خورفكان - بكر المحاسنة:
تتمتع مدينة خورفكان التابعة لإمارة الشارقة بوجود العديد من المناطق ذات الطبيعة الخلابة التي يجد فيها الزائر الهواء النقي والهدوء الشديد وصفاء الجو والمناظر الطبيعية الخلابة، ومنها منطقة الزبارة التي تقع شمال شرقي مدينة خورفكان مروراً بالطريق الرابط ما بين مدينة خورفكان ودبا، وعند الوصول إلى منطقة الزبارة ترسم المنطقة لزائريها ملامح خلابة، تأسر الناظر بصورة نصف حكايتها من الماضي، والنصف الآخر من الحاضر .
وتتميز المنطقة بوقوعها على الشاطئ البحري وبوجود العديد من الجبال التي يمر بجانبها الأودية والانحدارات الرأسية، التي لا تخلو من جمال الطبيعة الخلابة .
تشتهر المنطقة بوجود العديد من الآثار التاريخية ومنها "المهكة" التي كانت تستخدم لصناعة الأسمنت قديماً، وتشتهر بوجود عدد من بقايا الحصون والأبراج القديمة الواقعة على جبال المنطقة من الجهة الشمالية الشرقية وكانت تستخدم لمراقبة الساحل البحري للمنطقة ولحماية المنطقة والدفاع عنها، والتي يقدر عمرها بنحو 200 عام بحسب رأي الأهالي وعدد من بقايا البيوت القديمة والمساجد والآبار القديمة .
تشتهر المنطقة كذلك بوجود عدد كبير من مزارع التمور والفواكه والحمضيات، إضافة إلى محاصيل الخضراوات والحبوب المتنوعة، ويرجع ذلك إلى وفرة آبار المياه العذبة بشكل كبير منذ القدم، فضلاً عن وقوعها على مجرى وادٍ كبير يسمى الوريعة، وهو أحد الوديان الكبيرة الذي يمر من أراضيها ووادي القارة، وبعض الأودية الصغيرة الأخرى، وكلها تجمع مياه الأمطار سنوياً ويستخدمها الأهالي في ري المزروعات .
يسكن هذه المنطقة التي تحظى باهتمام كبير من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، قبائل النقبي والمرزوقي والحمادي والبلوشي، في مساكن شعبية حديثة بنيت بعد قيام الاتحاد، ويحتفظ الأهالي بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة المتوارثة عن الأجداد والآباء، واهتم أهالي الزبارة منذ القدم بصيد الأسماك وركوب البحر والغوص في أعماق البحار للبحث عن اللؤلؤ كما اهتم الأهالي بتربية المواشي والأغنام والجمال، والقيام بكافة أعمال الزراعة .
الخليج زارت منطقة الزبارة وكانت البداية من بيت العريش التراثي بمزرعة الوالد محمد صالح محمد النقبي أبو حميد 65 عاماً والي منطقة الزبارة والذي اجتمع فيه شواب المنطقة ليحكوا قصة الماضي والتاريخ العريق للمنطقة، وبدأت الضيافة بتقديم القهوة العربية المحضرة بالطرق القديمة مع أجود أنواع الرطب ودار الحديث عن المنطقة التي ما زالت محتفظة بخصوصية ماضيها الجميل وترابط سكانها وارتباطهم بالأرض وبساتينها الغناء وبتراث الآباء والأجداد، ويقول والي المنطقة والذي لا يزال محافظاً على تراث الآباء والأجداد ويمارس العديد من المهن القديمة: "تعتبر الطريف منطقة تاريخية وأثرية لوجود العديد من الآثار والمواقع التاريخية أهمها "المهكة" التي كانت تستخدم لصناعة الأسمنت قديماً ولوجود بقايا الحصون والأبراج القديمة التي استخدمها الأهالي في حماية المنطقة والدفاع عنها، ومراقبة مزارع المنطقة، كما تتميز بوجود عدد كبير من بقايا البيوت والمساجد القديمة التي تعود لمئات السنين، ومن أبرز المساجد القديمة مساجد العواني وخلفان مخلوف والبحر، وكلها تعود لمئات السنين، كما تتميز المنطقة بوجود العديد من الآبار والأفلاج التي كانت تستخدم في ري المزروعات، كما توجود شجرة التمر الهندي "اصبارة" التي يتجاوز عمرها أكثر من المئة عام .
نظراً لحب وشغف الوالد محمد صالح بتراث الآباء والأجداد، وبالمهن التقليدية القديمة، قام بإنشاء متحف تراثي داخل مزرعته يضم العديد من المقتنيات والأدوات القديمة التي كانت تستخدم في الحياة اليومية،وتعود لمئات السنين، كما أنه يقوم بممارسة العديد من المهن والحرف القديمة التي كانت سائدة في الماضي وذلك للمحافظة عليها وتعريف الجيل الجديد بماضي الآباء والأجداد .
الوالد علي النقبي أبو أحمد 53 عاماً يقول: "كنا في الماضي نعتمد في حياتنا بشكل أساسي على ركوب البحر وصيد الأسماك بأنواعها المختلفة والبعض من الأهالي كان يذهب مع أبناء المناطق الساحلية في رحلات البحث عن اللؤلؤ في أعماق البحار، كما كنا نعتمد على الزراعة، وذلك بزراعة جميع أنواع الأشجار خاصة أشجار النخيل والحبوب بأنواعها، وجمع الحطب وتحويله إلى سخام "فحم"، والبعض من الأهالي كان يقوم بتجارة المحاصيل الزراعية في أسواق دبي والشارقة، والبعض كان يقوم بشراء محاصيل التمور من الأهالي وشراء الحطب وبيعهما أو مقايضتهما مع التجار الإيرانيين، الذين كانوا يأتون بجمالهم وخيولهم إلى منطقة اللؤلؤية المجاورة لمنطقة الزبارة، كل موسم محملة باحتياجات الأسر، من دقيق وأرز وملح وزيت وقهوة وبعض الأقمشة وملابس النساء .
ويضيف: "منطقة الزبارة عاش فيها الآباء من قبائل النقبي والحمادي والمزروقي والبلوشي على العادات والتقاليد العربية الأصيلة في منازل قديمة مبنية من الطين والحجارة وجريد النخيل، ولكن بعد قيام الاتحاد بنيت لنا منازل شعبية أمر بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخوه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله . وبعد ذلك قام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ببناء العديد من المنازل الحديثة الواسعة والمجهزة بكافة الخدمات، كما أمر سموه بإعادة تأهيل بعض المنازل التي تحتاج إلى صيانة، ولم يقصر سموه يوماً في تقديم أي خدمات لأهالي منطقة الزبارة بشكل خاص وأهالي كافة مناطق الشارقة، حيث من خلال اهتمامه وتوجيهاته عبّدت الطرق الداخلية والخارجية للمنطقة ووصلت الكهرباء والمياه والاتصالات وكافة الخدمات التي جعلتها منطقة حديثة ومتطورة من كافة النواحي .
ويؤكد: "أهالي الزبارة ما زالوا يعيشون على الحب والتعاون وعشق الأرض والوفاء للوطن وللقيادة الحكيمة، ويعيشون في رغد وهناء وسعادة" .
وعن التعليم بالمنطقة قديماً يقول محمد راشد النقبي أبو حمد: "كان يقوم على المطوع وهو نفسه إمام المسجد الذي يؤم بالناس ويعلم الأولاد القرآن والاحاديث النبوية الشريفة وذلك من خلال حلقات التعليم التي كانت تقام بالمسجد أو تحت شجرة السدر الكبيرة المعروفة لدى جميع أهالي الزبارة، ومن أبرز المطوعين الذين قاموا بتعليم أولاد المنطقة أحمد بن بشير وخلفان مخلوف النقبي رحمهما الله، وكان المطوع يقوم بتعليم الأولاد مقابل شيء بسيط من منتجات الحيوانات أو التمور أو مقابل الحطب أو بعض الأسماك، وكان المطوع يحظى باحترام وتقدير جميع أهالي المنطقة كبيراً وصغيراً .
وعن الزراعة يقول: "كانت قديماً من المهن الرئيسية للأهالي وتجني عائداً كبيراً يكفي الأهالي طوال العام، ومن أهم المحاصيل في ذلك الوقت كانت التمور، وما زالت بكل أشكالها وأنواعها، إضافة إلى الليمون والبرتقال والهامبا "المانجو" واللوز الإماراتي والعديد من المحاصيل الصيفية والحبوب التي كانت تعتبر محصولاً نقدياً للأهالي في الأسواق، في وقت كانت الأمطار تتساقط بغزارة لدرجة أن السهول والوديان كانت طول مواسم الشتاء ممتلئة بالمياه .
ويشير إلى أن المنطقة قديماً كانت تتضمن العديد من المزارع الخضراء المملوءة بأشجار النخيل والمحاصيل المتنوعة وذلك لكثرة الأفلاج والآبار المائية العذبة الموجودة بأرضيها والتي لا تنقطع المياه منها على مدار أيام السنة، لكن في وقتنا الحاضر قلت عدد المزارع بالمنطقة ومات العديد من أشجار النخيل نظراً لارتفاع نسبة الملوحة بالتربة والمياه وقلة تساقط الأمطار .
ويؤكد عبيد علي المرزوقي أن للأهالي عادات وتقاليد مازالت متوارثة بين الأجيال ومن أهمها صلة الرحم والتعاون والتزاور الدائم، واحترام الجيران وإكرام الضيف وتقديم العون والمساعدة للجميع .
ويضيف: "أهالي الزبارة كانوا يمارسون العديد من المهن والحرف التقليدية الشعبية، وأبرز تلك المهن العلاج بالأعشاب والنباتات البرية واستخدام وسائل عديدة في علاج الكثير من الأمراض، ويرجع ذلك لتميز المنطقة بوفرة النباتات والأعشاب الطبية وكثرة أشجار السمر والسدر وأشجار الشريش التي تكثر بالمنطقة، خاصة في مواسم هطول الأمطار، ومن أبرز الأعشاب التي تكثر في المنطقة في مواسم معينة وتستخدم في العلاج من الأمراض عشبة الجعدة والحرمل والكرمل والحلول والزعتر البري"، مؤكداً أن شجرة "الشريش" كانت تزرع بكثرة وذلك باعتقاد الأهالي أنها شجرة تطرد الشياطين، كما أنها من أكثر الأشجار التي كان لها الدور الكبير في علاج الكثير من الأمراض .
راشد سعيد: "تتميز المنطقة بطبيعة خلابة وجميلة نظراً لوجودها على الساحل البحري ولقربها من الجبال، كما تتميز باحتضانها العديد من المواقع الأثرية والتاريخية التي تعبر عن التاريخ المجيد للأجداد والآباء وأهمها المهكة وبقايا المنازل القديمة وبقايا الحصون والأبراج القديمة، إضافة إلى الآبار وأفلاج المياه، مؤكداً أن هناك العديد من الأهالي ما زالوا محافظين على تاريخهم وعلى هوية الأرض من خلال تمسكهم وتشبثهم بكل ما هو قديم مثل بيوت أجدادهم وبعض الأدوات والمقتنيات التي كان يستخدمها الأهالي في الماضي، ومحافظين على بعض العادات والتقاليد المتوارثة من الآباء والأجداد بالرغم من مظاهر الحياة الرغيدة والرفاهية ومن التطور والتحديث الذي يحصل في حياتنا .

طريقة قديمة لصناعة الأسمنت


عن طريقة عمل "المهكة" يقول محمد صالح النقبي: المهكة حفرة قديمة تعود لمئات السنين وهي طريقة قديمة لصناعة الأسمنت الذي كان يعتمد عليه الأجداد والآباء في بناء المنازل القديمة بدلاً من الأسمنت الذي يستخدم في وقتنا الحاضر، والمهكة حفرتان على الساحل الرملي لشاطئ المنطقة، كل حفرة يمكن النزول فيها باستخدام درج مبني من الحجارة القاسية وتكون الحفرة بعمق متر ونصف، وبطول 3 أمتار وعرض مترين، ومحاطة من جميع الأطراف بأحجار الجبال القاسية منعاً لتساقط الأحجار والرمال فيها، ويتم وضع جذوع أشجار النخيل في داخلها، ومن ثم نقوم بجلب أحجار البحر والتي تسمى "محار اليشم الأبيض الكبير" التي تتميز بخفة وزنها، ويتم وضعها جانب الحفرة لمدة ثلاثة إلى أربعة أيام لكي تجف ثم نضعها فوق جذع النخيل بكميات كبيرة وأحجام مختلفة، بعدها نقوم بحرق الجذوع، وتترك حتى تخمد النار من تلقاء نفسها بعد ثلاثة أو أربعة أيام، ويتم رشها بالماء، ومن حرارة الضغط داخل الحفرة فإن مكونات المواد المذابة تسيل إلى الأسفل وتشكل "النورة" أي الترسبات التي تكون بيضاء اللون، ويتم جمعها في أوان ونقوم بغربلتها بصورة جيدة لاستخلاص مادة الأسمنت منها، والتي تستخدم في بناء البيوت القديمة، ويتميز بأنه أقوى من الأسمنت الحالي ويدخل في العديد من الاستخدمات .