وثّق الأمريكيّ "إدوارد كورتس" ملامح وجوه وكلمات من حياة سكان أمريكا الأصليين خلال تجواله في الغرب الأمريكي مع عدسة تصويره التي صارت أداة مهنته . ميلاد هذا المصور تصادف مع نهاية الحرب الأهلية هناك في العام ،1868 وبداية التفات دولة المهاجرين، مغتصبي أراضي السكان الأصليين الذين أطلقوا عليهم خطأ تسمية "الهنود الحمر"، إلى غرب القارة، والانطلاق لإبادة أهلها واستعمارها كمرحلة أخيرة من مراحل عملية احتلال تواصلت طوال ما يقارب خمسة قرون .
وجدت قبائل السكان الأصليين نفسها في مواجهة أحد خيارين، إما الخضوع وإخلاء الأرض للمستعمرين أو قتالهم، فاختارت عدة قبائل القتال، وكان قتالاً غير متكافئ على كل صعيد، ولكن لم تنقصه تضحيات أسطورية وبطولات أبدتها هذه القبائل .
ومع انتقال "كورتس" وعائلته من "وسكنسن" إلى "سياتل" غرباً في العام ،1891 كانت قد تمت إبادة قبائل عدة وإخضاع من تبقى وإجباره على الرحيل إلى مناطق نائية أشبه بمعازل أطلقت عليها تسمية "المحميات" على شاكلة محميات الطيور والحيوانات المعرضة للانقراض، وبالفعل كان الاقتلاع والعزل في المناطق الجرداء النائية يجري تحت غطاء خدع وحيل شتى، مثل الاتفاقيات والمعاهدات التي أتقنها المستعمرون، وشقوا بها طريق انقراض سكان أمريكا الأصليين تدريجياً، أو ذوبان البقايا الناجية في ثقافة "اليانكي"، ومن ثم استخدام أسماء قبائلهم كعلامات تجارية تحملها السيارات والطائرات التي نشاهدها تسير في شوارع بلدان عدة أو تقصف هذه المدينة أو تلك (بيوك وشيروكي وآباتشي)، واستخدام صور زعمائهم المغدورين كملصقات على علب فاصولياء حمراء تحمل اسم "الهندي الأحمر" نشاهدها على رفوف مختلف البقاليات .
ويبدو أن المصور "كورتس"، ولدوافع تجارية، مختلطة بحدس أن ما يحدث هو انقراض لثقافة هؤلاء المطاردين حتى بعد أن ألجئوا إلى العيش على هوامش الحياة "الأمريكية"، حفزه ما شهده إلى ابتكار فكرة مشروعه، أي ملاحقة ما يشبه الضوء الآفل، ضوء حياة قبائل يتلاشى . ولعله، هو المولود في ستينات القرن التاسع عشر، لم تصل إلى مسامعه أقوال وخطابات، بل وكتب، أجداده وآبائه المستعمرين القادمين من القارة الأوروبية التي شبهت "الهنود الحمر" بالكنعانيين والعماليق والفلشتيم لكي تسهل إبادتهم على يد من تصوروا أنفسهم "إسرائيليين" جدداً قادمين عبر البحر، إلا أن عقليته، حصيلة قصص الفتح والريادة، ربما هي التي وقفت وراء مشروعه، تصوير أفراد مختلف قبائل الغرب الأمريكي الذين حشروا في المحميات، وجمع شذرات من ثقافتهم المتداولة على ألسنتهم . فأصدر أول مجلد، من سلسلة ستتضمن 20 مجلداً، في العام ،1907 وسيركز كل مجلد على قبيلة معينة، أو مجموعة قبائل، وبطبعات محدودة لاتتجاوز 500 نسخة .
وشملت جولاته آلاف الأميال، قطعها غالباً في ظروف مناخية صعبة . وبوساطة مساعدين ومترجمين استطاع أن يملأ مجلداته بتواريخ القبائل وقصصها الشعبية ومفرداتها وطقوسها وشعائرها الدينية وأغانيها، وصور أفراد كثيرين منها بالطبع، صور ذات جاذبية غامضة حتى اليوم . وخلال ذلك كان "كورتس" يشارك هذه القبائل في جوانب من حياتها وطقوسها قدر استطاعته، ومن الواضح أنه لم يستطع القبض إلا على طرف من ضوء غارب، أما صور هؤلاء الذين تعرضوا للإبادة والتشريد كما كانت ذات يوم فقد كان من المحال القبض عليها، فالكثير من الصور التقطها في جو غرفة التصوير، وكانت نظرته إلى شخوص صوره نظرة رومانسية وفق معتقد ذلك الزمن، ولا تعلق لها بتاريخ من المآسي شهدتها أجيال وأجيال من هذه القبائل .
الكتيب، الملخّص "حكمة سكان أمريكا الأصليين"، ضمّ أكثر صور "كورتس" أهمية، خاصة صور زعماء القبائل و"أطبائها" الروحيين، مرفقة بنصوص ثقافية تعبر عن سلوك ومعتقدات عدد من السكان الأصليين هؤلاء الذين عاشوا الحياة القبلية التقليدية في الفترة الفاصلة بين الحرب الأهلية والعام ،1930 أي السنة التي أنهى فيها المصور مجلدات كتابه .
وتظهر نصوص ثقافة هذه القبائل كم أن حكمتها كانت حكمة شعوب متحضرة بالفعل بعيدة عن الصور المشوهة التي بثتها ثقافة المستعمرين الأوروبيين، سواء تلك التي تمثلت في القصص والروايات أو في أفلام هوليوود، وهي قصص وأفلام جعلت من هذه القبائل المسالمة، والمتوفرة على حظ لابأس به من حظوظ أي شعب متحضر، قبائل "متوحشة" تعيش حياة بدائية لم تعرف فيها حتى نسج ثيابها وطهي طعامها وبناء بيوتها . بينما ستظهر الأيام، بعد انجلاء غبار التضليل والكذب الذي نشره المستعمرون على أوسع نطاق، أن المتوحشين حقاً هم أجداد وآباء هؤلاء المستعمرين الذين لم يكتفوا بشن حروب إبادة للاستيلاء على أراضي السكان الأصليين، بل شوهوا، ومازالوا يشوهون صورة الضحايا، ونشروا هذا التشويه في الجهات الأربع، إلى درجة أن من النادر أن نجد لدى شعوب القارات الأخرى، آسيا وإفريقيا وأستراليا، وحتى أوروبا، تصوراً واقعياً لمصائر سكان أمريكا الأصليين، وما ألم بهم من ظلم تاريخي مضاف إلى مظالم قتل الملايين منهم وتصفية موروثهم الثقافي، ومحو ذكرهم بوصفهم بشراً، وتقديمهم إلى العالم كقبائل همجية لا تعرف سوى الهجوم مولولة صارخة لقتل "أطفال" البيض المهاجرين المساكين! قبائل أفرادها عراة صيفاً وشتاءً، لم يترفق الاله الطيب فيضع في أدمغتهم شرارة الخلق والوعي والإبداع التي "خص" بها أدمغة "البيض" الأوروبيين دون الخلق جميعاً، تماماً كما تقول الأساطير التي بثتها ثقافة هؤلاء "البيض" الهمج عن الأفارقة والآسيويين وبقية سكان الكرة الأرضية، وحفلت بها كتبهم بدءاً من روايات طرزان لأدغار رايس وصولا إلى أطروحات هنتنغتن، سوبرمان "صدام الحضارات" وفوكوياما، باتمان "نهاية التاريخ" .
الهندي الأحمر . . ينمو كعبّاد الشمس وينتهي مثل ثور بري
(1)
" . . كما لاحظت، كل شيء يفعله الهنديّ يكون على شكل دائرة، لأن قوة العالم تعمل على شكل دوائر دائماً . كل شيء يحاول أن يكون دائرياً . . السماء دائرية، وسمعت بأن الأرض دائرية مثل كرة، وكذلك النجوم . والرياح في ذروة قوتها تدور، والطيور تنسج أعشاشها على شكل دوائر لأنها تدين بما ندين به . . وحتى الفصول تشكل دائرة عظيمة في تغيرها، وتعود مرة أخرى إلى حيث كانت دائماً . حياة الإنسان دائرية، من طفولة إلى طفولة .
الظبي الأسود، زعيم السيوكس الروحي (1950-1863)
(2)
الهندي الأحمر مجبول من تراب، سواء كان تراب الغابات أو السهول أو الهضاب أو القرى . إنه متناغم مع المشهد الأرضي لأن اليد التي صاغت القارة هي التي صاغت الإنسان ليكون متناغماً مع محيطه . ونما الإنسان ذات يوم نمواً طبيعياً مثل أزهار عباد الشمس، إنه ينتمي إلى بيئته مثلما ينتمي إليها الثور البرّي .
(3)
من نهج الهندي تجاه الحياة تنبثق حرية عظمى، إن لديه حباً جارفاً للطبيعة، واحتراماً للحياة وإيماناً لاينضب بوجود قوة عظمى، وبمباديء الحقيقة، والأمانة والكرم والمساواة والأخوة بوصفها مرشده للعلاقات في هذا العالم .
الدب الواقف - زعيم قبيلة السيوكس (1868-1939)
(4)
لا كنائس لدينا، لا مؤسسات دينية، ولا يوم سبت، ولا أيام عطلات، ومع ذلك فنحن نتعبد، أحياناً تجتمع القبيلة كلها وتغني وتصلي، وأحياناً يكون العدد أصغر، ربما يجتمع اثنان أو ثلاثة . وفي الأغاني كلمات قليلة، ولكنها حرة بلا قوالب، وفي مناسبات معينة قد يضع المغني كلمات من عنده بدلاً من صوت النغمة المعتادة . أحياناً نصلي بصمت، وأحياناً يغني كل واحد ما بصوت عال، وأحياناً يصلي بالنيابة عنا جميعاً شيخ كبير السن، وفي أحيان أخرى قد ينهض شخص ويحدثنا عن واجباتنا تجاه بعضنا البعض . وصلواتنا قصيرة دائماً .
(5)
منذ طفولتي علمتني أمّي أساطير شعبنا، أساطير الشمس والسماء والقمر والنجوم والغيوم والعواصف، وعلمتني أن أركع وأصلي أيضاً للروح العظمى كي يهبنا القوة والصحة والحكمة والحماية .
لم نصل ضد أي شخص أبداً، ولكن إذا كان علينا أن نفعل هذا ضد أي شخص، فنحن ننتقم منه بأنفسنا، لقد تعلمنا أن مشاجرات البشر لاتعني الآلهة بشيء .
جيرونيمو- زعيم الآباتشي
(1829-1909)
(6)
صوت الروح العظمى يسمع في تغريد الطيور، وتموج المياه العظيمة، وعذوبة شذى الأزهار، فإن كانت هذه وثنية، فأنا وثنيٌّ في الوقت الراهن على الأقل .
جرترود بونين- من قبائل السيوكس في داكوتا
(1838- 1876)