وهو يدعوني لحضور مسرحية بيت الدمية للكاتب النرويجي الشهير هنريك أبسن، على خشبة قلعته الحصينة القصبة في رام الله، قال لي الصديق جورج إبراهيم معد ومخرج هذه المسرحية، إنه يريدني أن أكتب عن المسرح بدلا من السياسة. والواقع أنني مقصر في حق نفسي بشأن ندرة مشاركتي في الحضور المسرحي. وقد جاءت دعوة جورج إبراهيم الرائد في المسرح الفلسطيني الحديث، لتنقذني من بعض هذا التقصير المخجل، أكثر مما يمكن لها أن تبعدني عن الكتابة في السياسة، لا شغفاً مني بمثل هذه الكتابة المعقدة، وإنما لقناعتي بأن المسرح ذاته، هو في عمقه الإنساني، نسغ حضاري خصب للسياسة في معناها المجتمعي الواسع.

بعد أن شاهدت بيت الدمية، ازدادت هذه القناعة رسوخا، بوشائج من نضج الرؤية الاجتماعية في معركة المرأة على وجه الخصوص، من أجل حريتها واستقلالها وتخلصها من مجرد كونها دمية في بيت الزوجية الرازح تحت سطوة الزوج، أو بيت الأهل المخنوق بهيمنة الأب.

تلك الدمية التي تحمل اسم نورا، والتي تتحرك تفاصيل المسرحية كلها من خلالها، وقفت إلى جانب زوجها في مرضه الذي كاد يقضي عليه، واضطرت إلى اقتراض الأموال بالسر لحمايته وتوفير ما يضمن له المستقبل اللامع. غير أن القروض تحاصرها، وتكاد تقضي عليها هي نفسها، فلم تجد من زوجها بالمقابل، سوى الكراهية والتوبيخ الشديد وإمكانات الطرد من البيت، لأنها وفق وجهة نظره، شاركت في القرار المالي دون إذنه، أو بما لا يجوز لها أصلا، أن تخرج فيه ولو قيد أنملة، عن إطار دور الدمية التي لا تصلح إلا للترفيه عن زوجها، ولملاطفة ضيوفه وأصدقائه، وللتصرف الساذج الخالي على أية حال، من أي فعل قد يخدش أدنى ملمح من ملامح هذا الدور المحاصر بجدران البيت وهيبة الزوج ورعاية الأولاد.

استيقظت نورا على وقع الصدمة، فخلعت على الفور ثوب الدمية، واختارت هي بذاتها الخروج من البيت، امتلاكا واعيا وشجاعا لحريتها واستقلالها وحقها الذي لا يمكن لها أن تستمر بالتنازل عنه، في إنسانيتها الكاملة.

تقول لنا المطوية البروشور التي وزعت علينا داخل المسرح، حول هذه المسرحية، إن أبسن الذي كتبها في أواخر القرن التاسع عشر، وشنت عليه عند تمثيلها على خشبات المسارح في أوروبا، حملات شديدة من النقد اللاذع، مما اضطره مكرها، للتعديل والتغيير في نهايتها لإرضاء الذوق الاجتماعي الذي كان سائدا في أوروبا آنذاك، بشأن المرأة والحياة الزوجية، فجعل نورا تعود إلى بيتها صاغرة، لرعاية أولادها.

مع ذلك، كان النص الذي أعده وأخرجه جورج إبراهيم هو النص الأصلي غير المعدل. وهو كما يقول في كلمته التي قدم بها لهذه المسرحية، النص الذي فضّله أبسن نفسه. وقد فعل جورج حسناً في إبقائه على النص الأصلي، وإعداده وإخراجه لنا بالنهاية التي تصفق فيها نورا الباب وراءها، غير آبهة إلا بالحرية والتخلص من أسطورة المرأة الدمية واللعبة والعصفورة إلخ، لتكون هي المرأة الإنسان في كل حال.

نعرف أن أكثر من قرن يفصلنا عن تاريخ تأليف هذه المسرحية. ونعرف أنها ألفت في بيئة أوروبية مغايرة لبيئتنا التي نشاهدها بها الآن. إلا أن المفزع فوق ما هو المدهش في كل مشهد، أننا نحس بمشاهدتها في هذه الأيام، أن الزمن بالنسبة لنا جامد في حيزه المعتم. فالمرأة الفلسطينية، والعربية بشكل عام، لا تزال مقيدة بمفهوم الدمية الأسطورية، رغم بعض الاستثناءات القليلة.

قد تتوسع هذه الاستثناءات الإيجابية أو تضيق، في سياق التغيرات الاجتماعية المتلاحقة في فلسطين، وبقية الأقطار العربية، ضمن ما تفرضه مقاومة الاحتلال الإسرائيلي على المستوى الفلسطيني، من نشوء معين لهذه التغيرات. وضمن ما تدفع به الهزات السياسية والاقتصادية والثقافية على المستوى العربي، من تحوصل أو تفجر للتغيرات.

كانت متعة مشاهدتي لهذه المسرحية بإخراجها المبهر، والأداء الرائع لممثلاتها وممثليها بيتينا الزبيدي وحنان الحلو وكامل الباشا وخالد المصو ومنال عوض وعماد فراجين، وكل من شارك في تفاصيلها الموسيقية وأزيائها ورقصاتها، لا تقل عن مشاهدتي للجمهور الحاضر على مقاعد المسرح. أمهات وسيدات كدتُ أسرّ لنفسي أنهن لسن من رواد المسارح في بلادنا؟ فما الذي أتى بهن إلى هذا الفضاء المغاير لنمط حياتهن التقليدية الدارجة؟ أم أنهن معلمات مدارس خاصة جئن مع بعض طلبتهن لهذا الحضور الجميل؟ لم أصبر على السر بيني وبين نفسي، ويبدو أن همسي الذاتي كان مسموعا لسيدة على قرب مني، وقد خرجنا بعد انتهاء المسرحية إلى الشارع، فبادرتني قائلة إنهن أمهات شهداء وأسرى من مخيم الدهيشة قرب بيت لحم. سألت جورج إبراهيم ليخبرني بفرح وفخر، أنهن مدعوات من قبله فعلا. ومن جانبي، أحسست بفيض غامر من الفرح والفخر أيضا. من حق هؤلاء الأمهات على وجه التحديد، أن يسعدن بإرادة المرأة التي ثارت على بيت الدمية. وهن الثائرات في الأساس. ولولا ثورتهن، هل كان لنا على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟ نعم، على هذه الأرض ما يستحق الحياة، كما يقول محمود درويش، وكما تكرس أمهات الشهداء والأسرى على مدار الساعة المتطورة، من معاني هذا الاستحقاق النبيل.

أتمنى أن يتم عرض هذه المسرحية بالذات في كل مدن وقرى ومخيمات فلسطين، وليس في رام الله وحدها. قد تفتقر تلك المدينة أو القرية أو المخي، لوجود خشبة مسرح لائقة بها، غير أن الإخراج البسيط والعبقري لها في آن كفيل بأن يسهل عرضها الناجح في أي مكان. وأتمنى أن يصل صوت نورا بالتالي، إلى كل نساء فلسطين. فهو الصوت الذي يليق بهن وبقدراتهن الأكيدة على تحطيم تلك الدمية التي لا تزال موجودة في معظم البيوت.