكربون كعنصر أساسي للحياة . فالسيليكون لديه عدد الإلكترونات نفسه في غلافه الخارجي مما يعني أنه يمكن أن يشكل أربعة روابط تماماً مثل الكربون كما أنه متوفر جداً ويمكن أن يترابط بسهولة مكوناً مركبات كثيرة . لكن ذرة السيليكون أثقل بمرتين أو ثلاثة من ذرة الكربون وأكبر منها بنحو 60% لأن الروابط التي تجمعها مع غيرها أطول من روابط ذرة الكربون . ووفقاً لعلماء الكيمياء فإنه من السهل جداً خلق سلاسل وحلقات طويلة من ذرات الكربون ومن غير المألوف أن توجد سلاسل أو حلقات طويلة من ذرات السيليكون كي ترتبط معاً . بل إنه من النادر جداً العثور على مركب يحتوي على ثلاث ذرات سيليكون مترابطة بشكل Si-Si-Si أي أنه سينتج لدينا جزيئاً يشبه كرتين حديديتين تصل بينهما قطعة خشب!