لم يكن الكمبيوتر الاداة الوحيدة التي استفادت من اختراع الترانزيستور فقد جاء الجانب الثوري الآخر لهذا الاختراع في الراديو وقد تم ذلك على يد اليابانيين. لكن لا بد لنا من العودة قليلاً الى التاريخ لنرى أنه حينما تمكن ماركوني وللمرة الأولى من بث اشارات لاسلكية لمسافة 2،4 كيلومتر، فقد عمل بذلك على انطلاق ما يعرف الآن بالمذياع أو الراديو لأنه مع هذه الاداة بدأت علامة جديدة وغريبة بين الانسان والآلة.

الواقع ان ماركوني لم يكن الأول الذي حقق هذه الثورة العلمية فقبله بثلاثين عاماً استطاع الأمريكي مالون لوميس ارسال اشارات لاسلكية عبر ولاية فيرجينيا عن طريق نصب سلكين نحاسيين طول كل منهما مائتا متر فوق طيارتي لعب ورقتين حيث قام أحد هذين السلكين مقام الهوائي المرسل والثاني مقام الهوائي المستقبل اللاقط. وفي العام ذاته 1864 استطاع العالم الاسكوتلندي جيمس ماكسويل ان يكتشف موجات كهرومغناطيسية منبعثة من الشمس تخترق الفضاء وتصطدم بالأرض وأدرك ان لهذه الموجات اطوالاً مختلفة حيث يظهر بعضها على شكل حرارة والآخر على شكل ضوء في حين يظهر البعض منها على هيئة موجات راديو أي لاسلكية. وقد ايد العالم الألماني هيرتز هذه الملاحظات اثر سلسلة من التجارب عام 1888 فكانت موجات الراديو هي الأساسي الذي وفر لماركوني واسطة بث رسالته عبر الموجات نفسها.

ولقلة اهتمام الايطاليين باختراعه، توجه ماركوني عام 1899 الى انجلترا لثقته بأنها ستكون أكثر اهتماماً بمشروعه حيث أسس فيها شركة للراديو وهو لم يتجاوز الواحدة والعشرين من العمر ونجح في بث أول اشارة لاسلكية دولية عبر القنال الانجليزية نحو فرنسا. وفي العام ،1899 ابحر ماركوني الى الولايات المتحدة ليبث من هناك نتائج سباق اليخوت باللاسلكي وكانت الصحافة تلازمه كظله الى درجة ان أحد المراسلين وصفه بالفتى المتحمس ورجل الأفكار ذي العينين الحالمتين شديد التواضع الذي يهز كتفيه لامبالياً حينما يقال له إن اختراعه اشبه باكتشاف قارة جديدة.

وكان انتصار ماركوني الكبير حين بث في العام 1901 أول رسالة منطقية وهي عبارة عن ثلاث نقاط تمثل حرف S في لغة المورس عبر الأطلسي الى الجانب الآخر من الكرة الأرضية. ومع ذلك فإن الراديو بالمعنى الذي نعرفه أي المذياع كان لا يزال ينتظر عبقرية أخرى تخرجه الى النور، وقد حصل ذلك عام 1906 حينما تمكن العالم الامريكي لي دو فوريست من اختراع الأنابيب المفرغة التي مكنته من بث الصوت واذاعته لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى أدى الى خطر استعمال الراديو.

في تلك الاثناء كان هناك مهاجر روسي الأصل يدعى دافيد ساروتوف يعمل كعامل لاسلكي في الشركة التي أسسها ماركوني وقد أدرك ببعد نظره مضاعفات استخدام هذا الجهاز على نطاق شعبي لو وضع في صندوق خشبي صغير في البيوت لبث الموسيقا. وقد كوفئ ساروتوف فيما بعد بأن أصبح احد كبار مسؤولي شركة آر سي آي الشهيرة التي ساهمت في تأسيسها شركات كبرى مثل وستنغهاوس وجنرال الكتريك وآي تي آند تي. وهذه الشركة الأخيرة لم تنته قصتها مع الراديو بل وفي اختراع التزانزيستور ففي حين اتجه الأمريكيون الى الاستفادة من الترانزيستور في الكمبيوتر، إلا أن اليابانيين على الجانب الآخر احدثوا ثورتهم على صعيد الراديو.

ثورة اليابانيين

كان هناك رجل أعمال ياباني مغمور قدر له أن يصبح فيما بعد واحداً من أهم رجال الأعمال في العالم يتلقف باهتمام نشاط مختبرات بل التابعة لشركة أي تي أند تي على صعيد الترنزيستور مدركاً أهمية هذا الاختراع وبعده التجاري على الصعيد الشعبي العام. وكان هذا الرجل ويدعى آكيو مورتيا احد صاحبي شركة طوكيو لهندسة الاتصالات البعدية والتي سيعرفها الملايين فيما بعد باسم سوني، وقد توجه موريتا وشريكه الى الولايات المتحدة لشراء براءة استغلال الاختراع أي الترانزيستور في اليابان على أن يقررا فيما بعد ما الذي سيفعلانه به خاصة أنه عند اختراعه كان محصوراً في تضخيم الصوت فقط. ولم تكن توجد آنذاك أية ترانزيستورات خاصة بالراديوات خاصة ان الفكرة نفسها لم تخطر على بال مخترعي الترانزيستور. ولكن تفتقت عبقرية موريتا عن توظيف الاختراع لصنع الراديوات الصغيرة مطلقاً بذلك ثورة مدت عبر سلسلة من المراحل ابتداء بتصغير الراديو ذلك الجهاز الخشبي الكبير الذي يشبه اثاث المنزل الى اقصى الحدود وانتهاء بولادة الووكمان.

ولم تكن تلك الخطورة سهلة إذ كان على الشركة أولاً تصميم راديو جديد يستوعب الجهاز الصغير. وفي تلك الفترة كانت قد برزت موضة الاجهزة رفيعة الأداء هاي فاي التي كانت توفر للهواة الاستماع الى اصوات وألحان نقية وشجية. وكانت مضخمات الصوت تعمل بالانابيب المفرغة لكن اليابانيين قرروا استبدالها بالترانزيستور، وكان ذلك يتيح لهم لا تصغير الاجهزة فحسب، بل وانتاج اجهزة أقل استهلاكاً للطاقة، فعكف الرجلان على تصميم راديو يوضع في جيب القميص ويعمل على البطارية ويستطيع ان يعطي أداء صوتياً عالياً أي راديو ذي صوت عال وبطاقة منخفضة. والمثير في الأمر ان اسم شركة سوني لا معنى خاص له في أي لغة متداولة بل كل ما فعله الرجلان هو استعراض المعاجم الى أن وقعا على كلمه سونوس (Sonus فنحتاها الى سوني وكانت كتابتها على شكل (Sonny) تستلزم ان يلفظ الاسم بالياباني (Sohn-nee) وتعني مفلس مالياً ولذلك قررا كتابتها (Sony) باحرف لاتينية مما اعطاها مسحة عالمية.

تطوير الراديو

يروي ماكوتوكيكوتشي رئيس مختبرات الأبحاث في سوني ان تجارب مختبرات بل كانت ماثلة أمام الاجتماعات الدورية المعروفة في نظام الادارة الياباية وعندما تلا أحد الفنيين تقريراً يشير الى تحقيق ما عجزت عنه بل لم ينل التقرير اهتماماً كبيراً بل طلب منه متابعة الابحاث. والحقيقة ان ما قاله تقرير هذا الخبير يعني نجاح شركة سوني فيما فشلت به بل، إذ نجحت في استخدام الفوسفور في الترانزيستور وتحسين أدائه الى الحد المطلوب وهو ما يسمى باكتشاف تأثير النفق للصمام الثنائي والذي يعني من الناحية التقنية الطريقة التي تتحرك فيها الجسيمات دون الذرية على هيئة موجات عبر حاجز غير قابل للاختراق ظاهرياً وقد نال رئيس الفريق الياباني العالم الفيزيائي ليوايساكي جائزة نوبل عام 1973 على جهوده هذه.

تم انتاج أول راديو ترانزيستور عام ،1955 وأول راديو بحجم الجيب عام 1957 ورغم أنه كان اصغر راديو في العالم، فإنه لم يكن جيبياً بما فيه الكفاية أي أنه لم يكن يدخل جيب القميص كما خطط له. وقد اضطر فريق المبيعات في الشركة الى خياطة قمصان مندوبي المبيعات بجيوب اكبر ليضعوا فيها اجهزتهم في حملاتهم لتسويق الجهاز الجيبي.

لم تنته قصة سوني عند هذا الحد ذلك ان الشركة التي بدأت بصنع المسجلات وحققت ثورة الراديو الترانزيستور طرحت في الاسواق اصنافاً لم تكن معروفة من قبل، مما جعل سوني رائدة تكنولوجيا التصغير فهي التي صنعت التلفزيون التزانزيستور والووكمان والتلفزيون المعصمي المبسط الشاشة الوتشمان ولاعب الاقراص المضغوطة ومسجلة الكاسيت الفيديوية المتخصصة للاستعمال في المنازل، وابتكرت نظام الترينيتون وهي وسيلة جديدة لبث الصور الملونة في انبوب التلفزيون، والكاميرا الفيديوية كما كانت رائدة آلة التصوير من دون افلام. ويمكن القول إن الراديو التقليدي أي اللاسلكي، قد كشف عن دوره التغييري منذ ولادته في أوائل القرن فاليابانيون استعملوه للمرة الأولى في التاريخ كأداة لنقل التعليمات واستعمله الثوار الايرلنديون ليوصلوا اخبارهم الى سفن صديقة في البحر لتنقلها الى الصحافة الأمريكية مفتتحين بذلك أول اذاعة سياسية.

وحينما تحول هذا الراديو الى ترانزيستور أدى نقل الأصوات عبر مسافات طويلة الى تقارب الشعوب وتبادل الثقافات ومع قدوم الترانزيستور أصبح قوة سياسية هائلة.

القرية الالكترونية

كان افلاطون يقول: إن الحجم المناسب لمدينة ما يمليه عدد السكان الذين يستطيعون سماع خطيب الساحة العامة. وعلى الرغم من ان هذا التشبيه يتصور الدولة من متطلقات قبلية فإنه يمثل حقيقة جوهرية في الاجتماع البشري والتنظيم السياسي. فالراديو التقليدي اصلاً كان اداة تواصلية بعيدة المدى، ومن السهل ان نتصور الأثر المضاعف لهذا التأثير عندما أمكن جعل الراديو أداة صغيرة توضع في الجيب واشبه بلعبة في اليد، الأمر الذي أدى الى زيادة المفهوم التقليدي للجماعة القادرة على التواصل من عدد محدد كعدد افراد القبيلة، الى جمع غفيرة. وقد حدا ذلك بمارش مالكوهان الى القول إن ثورة المعلومات جعلت العالم يبدو كقرية الكترونية. ومنذ الستينات أصبح الراديو ترانزيستور أداة ثورية سياسية هائلة واسهم في سياسات العالم الثالث سلباً وايجاباً، ولعب دوره التاريخي في صياغة المفاهيم الاجتماعية والسياسية وأصبح المعادل العصري للطبل الذي يوحد القبيلة. وبحسب المحلل السياسي الياباني فوميو كوداما فإن مسجلات الكاسيت اليابانية هي التي وقفت وراء نجاح الثورة الايرانية وانتفاضة الفيلبين والحركة الديمقراطية في الصين. أوليست صورة مئات الألوف من ابناء العالم الثالث العاملين بعيداً عن ديارهم طلباً للرزق وهم يحملون ابريق الشاي بيد والراديو ترانزيستور باليد الأخرى في حلهم وترحالهم من أماكن عملهم أو عائدين الى ديارهم تعبيراً عن المسافة الشاسعة التي قطعها الراديو من الانابيب المفرغة الى الترانزيستورات الصغيرة.