ربما ليس هناك في التاريخ البريطاني ملك مثل هنري الثامن صنعت حوله أفلام عدة، كما أنه ليست هناك مثل إليزابيث الأولى ملكة حصلت بدورها على معالجات أكثر عددا، ومن المفارقات أن إليزابيث هي ابنة هنري الثامن، رغم التباين الهائل في حياة كل منهما التي دارت بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، فالأب هنري الثامن نال شهرته في التاريخ بسبب نزواته النسائية التي أدت به إلى التسبب في أكثر الأحداث أهمية في تاريخ بريطانيا، وهو الانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية في روما، بينما اشتهرت ابنته اليزابيث بأنها الملكة العذراء التي لم تتزوج رغم مكوثها على العرش عقودا طويلة، وبين مجون الأب وعذرية الابنة تدور حواديت سينمائية من بينها الفيلم البريطاني الفتاة الأخرى من عائلة بولين.

عائلة بولين تلك ليست إلا العائلة التي ضمت الشقيقتين ماري وآن بولين، كانت آن هي أم الطفلة إليزابيث، وهي الشقيقة التي حكم عليها الملك هنري الثامن بقطع رأسها، بينما تولت الخالة ماري تربية الطفلة التي أصبحت فيما بعد هي الملكة، لكن الفيلم لم يتوقف عند هذا التاريخ الدموي الذي أحاط بسلالة العائلة المالكة البريطانية آنذاك. وهو التاريخ الذي يفسر لنا تلك التراجيديات الشكسبيرية التي دارت دائما حول شهوة السلطة، أما فيلم الفتاة الأخرى من عائلة بولين فقد اختار طريقا أكثر سهولة وجماهيرية، فيما يمكن أن تسميه التفسير العاطفي للتاريخ فهو أقرب للحلقات التلفزيونية الميلودرامية التي تدور حول مكائد العشق والهوى والجنس، على طريقة فالكون كريست أو الجريء ولجميلات وبالفعل فإن الفيلم يعتمد على رواية الكاتبة فيليبا جريجوري التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني منذ سنوات قليلة، قبل أن يقوم كاتب السيناريو بيتر مورجان بتحويلها إلى فيلم من إخراج جاستين شادويك.

لا تبحث كثيرا عن الدقة التاريخية فيما سوف تراه على الشاشة، فالعواطف والعواصف الميلودرامية هي التي تقود الحدوتة من بدايتها إلى نهايتها، وإن كانت هناك نقاط تلقي الضوء على ما في التاريخ من انقلابات عبثية، بعد مقدمة قصيرة نرى فيها الأطفال الثلاثة ماري وآن وجورج يلهون في الحقول، بينما يفكر الأب توماس بولين (مارك ريلافس) والأم إليزابيث (كريستين مسكوت توماس) في مصير الابنتين ومستقبلهما، والحلم بزواجهما من نبلاء قد يرتفع بفضلهم شأن ومكانة الأسرة. بعد هذه المقدمة القصيرة ينتقل الفيلم عدة سنوات إلى المستقبل حيث نضجت الفتاتان وها هي الشقيقة الأصغر ماري (سكارليت جوهانسون) تتزوج، بينما تشعر الشقيقة الكبرى آن (ناتالي بورتمان) بالغيرة بسب ذلك، وتطلق على نفسها في تهكم تعبير الفتاة الأخرى من عائلة بولين.

في الحقيقة أن مزيجا من الحب والغيرة هو الذي يحكم العلاقة بين الشقيقتين طوال الفيلم، وهو ما يجعل الدراما أكثر تشويقا وعمقا بدلا من تسطيح هذه العلاقة، لكن ما لا تعرفه آن أن أباها لم يسع إلى تزويجها لأنه يفكر لها في مستقبل أفضل، وإن كان يعكس نوعا من شهوة منحرفة تجاه السلطة والمال، وهي الشهوة التي تجمع بين الأب وصهره، وخال آن، دون نورفولك (ديفيد موريس) وللمتفرج أن يتصور أن هذا المستقبل الأفضل يكمن في دفع الشابة آن إلى أن تكون عشيقة الملك هنري الثامن (إيريك بانا)، الذي ينتقل من مغامرة عاطفية إلى أخرى، تحت ذريعة انتظاره لابن من صلبه يرث العرش من بعده، في الوقت الذي يموت فيه أطفاله بمجرد ولادتهم من زوجته الملكة كاثرين (أنا تورينت).

إن موت الأطفال عند الولادة يمكن تفسيره اليوم في ضوء العلم الحديث، لكن في ذلك العصر كانت الخرافات هي التي تحكم وتتحكم، وتعطي المبرر لنزوات جامحة، ليس في مجال العاطفة أو الزواج فقط، وإنما أيضا في مجال السياسة وصناعة التاريخ، ولم يكن غريبا أن يطلق على تلك الفترة عصر الفتوحات بينما كانت في حقيقتها عصرا للنهب والتوسع الاستعماري، تحت شعار نشر الحضارة الغربية في بقاع الأرض، وكأنه لم تكن هناك في العالم حضارات أخرى أكثر رسوخا وعقلانية وأخلاقا، إن تلك الازدواجية سوف تنعكس فيما بين السطور من فيلم الفتاة الأخرى من عائلة بولين، وأرجو أن يتأمل المتفرج كيف أن الأب والخال يدفعان ابنة العائلة للإثم حتى تكون أما للابن الذي سوف يرث العرش، أو كيف أن آن أصيبت بالاكتئاب بعد ولادتها للطفلة إليزابيث، حتى انها فكرت في علاقة أكثر إثما وفحشا على أمل أن تحمل بصبي تخدع به عشيقها الملك هنري الثامن.

سوف يأخذك الفيلم صعودا وهبوطا في هذه العلاقات التي تدور في أورقة ودهاليز وسراديب البلاط البريطاني في تلك الفترة، وقد تتوقف قليلا مع أداء ممثلي الشخصيات الرئيسية، فإيريك بانا يضفي ملامح أكثر إنسانية ورهافة على شخصية الملك هنري الثامن، الذي عرف بالقسوة والوحشية، لكن البطولة الحقيقية تنعقد على الممثلتين سكارليت جوهانسون وناتالي بورتمان، الأولى في دور الفتاة والمرأة الوديعة التي تذكرك بدورها في أول أفلامها المهمة الفتاة ذات القرط اللؤلؤي بينما تبدو ناتالي بورتمان الشخصية الشريرة للوهلة الأولى، وإن كانت في أعماقها ضحية لذلك السياق العبثي المجنون، الذي جعلها أداة للحصول على السلطة والثروة، لينتهي بها إلى ساحة الإعدام. وربما كان من الأفضل بعد أن تشاهد فيلم الفتاة الأخرى من عائلة بولين أن تستعيد أحداث الفيلم القديم من ستينات القرن الماضي رجل لكل العصور لترى الصراع الأكثر أهمية بين الملك هنري الثامن والأب توماس مور، حول الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية فهنا سوف تدرك كيف أن العقائد والأفكار يتم تفصيلها على مقاس شهوة السلطة، بعيدا عن التفسير العاطفي للتاريخ.