كثير من التجمعات الشبابية الغربية وربما العربية منها، أصبحت تظهر تمردها بطريقة أو بأخرى بحثاً عن هوية، وأشد ما يميز هذه الجماعات المتمردة ازياؤها وتصرفاتها وسلوكياتها، والتقاليع والمفاهيم التي تتبناها بما يختلف جذرياً مع المجتمع الذي نشأت فيه، وترعرعت بين أركانه. كل ذلك من أجل التميز وتأكيد الذات، وربما بدافع الرفض لما هو سائد ونقداً له وللمجتمع وثقافته السائدة. وفي بلاد الغرب نجد أن جماعات مثل الهيبيز والبانك والفوتيك والميتال والسكاتار اتخذت لها ازياء خاصة وموسيقا معينة، وتيارات فكرية محددة، الى درجة ان أفكار هذه الجماعات لفتت نظر أصحاب الموضة والازياء، وحولتها من حركة تمرد على الثقافة الى وسيلة لزيادة الأرباح، والى جانب الملابس نجد العديد من الاكسسوارات المصاحبة لهذه الازياء، والملابس التي تعبر عن انتماء هذا الشخص أو ذاك، لاحدى هذه الجماعات المتمردة أو تلك.
لنتناول أولاً حالة الشابة الفرنسية ايلزا 16 سنة حيث تفضل السترة العسكرية، بلونها الكاكي التي حولتها ببعض الاشغال اليدوية الى سترة من نوع آخر، لا سيما انها مزينة باكسسوارات افريقية الطابع يضاف اليها شكل الوجه، الذي تبدو عليه ملامح التبرج على الطريقة الهندية.
تقول ايلزا إنها تستوحي زيها من الرموز لحركة الهيبيز.
الجدير بالذكر ان هذه الكلمة (hippie) اشتقت من كلمة (hipster)، التي كانت تعني في اربعينات القرن العشرين في الولايات المتحدة، مجموعة صغيرة من الشبان المهووسين بموسيقا الجاز، وفي بداية الستينات، بدأت وسائل الاعلام تستخدم كلمة (hippie) للاشارة الى الشبان ذوي الشعر الطويل الذين يرفضون قيم المجتمع الغربي في تلك الآونة. وكان هؤلاء يطالبون باحترام الطبيعة، والعيش المشترك والدفاع عن السلام، واتخدوا من هندامهم المتمرد وسيلة لاكتساب هوية محددة تميزهم عن الآخرين.
أما الشابة سوافا (17سنة) من مدينة روما الايطالية، فتنتمي لحركة الفوطيين التي ظهرت في لندن عام ،1981 وتطورت لتتخذ ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الصناعي الذي ولد نتيجة للتزاوج بين ما يسمى الموسيقا الالكترونية والعملية حيث نجد في هذا النوع كل ما هو متعلق بالصوت الالكتروني، أي الذي تم فيه دمج اصوات مأخوذة من الطبيعة، والاتجاه المعدني (الميتال)، والاتجاه المرئي (فيجوال كي)، وهو نوع موسيقي جديد ظهر في ثمانينات القرن العشرين باليابان.
ومن الملاحظ من خلال المظهر العام للشابة سوافا انها تجمع بين الشكل الذكوري والأنثوي معاً فشعرها قصير وطويل وخشن واملس في آن واحد، علاوة على ان لونه يتموج بين الأحمر والأسود، وتذكرنا هذه القصات بحركة البانك التي ظهرت في سبعينات القرن العشرين، ويعكس اللون الأسود والألوان الغامقة بشكل عام المنحى الرومانسي لشباب القرن التاسع عشر، الذين ثاروا على العادات الموروثة، ويعد اللون الأسود الشعار المشهور لهواة (الروك أند رول) منذ الخمسينات و(المتيال) منذ السبعينات.
أما عن اللونين الأحمر والبنفسجي، حيث تم تبنيهما من قبل حركة الفوطيين، التي ترى فيهما شيئاً من الروحانية، وتتبنى هذه الحركة كذلك بعض الرموز والشعارات التي تظهر على ملابس اتباعها مثل: شعار (اقتل ثيفر باسم)، الذي ارتبط بحركة الهيبيز في الستينات، وشعار حمالة المفاتيح ذات الصليب المعدني والجماجم الذي تبنته العديد من جماعات (الروك ميتال)، والذي لا يعني بالضرورة الانتماء الى حركات النيونازية، ومن الشارات التي يثبتها هؤلاء في ثيابهم ما يعرف باللوجو (السلام والحب) الذي يرمز للحركات المناهضة للأسلحة الذرية التي ظهرت في خمسينات القرن العشرين، إضافة الى نضال الأمريكيين السود من أجل نيل حقوقهم المدنية ومناهضة الحرب، في فيتنام خلال الستينات.
وننتقل الى سابينا (15 سنة)، وهي الاخت الصغرى لسوافا إلا أن سابينا تنتمي لحركة الميتال التي تتبنى هنداماً يمكن وصفه بالعادي، ويستوحي هذا النوع من الموسيقا (الميتال)، افكاره مما يعرف (بالهيفي ميتال)، وهي مجموعات مثل (بلاك ساباث وليد زابلين)، وظهرت في سبعينات القرن العشرين حيث تهيمن عليها فكرة الاصوات الصاخبة والثقيلة، التي يتم الحصول عليها من تواليف موسيقية فردية معروفة على آلات الجيتار الكهربائي، ومنذ ظهورها تشاركت حركة الميتال بنموذجها الموسيقي مع نماذج أخرى موسيقية مثل موسيقا البلاك والموت والدوم والهاردكور، وترتدي سابينا سروالاً للمتزلجين وهو ما يبدو غريباً نوعاً ما بالنسبة لأبناء جيلها، لكن العجب يتلاشى عندما نعلم أنه منذ نهاية التسعينات تمت إقامة جسور بين انصار موسيقا الميتال والسكاتر، وذلك من خلال الموسيقا نفسها، إضافة بالطبع الى تشابه المجموعتين في اللباس، فالاكسسوارات القليلة التي تضعها سابينا على ثيابها تدعنا نلمح لديها توجهاً سياسياً يسارياً، ولذا تقول الفتاة عن نفسها إنها من اتباع حركة العولمة البديلة (وهي حركة سياسية اجتماعية تسعى الى إقامة نموذج اقتصادي يحترم البيئة ويحمي العمال).
وتتخذ الحركة التي تنتمي اليها سابينا شارات وشعارات وحرزاً مختلفة، مثل الصفارة التي تعبر عن ميل الى الحركة الشيوعية، إلا أن البعض يرى أن هذه الشعارات تفقد رمزها الايديولوجي عندما تتحول الى اكسسوارات للموضة، والعدسات حيث تضع الفتاة أو الشاب عدسة غامقة، وأخرى فاتحة في العينين وثمة شارات أخرى مثل علاقة المفاتيح، التي تحمل قناعاً للاعب هوكي أو قناعاً آخر لشخصيات مشهورة مثل جاسون في فيلم (الجمعة 13)، ومستر جاك، والوشاح الملون بألوان تعكس شعار محبي السلام الاوروبيين الذين يرتدونه خلال المظاهرات التي يبدون فيها معارضتهم للحروب، كالمظاهرة التي خرجوا فيها ينددون ويعارضون الحرب على العراق في العام 2003.
وعند الحديث عن الشاب اليسندرو (17 سنة) من ميلانو بايطاليا، فإننا نتحدث عن البانك بصفتها المجسدة، وان شئت القول فإننا نتحدث عن الفوضى بعينها، فالملابس التي يتبناها اعضاء هذه الجماعة تجمع بين الاكسسوارات الغريبة كالجمع بين الحقائب البلاستيكية، والقمصان الممزقة المرقعة بقطع من النسيج المطعم بأزرار وابر ودبابيس مختلفة الأشكال والاحجام، ويذكر ان البانك ظهرت في بريطانيا في العام ،1976 لكنها كانت جماعة غير متناغمة مع نفسها، لكن الذي جعلها تجتمع في بوتقة واحدة هو مقتها لطريقة الحياة الفوضوية، لدى الهيبيز، واجتماع اعضائها في بار لندني لعزف الموسيقا بتواتر سريع، وعند التدقيق في هندام الشاب اليسندرو، نلاحظ أنه حافظ على شعارات اجداده، فعلى سبيل المثال نلاحظ ارتداءه لسترة جلدية انتجتها شركة (Schott) الامريكية في بدايات القرن العشرين وقد تحولت هذه العلامة مع فيلم (المغامرة المتوحشة) الذي انتج في العام 1953 وكان بطله مارلون براندو، الى شعار لجماعات (الروك اند رول) والشباب الثائر على التقاليد. وقد تم تعديل هذه السترة الجلدية لتتلاءم مع العصر الراهن على يد جماعات البانك الموسيقية مع نهاية السبعينات، حيث تتضمن السترة سلسلة من الرسائل ذات الطابع السياسي كما تتضمن العديد من الشتائم والشعارات والرموز، والاسماء ذات المغزى الخاص وهي محشوة بالمسامير والشارات.
ومن الملاحظ ايضاً ان نسخة الشاب اليسندرو مهذبة بعض الشيء، اذ يمكننا ان نقرأ عليها اسماء لجماعات البانك الحديثة مثل (Varukers) و(Los Crudos).
ويشير حرف ال (A) المحاط بدائرة الى الفوضوية إذ ثمة علاقة وطيدة بين الفوضويين والبانك منذ مدة طويلة الى درجة أنه ثمة من ينادي بتجمع وحدوي للبانك مع الفوضويين، لانشاء عالم بلا حكومات ولا قادة.
ويمكننا أن نلمح على احذية انصار جماعة البانك شعار رقعة الضامة (السوداء والبيضاء) الذي يرمز الى حركة موسيقية سابقة لولادة حركة البانك تسمى (ska).
ونصل الى الشابة ويتني الفرنسية (15 سنة) من باريس التي يمكن اعتبارها نموذجاً لما يعرف بفتاة (لوليتا الفوطية) ويبدو ان هذا النمط من الفتيات بدأ يظهر في فرنسا في الآونة الأخيرة بشكل كثيف تحت مسمى جاء من اليابان يعرف (بالمانفا الفوطية)، وهو مزيج ذكي بين الفوطية بلباسها الداكن والأنسجة المحزمة (دنتيلا) التي شاعت في القرن التاسع عشر، وتعتبر المظلة المحزمة ايضاً احد الاكسسوارات الواضحة عند النمط الجديد من فتيات (اللوليتا الفوطية)، ويستوحي انصار هذه الجماعة افكارهم من عالم المانفا الياباني (ظاهرة اجتماعية في اليابان تعالج كل المواضيع تقريباً، والمانفا لفظ يطلقه اليابانيون على القصص المصورة)، والفيجوال كي (حركة يابانية موسيقية تتميز بهندامها الغريب).
وأخيراً نصل الى الشاب الاسباني ريكاردو (13 سنة) من مدينة برشلونة، الذي يلبس سترة مخصصة للعمل Sweet-shirt وسروالاً، من نوع الجينز فائق الطول، ويلاحظ ان ريكاردو لا يخفي انتماءه لحركة ال (hip-hop) من خلال ما يضعه على ظهره، وتعتبر هذه الحركة، ظاهرة ثقافية نشأت في نهاية السبعينات في شوارع برونكس (حي فقير من أحياء نيويورك).
وظهرت هذه الحركة على يد جماعة تعرف اختصاراً ب (D J)، وفدت الى الولايات المتحدة من جاميكا.
ويؤكد البعض ان هذه الحركة الموسيقية التي كانت تجتمع في الهواء الطلق، جمعت بين الحفلات الموسيقية المسجلة عن طريق مزج الاصوات المقبلة من موسيقا ال (Reggae)، والفانك (Funk) والسول (Soul) وموسيقا الراب والبريك دانس التي تتطلب مهارات جسدية قوية لأدائها خاصة في الشوارع، ولذا نجد انصارها يرتدون الملابس الرياضية الفضفاضة.
ومن الملاحظ ان موضة الجينز الفضفاض كثر انتشارها في تسعينات القرن العشرين خاصة مع انصار أو هواة موسيقا الراب، ولذا نجد أن مرتدي هذا النوع من اللباس يمشون وهم متباعدو الأرجل ويحظر عليهم ارتداء الاحزمة.