الشارقة - "الخليج":
لعل الميزة الأكثر التصاقا بالأماكن، لا سيما إذا كانت هذه الأماكن ترتبط بسلسلة من الأحداث والقصص المؤثرة والباقية في وجدان الشعوب، هي ميزة "الجاذبية"، تلك التي تباغت الفرد عنوة وهو يعيش أجواء لحظة عابرة، ولنقل عارمة من التذكر، فيصاب بحالة لا يمكن تفسيرها من الشجن والحنين، يدفعه بل يحرضه على ربط الأحداث ببعضها، ولنقل نفض الغبار عن تلك الأجزاء والتفاصيل التي سمعها أو تداولتها الألسن، هنا، يحضر المكان ليس بوصفه تاريخا ينبئ عن زمن محدد بالسنوات أو العقود، ولكن أيضا بوصفه ذاكرة، ورائحة، وبوصفه محرضاً ومحفزاً على القراءة والتعمق والمقارنة والكشف .
من هذه الأماكن "بيت النابودة"، الذي بني في العام 1845م، فمضى عليه حتى الآن أزيد من قرن ونصف من الزمان، وصاحب هذا البيت هو المرحوم عبيد بن عيسى بن علي الشامسي الملقب بالنابودة، الذي كان من كبار تجار اللؤلؤ، وكان ناشطا في علاقاته التجارية التي توسعت نحو الهند وإفريقيا وأوروبا .
تذكر المصادر أن "بيت النابودة" بني على ثلاث مراحل: مرحلة الأب، مرحلة الأبناء، ومرحلة الأحفاد، وكل مرحلة من هذه المراحل ذات طابع خاص يختلف عن الأخرى وتتميز بميزة خاصة تبعاً لمرحلة البناء .
سكن في البيت النابودة وزوجته وأبناؤه السبعة، وهو يتكون من "16 غرفة"، ثلاث منها في الطابق العلوي، فيما تقع بقية الغرف في الطابق الأرضي .
تتجلى في هندسة وتصميم هذا البيت مهارات المعماري القديم، الذي كان حريصا على مراعاة شروط البيئة المحلية، وتأمين منافذ دخول الشمس والهواء إلى الغرف، فضلاً عن الاهتمام بالزخرفة المستوحاة من فن العمارة الإسلامية .
أما المواد المستخدمة في بناء البيت فكانت من الحجارة المرجانية المجلوبة من البحر، ومن الجص، كما استخدمت للأبواب أخشاب خاصة من زنجبار بإفريقيا، فضلاً عن الحصر والجريد المأخوذ من النخيل .
ولأن البيت ينطوي على مزايا متعددة في بعدها التراثي سواء المادي أو الاجتماعي والعمراني، فقد رأى المسؤولون تحويله إلى "متحف" هو الأول من نوعه في تاريخ الإمارات، تحت اسم "متحف الشارقة للتراث" ويقع في قلب منطقة الشارقة التراثية .
وهنا، لا بد من الإشارة، إلى أن البيت بعد أن هجره أهله، قد تعرض للإهمال الشديد، فكانت مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الذي أمر بإعادة ترميمه وإزالة الإضافات التي شوهته وتحويله إلى متحف للتراث، فأعيدت للمبنى صورته الأصلية، وجرت الاستعانة بعدد من أفراد العائلة للحصول على التفاصيل الدقيقة للبيت أثناء عملية الترميم الذي تم منذ منتصف عام 1990 .
خضعت فكرة تحويل البيت إلى متحف، إلى دراسة معمقة، حرص المسؤولون خلالها على الحفاظ على كل ما يتعلق بتاريخ البيت التراثي في شقيه المادي والاجتماعي، فهناك نماذج من التراث الشعبي وأشكال العمارة العربية الإسلامية ذات الطابع الخليجي البحت .
يمثل "بيت النابودة" صورة حية وحقيقية للتراث في مجتمع ما قبل مرحلة النفط في الإمارات، بكل ما يحفل به من دلالات على الأصالة والترابط الأسري الذي يشيع أجواء المحبة والتعاون والتواضع، كذلك كانت مسألة تقسيم البيت إلى غرف عديدة، ذات دلالة مهمة لترجمة ذلك كله إلى واقع جديد، فصمم المهندسون نحو 22 غرفة في طابقيه الأرضي والأول، وشملت هذه الغرف كل تفاصيل التراث كالأزياء الشعبية "الرجالية والنسائية" و"الحُلي والمجوهرات" و"نماذج الترميم وأساليبه" و "مكتب الاستعلامات" و "المجلس - نموذج المجلس الإماراتي القديم" و"المعرض الدائم" و "غرفة معيشة لأحمد بن عبيد" و"غرفة معيشة الأطفال" و"معرض للألعاب الشعبية" و"غرفة معيشة لمحمد بن عبيد" و"غرفة معيشة لعيسى بن عبيد 1" و"غرفة معيشة لعيسى بن عبيد 2" و"المطبخ" و"مخزن للهدايا التذكارية" و"معرض صور الشارقة القديمة" و"غرفة مشاهدة"، عرض فيديو وشرائح ومحاضرات وندوات ودروس" .
يقف بيت النابودة شاهداً على محطات مهمة تمكن الدارسين والمعنيين من تتبع المعلومة حسب الأصول، ولأن التاريخ هو فكرة يمكن استعادتها دائماً والاستفادة من إيجابياتها فقد درج متحف الشارقة للتراث منذ سنوات على تنظيم سلسلة من البرامج التوعوية والتثقيفية والدورات العملية للأطفال وطلبة المدارس وبخاصة في فصل الصيف ليعرفوا أكثر عن هذا الجانب التاريخي والتراثي، ومن ذلك ما يتعلق بالألعاب والدمى ومجمل الجانب الفلكلوري المتعلق بالأجداد والجدات، مما يحفز خيالهم ويربطهم بأصولهم وهويتهم وتاريخهم البعيد .
يرد كثير من المعلومات حول هذا البيت الذي يعتبر واحدا من أكبر المباني التراثية الشاخصة في دولة الإمارات، ومن يزره ويطلع على محتوياته التي تعبر عن الحرف المختلفة التي مورست في الماضي يشعر أنه في ضيافة نسق اجتماعي وتراثي يعبق بالحكايا والذكريات التي تتحدث عن عوالم الصيد حيث تجارة اللؤلؤ، "بيت النابودة" أيضاً على قائمة من الوثائق والصور التي تحكي قصص تطور التعليم، إضافة إلى خدمة البريد وغيرها مما له علاقة بالتاريخ الاجتماعي القديم في الإمارات والشارقة على وجه الخصوص .
وتؤشر مختلف مقتنيات البيت إلى أهمية مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ، هذه المهنة الشاقة التي يرجع إليها الفضل، في تشكيل اللبنة الأولى من لبنات حرفة التجارة، التجارة التي تميز الفرد الإماراتي اليوم، فبنيت الموانئ الجديدة، وشيدت البنايات والصروح العمرانية الفخمة، وازدادت حركة التنقل وانشغل قسم كبير من الإماراتيين بتنمية مهارات الاقتصاد والتجارة على نحو متقدم، ساعد على ذلك الثروة النفطية وترجم كل هذا إلى حركة نشطة عابرة للقارات والمحيطات، تجارة تذكر المرء بطريق الهند وآسيا وإفريقيا .