اصطدم الفاطميون في إفريقيا، بالعديد من الصعاب، كان على رأسها انقسام أهل الشمال بين مذهبي أهل السنة والخوارج، وتنافس القبائل شرقاً وغرباً، فضلاً عن المشكلات الجغرافية المتمثلة في الطبيعة الجبلية للشمال الإفريقي، والمشكلات الاقتصادية الناجمة عن قلة الموارد، ولذا وجهوا نظرتهم صوب مصر، التي اعتزموا جعلها مركزا لنشر دعوتهم في العالم الإسلامي، لما تتمتع به من موقع استراتيجي بالغ الأهمية.
ويتناول كتاب الدكتور أيمن فؤاد سيد الدولة الفاطمية في مصر.. تفسير جديد الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، هذه الدولة بشكل موسوعي، منذ أن تطلع المعز لدين الله إلى انتقال الخلافة الفاطمية إلى المشرق لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تتيح لهم السيطرة الكاملة على الحوض الغربي للبحر المتوسط انطلاقاً من مصر بوصفها مفتاح الحوض الشرقي للبحر المتوسط الذي يؤهلها للتدخل المباشر عن طريق البحر الأحمر واليمن وفي تجارة المحيط الهندي والشرق الأقصى.
ويشير المؤلف الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه هذا إلى تمكن جوهر الصقلي، الذي فوضه المعز عسكرياً وسياسياً ومالياً لقيادة الجيش المنطلق نحو مصر، من الدخول إليها في عام 158 هجرية 969 ميلادية، ليصبح بذلك الفتح الفاطمي لمصر بمثابة انقلاب ديني ثقافي اجتماعي بعيد المدى، صحبه تحول ظاهر في نظام الحكم، وبذلك لم يكن هذا الفتح مجرد قيام حكومة مكان أخرى على أية حال من الأحوال. ويعرض المؤلف تاريخ هذه الدولة في مصر منذ أن فتحها جوهر الصقلي وإلى انتهائها، مطوفاً بنا حول أرجائها من شتى مظاهر النشاط الإنساني، متناولا الحياة السياسية في مصر إبان هذه الخلافة وما تمخض فيها من مواجهات بينها والخلافة العباسية، كما عرج بنا إلى بداية ظهور النظام العسكري فيها إثر مقدمات الغزو الصليبي، وما تلاه من نهاية الاستقرار وبداية التدهور الذي أدى إلى الاضمحلال السياسي لهذه الدولة.
ثم انتقل بنا المؤلف إلى الحياة الاجتماعية للبلاد في ظل الخلافة الفاطمية حيث شهدت مصر مظاهر ومواسم للاحتفالات والأعياد وخاصة الدينية، وانتقل من ذلك إلى الحياة الاقتصادية التي شهدت تطورا في الزراعة والصناعة والتجارة، وما تطلبه من وضع نظام ضرائب ينظم النشاط الاقتصادي كما تعرض إلى الإسهامات التي قام بها الفاطميون في الثقافة والتعليم والفنون والعمارة إضافة إلى تناوله الحياة العسكرية في مصر في ظل الفاطميين ودور الجيش والبحرية في هذه الدولة وخاصة في زمن الحروب الصليبية.
وكان الدكتور أيمن فؤاد سيد بدأ منذ عشرين عاما في نشر مصادر جديدة لتاريخ الفاطميين في مصر، اعتماداً على محفوظات، كشفت حديثاً، وفتحت هذه النصوص الجديدة أمامه سجالاً رحباً للبحث والتنقيب في النواحي المختلفة للتاريخ الفاطمي خاصة في فترته المصرية، وكان طبيعياً أن يدفعه ذلك إلى كتابة تاريخ جديد للدولة الفاطمية في مصر اعتماداً على هذه المصادر، وإعادة قراءتها.
ويؤكد أن إفريقيا (تونس الحالية) حيث أعلن قيام الخلافة الفاطمية، لم تكن لتفي بغرض الفاطميين وتحقيق أحلامهم، فقد كانت أنظارهم تتجه دائما إلى الشرق ولجأوا في سبيل ذلك إلى الدعاية السياسية ضد العباسيين في بغداد والأمويين في قرطبة على السواء، ونشطت هذه الدعاية في أيام المعز لدين الله رابع خلفائهم، وعبر عنها بوضوح شاعرهم ابن هانئ الأندلسي وتحقق أعظم انتصارات الفاطميين على يد المعز لدين الله حين فتح مصر، فحفظ لهم مكاناً بارزاً في التاريخ، وفيها أنشأوا عاصمة جديدة هي القاهرة تعبر عن كيانهم واتجاهاتهم وكان هدفهم الأول أراضي الخلافة العباسية.
ويشير المؤلف إلى أن الخلافة الفاطمية في مصر مرت بفترتين متميزتين، تبدأ الأولى مع وصول جوهر الصقلي إلى القاهرة وإتمام عملية فتح مصر، وتنتهي باندلاع الحرب الأهلية في منتصف القرن الخامس الهجري في زمن الخليفة المستنصر بالله، والفترة الثانية في فترة الحكم المطلق للوزراء العسكريين التي تبدأ بوزارة أمير الجيوش بدر الجمال وتنتهي بوصول صلاح الدين الأيوبي إلى قمة السلطة في مصر سنة 564 هجرية وسقوط الخلافة الفاطمية بعد ذلك بثلاثة أعوام.
فيما عدا استثناءات في الفترة الأولى جمع الخلفاء الفاطميون في أيديهم السلطة السياسية المطلقة، أما الفترة الثانية فاستبد فيها بالحكم الحكام العسكريون المطلقون الذين اغتصبوا السلطة السياسية من الأئمة.
وطوال المائة عام الأولى للتاريخ الفاطمي في مصر لم يحاول الفاطميون اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق حلمهم في حكم العالم الإسلامي، وتكوين الإمبراطورية التي حلموا بها، بل إن أئمتهم شغلوا أنفسهم بمشاكل عقائدية وطموحات شخصية خاصة في عهد الحاكم بأمر الله، وشهد النصف الأول من حكم الخليفة المستنصر بالله أسوأ أزمة اقتصادية عرفتها مصر في العصر الإسلامي، بالإضافة إلى فوضى إدارية شاملة وحروب أهلية هددت الأمن والاستقرار الذي عرفته مصر في العقود الأولى للقرن الخامس الهجري وتطلبت الاستعانة بقائد عسكري قادر على حفظ الأمن وإعادة النظام.
يقول المؤلف: ومع ذلك ظل الفاطميون لفترة غير قصيرة خلال النصف الأول للقرن الخامس الهجري أكبر قوة في العام الإسلامي، ووصلت الإمبراطورية الفاطمية في أوائل حكم المستنصر بالله إلى أقصى اتساع لها، وكانت تضم مصر والشام وشمال إفريقيا وصقلية والشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر والحجاز واليمن وعمان والبحرين والسند، لكنها سرعان ما هوت بعد ذلك خاصة بعد ظهور السلاجقة كقوة فتية جديدة في الإسلام.
وتجنب الدكتور أيمن فؤاد سيد الخوض في التفاصيل الدقيقة للأحداث واستعاض عن ذلك بتقديم تحليل لأطوار التاريخ الفاطمي، وتوضيح للخطوط العريضة والظواهر الرئيسية لتاريخ الدولة الفاطمية، وشرح للاستراتيجية التي كانت تحكم سياسة الفاطميين والأهداف التي كانوا يتطلعون إليها ومدى نجاحهم أو فشلهم في تحقيقها.
وحرص كذلك على عدم معالجة الموضوع معزولاً عن قضايا العصر الأخرى مما ساعد على إبراز الترابط بين هذه القضايا المعقدة وتوضيحه، وقام بالاستشهاد بنصوص المؤرخين وخاصة تناولهم للمواكب الاحتفالية.