الحي الساكن يعيش فيه آلاف الفقراء المكدسين في أعشاش بشرية الذين عرف حيهم بأنه أحد أفقر وأقدم أحياء الصفيح في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

وكان هذا الحي معادلة سياسية في الانقلاب الأخير في موريتانيا، فمنه كشف الجنرال محمد ولد عبدالعزيز عن وجه من أسوأ وجوه الفقر والفساد في البلاد. وهو الوجه الذي طالما تجاهله السياسيون الموريتانيون الذين يتجنبون زيارة الحي بسبب واقعه المزري على جميع المستويات، حتى في الحملات الانتخابية كان السياسيون يتجنبون زيارة الحي ويستعينون بإنابة بعض سكانه لتبليغ رسالتهم الانتخابية وطلب الأصوات الانتخابية.

واقع الحي الساكن آذن في التغيير بعد ثلاثين (30) سنة من الانتظار، فعشية الانقلاب كان الجنرال عزيز مصراً على تدشين سياسة جديدة تحت شعار الاهتمام بالفقراء استهدف من ورائها رفع شعبيته في الأوساط المسحوقة وإحراج مناوئيه، وهكذا كان أول رئيس يدخل الحي الساكن ويتجول بين بيوته وداخل أعرشته، وخاطب سكان الحي بلغة تحريضية خلاصتها أن الحكومات الماضية لم تهتم بالطبقات المسحوقة وأفرغت وقتها في الفساد وفي ترضية الأغنياء.

واستخدم الجنرال لغة هذه المساكن مع الأسف لا تصلح بيوتا لسكن الدجاج، ليصدر مباشرة أوامره بإعادة هيكلة الحي وتوزيع قطعه الأرضية على السكان الذين ظلوا لثلاثين سنة ينتظرون الحصول على قطعة أرضية ومدهم بالماء والكهرباء والهاتف والمدارس والمستوصفات.. أشياء منهم من ولد هنا وتزوج وولد ولم يكن يحلم بها.

بعد ذلك أصبح الحي الساكن عنواناً ومثالاً لما ينتظر أحزمة أحياء الصفيح التي تحتضن أكثر من نصف سكان العاصمة نواكشوط، والتي كانت كلها على موعد مع زيارة للجنرال الذي أطلق سكان هذه الأحياء عليه لقب رئيس الفقراء.

إنهم يجعلونها حاجزا بينهم وبين حر الشمس وبرد الليل، لكنها وسيلة غير مجدية مع تعاقب الجديدين على ساكني الحي الساكن، حيث الحياة هناك مأساوية بكل تفاصيلها نتيجة غياب البنية التحتية والتخطيط الرسمي لتلك الأعرشة التي يستظل بها هؤلاء المساكين، وحيث غياب التواصل الحضري مع هذا الحي من العاصمة نواكشوط، لكن رغم كل هذه السوداوية الظاهرة على وجوه هؤلاء البسطاء وغياب وسائل الحياة البسيطة فالغريب أن هناك اكتظاظا كبيرا من حيث السكان على هذا الحي للفوز بقطع أراض في هذا الحي نظراً لقربه من وسط المدينة، لذلك لا يكاد المار يعبر من دون أن يدخل في كوخ أسرة أو كوخ رجل يسكن وحده أو امرأة تسكن مع أطفالها، أو أغنام تتبع لهذه الأسرة أو تلك، وتتقارب المساكن، إن جاز التعبير، بشكل يجعل الداخل على إحدى الأسر كأنه يسمع ويرى بكل وضوح ما يدور لدى الأسر المجاورة على امتداد العين، ومبلغ السمع، حيث تتكدس 5 آلاف أسرة في شريط ضيق لا يكاد يبلغ كيلومترين، وكل أسرة تقبع في أمتار قليلة تتخذ شكلاً سكنياً عشوائياً محفوفاً بحدود عبارة عن أوتاد من خشب أو خردة حديد أو علامات من العجلات المطاطية البالية.

إنها صورة لكل ما يختزله هذا الحي من المتناقضات في جنباته التي لا يتمنى الإنسان عند وصفها له أن يكون من سكانه أو أن يأتي به القدر ولو صدفة إلى هذا المكان الذي يرزح تحت وطأة المعاناة، ففي الطرف الجنوبي من الحي، حيث بدأنا جولتنا، ندخل عريشا تجلس تحته سيدة أم لخمسة أطفال وهي مطلقة وتعيش من تفصيل الملاحف بما لا يتجاوز مائة دولار في الشهر، ما يوفر بالكاد وجبة الغداء. أما العشاء والفطور فسلام على الرفاهية، وإلى جانبها تعيش إحدى قريباتها تزوجت قبل سنتين ومنذ سنة والزوج غائب في مدينة داخلية لم يرسل أوقية واحدة فيما تعتاش هي على الديون، لكنها ليست أسوأ حالا من جارها الذي أقعده مرض ألم الظهر عن مهنة سائق أجرة، فبات هو وطفلاه وزوجته تحت رحمة ذوي الأيادي البيضاء على قلتهم.

وفي خيمة من القماش البالي محاطة بسياج مهترئ تعيش أسرة أشريفة وهي سيدة في الأربعين من عمرها جاءت من بلدتها الواقعة على بعد 80 كلم شرق نواكشوط قبل سبع سنوات، وعانت أشريفة من شظف العيش هي وأطفالها الأربعة، وهي تعيش على المساعدات من أقاربها ومن جيرانها.

مشاهد ومشاهد من الفقر والبؤس والإهمال تجعل لكل كوخ، ولكل خيمة، ولكل عريش قصة يندى لها الجبين. فلا غرابة أن يكون كل زائر غريب يحمل الكاميرا بمثابة مسيح ربما يحمل الخلاص، وعلى الأقل يحمل رسالة للسلطات بأنهم في أمس الحاجة إلى الإسراع بتغيير الواقع، وأنهم يعيشون منذ سنين عدة حلم تسكين الحي الساكن.

تجمهرت مجموعة من الأشخاص تتسابق للإدلاء بالمعلومات عن الحي وعن معاناة سكانه، بين هؤلاء ومن تحت ثياب رثة، ووجه نحيل تشرق ابتسامة هادئة من ثنايا شابة صغيرة تكاد آثار شظف العيش تسرق منها ملامح الجمال وهي تراقب اللجنة الحكومية التي شرعت للتو في وضع علامات الشوارع وحدود القطع الأرضية.

تعود قصة ميلاد الحي الساكن، بحسب ما يرويها رجل مسن من سكانه، إلى العقود الثلاثة الماضية وبالتحديد في السبعينات من القرن الماضي عندما ضرب الجفاف موريتانيا ونفقت الحيوانات التي كان عليها اعتماد أهل الريف مما جعلهم يفكرون في مصدر جديد للحياة لم يكن سوى الهجرة للمدينة ومحاولة التأقلم مع الحياة الجديدة تلك قصة إحدى الأسر الموريتانية التي تسكن الحي الساكن منذ 30 سنة، وهي أسرة بلال البالغ من العمر 75 سنة والذي يعيل أسرة تتكون من عشرة أفراد، يحمد الله أن سبعة منهم ذكور.

يروي بلال قصته بشيء من الأسى والحزن فيتذكر أيام كان في البادية حيث الحياة بسيطة لا تحتاج كثير عناء ومشقة ويقارنها بما يعيش عليه اليوم من ضيق في الرزق وتعقيد في الحياة حيث مر بكثير من التنقلات من هذه القطعة الأرضية إلى تلك إلى أخرى أكثر منها صعوبة.

وبلال هنا لأنه ليس كزملاء له من ذوي الوساطة التي مكنتهم من الحصول على حقوقهم في السكن في أماكن أخرى، ورغم قدم الزمن الذي أمضاه في هذا الحي حتى صار الجيران يلقبونه بشيخ الحي تعبيرا عن قدمه في الحي، فهو لا ينوي مغادرته يوما حتى لو توفر له السكن في مقاطعة أخرى، لأن الحي أصبح جزءا منه، ويتبسم قائلاً إنه لا يتصور هذا الحي حياً مدنياً نظيفاً.. بل هكذا فقط.

يتحدث عن العيش في الحي فيقول كان في الماضي أكثر بساطة فقد كانت الأسعار منخفضة نسبياً مقارنة مع حالها اليوم ويتذكر سعر بعض البضائع ويقارنه بما هي عليه حاليا فيجد البون شاسعا، كذلك اتساع رغبات العائلة ففي الماضي كان هناك أطفال لا يحتاجون كثير عناية في مثل هذه الأحياء الشعبية، أما الآن فقد اتسعت العائلة وكبر الأولاد وصار كل واحد منهم له مصروفاته الخاصة.

لكن مع بزوغ فجر جديد في تاريخ الحي الساكن بدأ الأمل يراود مخيلة بلال وأسرته بتغيير الحال.