تتعدد الاختبارات في حياة الفرد، وأكثرها طرافة الزيارة الأولى التي يقوم بها الشاب إلى منزل أهل الفتاة التي يفكر في الارتباط بها . تعد هذه الزيارات إحدى السمات الأساسية في مجتمعنا الشرقي، وهي امتحان لابد منه، وعلى نتيجته يتم تحديد قبول هذا الشاب صهراً للعائلة أم لا، وباختلاف المناطق واختلاف العادات على رقعة الوطن العربي الكبير، تختلف الخطوات التي يقوم بها الشاب في هذه الزيارة . عن هذه الزيارة وأهميتها وما تحمله من مواقف طريفة، كان التحقيق التالي:
مصطفى أحمد حسن يرى نفسه ضليعاً في هذا النوع من الامتحانات وعن خبرته المكتسبة يقول: لم تعد هذه الزيارات بالنسبة لي شيئاً غير مألوف، فقد بدأت رحلتي معها منذ أكثر من خمس سنوات، زرت عدداً من العائلات التي تختلف بتقاليدها وأساليب التفكير، وهو أمر لا أفخر به، بل أعده نوعاً من سوء الحظ، فقد كان بودي أن أحظى بالزوجة المناسبة من الزيارة الأولى، إلا أن هذا الأمر لم يحدث . وخلال هذه الزيارات تعرضت لعدد من المواقف الطريفة، ففي إحدى الزيارات ذهبت مع والدتي لزيارة عائلة لديها بنات في سن الزواج، توقعت أن أجد في البيت الفتاة مع أبيها وأمها وبعض إخوتها، إلا أني فوجئت بوجود جمهور غفير من الناس، هم أعمامها وأسرهم وأخوالها، وعدد من الجيران، وجلست مع هذا الحشد الغفير وبين الحضور عدد من الفتيات، وهنا وقعت في حيرة أيهن هي الفتاة التي جئت لخطبتها، وليزداد الطين بلة جلست أمي في مكان بعيد عني بعض الشيء، فلم تتمكن من إرشادي إلى الفتاة التي اختارتها حتى انتهت الزيارة . ويرى مصطفى أن هذه الطريقة في الزواج تعد الطريقة الأكثر شيوعاً في عالمنا العربي رغم الانفتاح الذي يشهده، ويضيف: تعد هذه الزيارات دليلاً على نية الشاب في الزواج، إذ إنه يدخل البيت من بابه، وهو بذلك يحافظ على سمعة الفتاة التي قد تصبح زوجته .
ويقول سعيد العلي عن زيارته لإحدى الأسر: ربطتني علاقة صادقة مع إحدى الفتيات، فقررت أن أزور عائلتها للتعرف إليها وطلب يدها، وقبل ذهابي سألتها عمّا أرتديه وما يجب عليه فعله أثناء هذه الزيارة وخصوصاً بأنهم من منطقة بعيدة عن المنطقة التي أنتمي إليها، وقد يكون لديهم عاداتهم الخاصة، فأخبرتني أن أكون على طبيعتي وأرتدي ما يناسبني . وبالفعل قمت بزيارة العائلة وجلست مع أخيها ووالدتها كون والدها متوفى، وفي اليوم الثاني اتصلت بها لأعرف ردة فعل أهلها، فما كان منها إلا أن أخبرتني بأن الأم لم تعجب بأناقتي ووجدتني أني شكلي لا يدعو إلى الارتياح، وتم رفضي ورغم محاولاتي المتكررة لتغيير وجهة نظر أهلها في، فإن الأم أصرت على موقفها، فهي تعد نفسها قادرة على تقييم الناس من النظرة الأولى، ومن هنا غضضت النظر عن هذه العائلة، وما زلت أتألم من الظلم الذي لحقني ولحق الفتاة نتيجة هذا التقييم، وأنصح كل شاب أن يبذل جهده قبل الزيارة الأولى لأهل الفتاة بالتعرف إلى عاداتهم وما يرغبون في رؤيته وسماعه إن كان حقاً يريد الارتباط .
عبدالله مطاوع كانت تجربته أقل صعوبة، يقول عنها: ربطتني بزوجتي في البداية علاقة زمالة جامعية، وفي إحدى المرات كنت في زيارة إلى المدينة التي تقطن فيها، وتقابلنا في أحد الأماكن العامة، جلسنا لفترة من الوقت، وطلبت مني القدوم للتعرف إلى أهلها، وفعلاً ذهبت إلى منزلهم وجلست مع عائلتها كوني زميل ابنتهم من دون أن يكون لدي حينها أي نية بالارتباط، وعندما شعرت أن الوقت حان للزواج، لم أجد خيراً منها، فقمت بزيارة أهلها الذين أعرفهم مسبقاً، فلم يكن هناك أي نوع من المفاجآت . ورغم أنه قام بعدد من هذه الزيارات قبل الزواج فإن عبدالله غير مقتنع تماماً بهذه العادات، ويقول: هذه الزيارات تجعل الشاب كمن يريد أن يشتري سيارة أو بيتاً يصفه له أحدهم ثم يذهب إلى رؤيته ومعاينته عن قرب، والعلاقات الإنسانية يجب ألا تخضع لقانون الامتحان، بل يجب أن تكون الخطوة الأولى في الزواج قائمة على معرفة مسبقة بالطرف الآخر، ولا أقصد هنا أن تكون هناك علاقة عاطفية بالضرورة، قد تكون معرفة من خلال العمل، أو الدراسة، أو أي طريقة أخرى مقبولة اجتماعياً .
وتسبب هذه الزيارات بالنسبة لمحمد عبده نوعاً من الخوف، يقول: نعيش في مجتمع شرقي محافظ له عاداته وتقاليده، والزواج له عدد من العادات، منها الخطبة التقليدية وهي أن تقوم الأم بزيارة بعض العائلات والسؤال عن وجود بنات في عمر الزواج، وكثيراً ما كنت أشعر بالتوتر عندما كانت تعلمني أمي بأنها وجدت الفتاة المناسبة لي، فأذهب إلى بيت الأهل، وآلاف من الأسئلة تدور في رأسي عنها، وكثيراً ما كنت أرجع بخفي حنين إذ لم يكن اختيار والدتي كما أريد، وهنا أرى في هذه الزيارات مشكلة للشاب والفتاة، ففي حال عدم تقبلي لها سأكون سببت لها جرحاً، وفي حال رفضي، سأكون تسببت لنفسي بنوع من الضيق تختلف درجاته من زيارة إلى أخرى .
عبدالرحمن الجدي كانت له تجربة حديثة في هذا الموضوع، يقول عنها: أعيش في أبوظبي منذ فترة وعائلتي كلها في بلدي الأم، وأردت أن أبحث عن فتاة أتزوجها، وكوني وحيداً ولا أملك علاقات كافية كلفت إحدى زميلاتي في العمل أن تقوم بدور أمي وتبحث في محيطها عن فتاة مناسبة، وما هي إلا أيام قليلة حتى أخبرتني بأنها وجدت فتاة جامعية من عائلة محترمة، وبالفعل اتصلت بأهل الفتاة وحددت موعداً للزيارة، ابتعت لنفسي ثياباً جديدة، وذهبت، في البداية جلست مع والدها ودار بيننا حوار تناولنا فيه عدداً من القضايا، ثم دخلت والدتها وأخوها وتعرفا إليّ بشكل جيد، ثم دخلت الفتاة، وأحسست بأنها كل ما أتمنى ودعوت في سري أن تسير الأمور على ما يرام، وبعد يومين من الزيارة اتصلت بأم الفتاة، التي حاولت أن تهون وقع الخبر علي من خلال وصفي بأني شاب ممتاز وبأن ألف فتاة تتمنى أن ترتبط في، إلا أن ابنتها لم تجد فيّ الشاب الحلم، شعرت بخيبة أمل كبيرة، وللحظة أحسست بأن الدنيا أصبحت كئيبة، لكن سرعان ما خرجت من هذه الحالة، وما زلت أبحث عن زوجة .
الحرج والصدمة وربما إهانة الرفض ليست قاصرة على الشباب الذكور، فهي مشاعر تمتد إلى الفتيات أيضاً .
لا تؤيد عبير المصري هذه الزيارات، فهي لا تجد فيها الطريقة المثلى لتعرف الشاب إلى الفتاة وتقول: بالرغم من عدم اقتناعي بهذه الطريقة في الزواج، فإنني لا استطيع رفضها كوني أعيش في مجتمع شرقي تمثل هذه الطريقة أحد تقاليده، فأنا أرغب في الارتباط بشاب يعرفني ويعرف ما هو مقدم عليه قبل أن يزور أهلي، أي يعرف اسمي وشكلي وطريقة تفكيري، ومع هذا، أعدّ هذه الزيارات نوعاً من المغامرة في حياة الفتاة، وقد تعزز في بعض الأحيان ثقة الفتاة بنفسها إذا ما كثر خطابها، عندما تخبرني والدتي بأن هناك من سيأتي للتعرف إليّ وخطبتي، أبدأ أفكر في هذا القادم، شكله، أسلوب حياته، أخلاقه، وكثيراً ما كنت أفاجأ بشاب يختلف تماماً عما رسمته في مخيلتي .
ناهد جندلي تصف نفسها بأنها فتاة ممتازة حسب المقاييس الدارجة هذه الأيام، وهذا السبب وراء كثرة خطابها، رغم أنها لم ترتبط حتى الآن . تقول: أجد في نفسي الصفات التي يرغب فيها شباب اليوم، فأعتقد أني شكلي جميل، وأعمل مهندسة ومرتبي جيد، وهو أمر داعم، فالشباب هذه الأيام يبحثون عن الفتاة الموظفة التي تساعدهم في تحمل مصروف الأسرة، وقد تقدم لخطبتي عدد لا بأس به من الشباب، إلا أن الخطبة لم تتم، فعندما يعجبني الشاب لا أنال إعجابه، أو يحدث العكس، وإذا ما كان الإعجاب متبادلاً يكون موقف أهلي أو أهله معارضاً، هذه المحاولات الفاشلة جعلتني أنفر من هذه الطريقة، وعن الأشياء التي تهمهما في شخصية المتقدم لها تقول: تعد أناقة الشاب المقياس الأول، فيهمني أن يكون الشاب أنيقاً، وأحب اللبق في الحديث، وأكره من يكرر كلمة أنا كثيراً، وأعجب بالشخص الذي يوجه كلامه لي مباشرة، فهذا يشعرني بوجودي، وكثيراً ما كنت أجلس في هذه الزيارات من دون أن يوجه إليّ المتقدم أي سؤال، وهو أمر يعطيني أحد انطباعين، إما أن الشاب خجول، أو أنه لا يولي لي أدنى اهتمام، وكلتا الحالتين مرفوضة لدي .
فياض الأحمد رب أسرة زوّج اثنتين من بناته، عن هذه العادات يقول: يسعى كل أب إلى الاطمئنان على بناته من خلال تزويجهن لشباب على مستوى عال من الأخلاق والعلم والعمل، ومن هنا تشكل المقابلة الأولى مع العريس المفترض نقطاً أساسية في عملية الاختيار، فهي مقابلة قائمة على غير معرفة، وتشكل اختباراً حقيقياً للشاب، فإن نجح فيها كان الطريق أمامه مفتوحاً للاستمرار، ويضيف عندما كانت زوجتي تعلمني بأن إحدى الأسر راغبة في زيارتنا طلباً للخطبة، أول ما أسأل عنه هو المستوى الأخلاقي والعلمي للشاب، فإذا ما كان ذا سمعة طيبة ومستوى تعليمي جيد وافقت على مقابلته، وعند المقابلة أحاول أن أتعرف شخصيته من خلال حديثه، ويجب أن أعرف وضعه المادي وأمور عمله، فمن الضروري أن أعرف أنه قادر على أن يؤمن لابنتي حياة كريمة، وعن المواقف الطريفة التي حصلت معه يقول: ذات مرة حدد أحد الشباب موعداً معي للتعارف، فقمت بتجهيز نفسي من خلال ارتداء أفضل ما لدي من لباس وكذلك فعلت زوجتي وابنتي، وعندما قدم هذا الشاب فوجئت بأنه يرتدي قميصاً مخططاً وبنطال جينز وحذاء رياضياً، كنت على وشك أن أرفض دخوله، إلا أن احترامي لمنزلي منعني من ذلك، وخلال الحديث تطرقت لموضوع لباسه، فأخبرني بأنه يفضل أن يرتدي ما يريحه بغض النظر عن رأي من سيجلس معهم، وبناء على هذا الرد قررت رفضه .
قواعد
هناك قواعد لهذه الزيارات تقول عنها نور الشمري اختصاصية في فن الإتيكيت، يتميز مجتمعنا الشرقي بأنه محافظة ويولي أهمية كبيرة للتقاليد الاجتماعية، وتعتبر خطوات الزواج من أهم هذه التقاليد . وتعد الزيارة الأولى لبيت العروس الخطوة الرسمية الأولى، وهي نوعان، إما تكون الزيارة للتعرف على العروس وأهلها، أو للتعرف على الأهل فقط، إذ يكون الخاطب على معرفة مسبقة بالفتاة . وتختلف العادات والتصرفات من منطقة لأخرى، إلا أنه في مجتمعنا الشرقي يتم التواصل الأولي ما بين نساء العائلتين، إذ تتصل أم العريس أو أخته بأم العروس لتحديد موعد الزيارة . وتعتبر الأناقة إحدى المسلمات فيجب على الخاطب أن يذهب بأبهى حلة، كما أن على الفتاة المخطوبة أن تكون في قمة أناقتها، وبالنسبة لهدية الزيارة فيرى الكثيرون أن الزيارة الأولى لا تستوجب هدية، وإن أحب الخاطب تقديم هدية فيجب أن تكون بسيطة وأنيقة كمجموعة من الورود، في أول اللقاء من المفضل أن لا يبدأ الحديث بأمور الخطبة مباشرة، بل من المفضل أن الحديث عن موضوع عام، ومن المحبذ أن يبدأ عن المنطقة التي يقطن بها أهل العروس وغيرها من الأحاديث البسيطة، وبعد ذلك يتحدث الشاب عن نفسه، وعلى الشاب أن لا يطيل الزيارة الأولى فهي زيارة تعارف ومن المفضل أن لا تتجاوز الساعة .