ظهرت رواية اللص والكلاب للكاتب الراحل نجيب محفوظ في العام ،1961 والتي أخذها عن حادث حقيقي نشرته الصحف في مارس/ آذار 1960 عن قضية محمود أمين سليمان الذي لقبته الصحافة ب السفاح لارتكابه عدة جرائم قتل تورط فيها انتقاما من خيانة أقرب الناس له، حيث شغلت القضية الرأي العام المصري عدة أشهر، وظلت حديث الصحافة والمجتمع، حتى حولها نجيب محفوظ إلى عمل أدبي.
ربما كانت هذه الحادثة من أسرع أعمال الأدب المكتوب التي تحولت إلى عمل سينمائي، حيث قدمتها السينما في العام التالي ،1962 في فيلم بنفس الاسم اللص والكلاب وقام ببطولته الفنان الراحل شكري سرحان والفنانة شادية وكمال الشناوي وصلاح منصور وفاخر فاخر وصلاح جاهين وزين العشماوي، كتب له السيناريو والحوار صبري عزت، وهو من أعمال نجيب محفوظ القليلة التي لم يكتب لها السيناريو والحوار للسينما بنفسه، وأخرجه كمال الشيخ.
وبالرغم من أن أحداث اللص والكلاب في خطوطها العريضة قد حدثت فعلا ومأخوذة من الواقع، إلا أن الأديب نجيب محفوظ عندما حوله إلى سعيد مهران أضاف عليه وجهة نظره الخاصة في تلك القضية من خلال علاقته بالصحافي رؤوف علوان المثقف المناضل القديم، وأحد الذين خانوا الاشتراكية وتسلقوا على حساب الثورة وشعاراتها.
ومع اللحظات الأولى من الفيلم يقدم لنا السيناريو ملخصا سريعا، قبل العناوين، لوقائع الخيانة التي تعرض لها بطل الفيلم سعيد مهران والتي كانت سببا مباشرا في تحول شخصيته، حيث تآمرت عليه زوجته نبوية ومساعده عليش سدره وزجا به في السجن خمس سنوات، حل فيها عليش محله، حيث استولى على زوجته وأمواله، بل وابنته الطفلة سناء.
يتابع السيناريو تقديم شخصية سعيد مهران عبر سنوات السجن. وبلورة فكرة تصفية حساباته مع كل من خانوه على طريقة الكونت دمونت كريستو حيث يكرس حياته لفكرة الانتقام.
فإذا كانت نبوية وعليش يمثلان جانب الخيانة العاطفية والإنسانية عند سعيد مهران فإن رؤوف علوان يمثل الخيانة الفكرية، باعتباره اليد التي صاغت عقله وشخصيته، ومن خلال الفلاش باك، يقدم لنا المخرج الكبير كمال الشيخ واحدا من أهم مشاهد الفيلم يوضح لنا التأثير القوي لأفكار رؤوف على عقل سعيد مهران والدفاع عن سلوكه المنحرف، بعد أن حل سعيد محل والده، بوابا لسكن الطلبة الذين من بينهم رؤوف، الذي يشعل في داخله نار الحقد على طبقة الأثرياء الذين يسرقون عرق الشعب، ويرسخ بداخله فكرة المساواة حتى لو كان عن طريق السرقة، وترسيخ فكرة رفض أن يولد الثري ثريا والفقير فقيرا، ولا يهم أن يقوم الفقراء بسرقة الأثرياء طمعا في العيش، لتأتي جملة على لسان رؤوف علوان تلخص له هذه الحالة بل وتصبح مفتاح حياة سعيد فيما بعد: أنا مش حلومك يا سعيد.. لو عملت أكثر من كده.. لأن الحياة اللي إحنا عايشينها مفيهاش مساواة.. مفيهاش عدل.. ناس عايشه في نعيم.. وناس عايشه على الهامش، لازم خطة منظمة علشان نقرب المسافة بين الغني والفقير.
وبأداء صوتي وتعبيرات وجه برع الفنان كمال الشناوي في توصيل المطلوب من هذا المشهد المحوري، كما لعبت إضاءة المصور كمال كريم في هذا المشهد دورا مهما، فضلا عن توظيفها بشكل رائع على امتداد مشاهد الفيلم مع زوايا التصوير في خلق الاختلافات بين الشخصيات عن طريق التباين بين الأبيض والأسود، مع اتسام مشاهد الفيلم التي كتبها صبري عزت ببنائها المحكم، وحوارها القوي، المتصاعد المتناسب مع طبيعة الشخصيات وفهم عميق للغة الحوار المكثف.
ويخرج سعيد من السجن مشبعا بفكرة الانتقام من الخونة، نبوية وعليش ممنيا نفسه بلقاء ابنته سناء، ويدير كمال الشيخ مشهدا جديدا ملخصا الأزمة، من خلال تكاثر عناصر الخيانة على سعيد في شقته السابقة، الشاويش حسب الله ممثلا للسلطة المتواطئة مع الخائن عليش الذي ينعم بأموال سعيد وزوجته وابنته، وتضغط مفردات المكان على نفسية سعيد، الأثاث والصورة المعلقة لعليش ونبوية في ثياب الزفاف، وذكريات واقع قديم يلهب ذاكرته، وواقع كريه يدفعه للانتقام حتى ابنته سناء الأمل الأخير في التصالح مع المجتمع الظالم ترفضه!
فلا يجد أمامه سوى أن ينطلق إلى مقهى المعلم طرزان، صديقه القديم، والذي يجسده ببراعة الفنان صلاح جاهين، فيجد عزاءه في الاستقبال المرحب من طرزان ورجاله، ويجد ملاذه في تلك الشهامة التي عزت عليه من أقرب المقربين له، ويختار سعيد الطريق الشاق، وإن لم يفقد بصيص أمل لاح في لقاء مرتقب مع أستاذه القديم رؤوف علوان الذي أصبح صحافيا مرموقا، ولكنه يفشل في مقابلته بمقر الصحيفة، وتزداد دهشة سعيد حين يرى بيته الجديد، الذي يشي بثراء صاحبه، في لقاء حاد يتبادل سعيد ورؤوف كلمات أقرب إلى الطعنات برع فيها كاتب السيناريو والحوار، بعبارات مستمدة من رواية نجيب محفوظ، ليكشف عن مدى تدهور العلاقة بين التلميذ والأستاذ، ويدرك رؤوف ما يدور في أعماق تلميذه فيغير من لهجته ويمنحه عشرة جنيهات مشيرا إلى أنه ليس لديه الوقت لاستقبال سعيد مرة أخرى، ويخرج سعيد وقد قرر أن يعود غازيا لقلعة رؤوف، يتسلل في جنح الظلام وما إن تطأ قدماه أرض الفيللا حتى يجد رؤوف في انتظاره يهدده بتسليمه للشرطة ويعلن الحرب عليه حتفضل حقير وحتموت حقير.. وما بقاش في قلبك غير الحقد.. وهات العشرة جنيه وما تورنيش وشك تاني.
خيانة وإنكار مرة أخرى وتظلم الدنيا في وجه سعيد ويلجأ إلى المسجد يتلمس عند شيخه قدرا من الأمان، لكن الشيخ الغارق في تصوفه ونظرته إلى السماء لا يلتفت إلى البائس الملقى على الأرض، وتأتي كلمات الشيخ أعمق من أن يتفهمها سعيد، وأعجز من أن تصل إليه، ويخرج سعيد حزينا، فباب الرحمة ظل موصدا في وجهه: سامحني يا رب لك عندي دين لازم أوفيه.. ولي دين لازم أصفيه.
وفي تناقض مع الشكل البوليسي للأحداث، يتم التنقل بين مشهد وآخر في نعومة وسلاسة، وينجح المخرج كمال الشيخ في أن يجعل التشويق والتوتر نابعين من الحدث وكشفه عن الصراعات الكامنة فيه.
ويلتقي سعيد بصديقته القديمة فتاة الليل نور التي جسدتها الفنانة شادية ليجد عندها المأوى والأمان والحب وهو ما افتقده في الآخرين، تمسح دموعه، وتحاول دون جدوى أن تثنيه عن فكرة الانتقام ويبدآن معا حياة جديدة، ولكنه يصر على الانتقام، وتنطلق رصاصاته لتقتل الأبرياء، بدلا من نبوية وعليش، ويجدها رؤوف علوان فرصة ليؤلب عليه الرأي العام من خلال الصحافة، بل ويرصد مكافأة ألف جنيه لمن يقبض على سعيد مهران، مدافعا عن مصالحه الطبقية ويخوض حربا ضارية ضد سعيد مهران يحاول أن يقتل فيه الماضي الذي ظهر فجأة والضمير الذي ظن أنه استكان.
وبسبب روشتة أدوية نسيها سعيد عند أحد الصيادلة، حين ذهب يلتمس دواء يخفف به من آلام النوبة التي تداهم نور تعرف الشرطة مكانه وتطبق عليه من كل ناحية بأسلحتها، ويدير كمال الشيخ مطاردة طويلة بين سعيد ورجال الشرطة نفذها، بمهارة وتضافرت فيها عناصر التصوير والمونتاج والموسيقا والتمثيل، ليقدم واحدة من أفضل ما قدمت السينما المصرية، وإن كان ذلك قد أخل بالإيقاع العام للفيلم.
ويتسيد المشهد هؤلاء الذين خانوا مبادئهم، وتحولوا إلى أدوات قمع لكل المقهورين، بينما يرتدي سعيد مهران رداء البطل الشعبي المتمرد الشجاع الباحث عن العدل الراغب في تحقيقه، ليحظى بتعاطف الجماهير الكادحة التي خرج من صفوفها، فهو ليس مجرما تقليديا إنما هو مجرم صنعته الظروف، وتخلى عنه من صنعوه، ويعجز شيخ المسجد عن هدايته، ويرد على نور عندما تطلب منه ألا يتخلى عن الإيمان قائلا: إيمان بمين؟.. بنبوية وعليش.. ولا رؤوف علوان ولا اللي حواليكي؟ قاصدا السلطة المتحالفة مع رؤوف والحامية لنبوية وعليش لتحمي الخونة.
وتجسد الفنانة شادية واحدا من أهم الأدوار في تاريخها السينمائي، عندما تعبر بدقة بالغة عن تلك المشاعر النبيلة التي تفيض بها نفس فتاة الليل، وتبرز برهافة، التناقض الحاد بين صورتها الاجتماعية وداخلها النقي، كما يضيف شكري سرحان بفهمه العميق لشخصية سعيد مهران، بعدا إنسانيا للشخصية ويسهم في توضيح موقفها كضحية اجتماعية تكالب عليها الجلادون، وتتحرك مشاعره على وتر مشدود بين الانتقام والامتنان والحقد والشفقة واليأس والإصرار، وتبرز في ملامحه معاني العجز والقنوط، حين يفشل في التواصل مع كلمات الشيخ.
في اللص والكلاب اتسم أسلوب المخرج كمال الشيخ بالرصانة والاعتدال والإحكام، أدار ممثليه بحكمة، كما وظف عناصر المشهد سينمائيا لخدمة الدراما، ويكتسب الإيقاع عنده أهمية خاصة نتيجة لخبرته السابقة في المونتاج وقد بدا ذلك واضحا في استخدامه وسيلة المزج بدلا من القطع الحاد، رغم أن تقاليد البناء البوليسي تقضي عكس ذلك، كما استطاع مدير التصوير كمال كريم أن يقدم أفضل مستوياته في التعبير بالإضاءة عن العوالم المختلفة للشخصيات، وأن يبرز قوة الإضاءة الدرامية وتأثيرها في وجدان المتلقي الوحيد.
اللص والكلاب يقدم إدانة واضحة لرموز الخيانة والانتهازيين وصحافة الإثارة ويعري الذين تسلقوا على أجساد ودماء الجماهير.