يمكنك القول إنه أول من يستقبل شمس سلطنة عمان، وآخر من يقول لها وداعاً حين تقرر أن ترحل لتضيء النصف الآخر من هذا العالم .
بعد أن تتجاوز دوار برج الصحوة في طريقك نحو ولاية نزوى عليك أن تقطع قرابة 160 كم لتصل إلى هناك وبعدها سيكون أمامك 20 كم أخرى لتصل إلى وادي الغول، حيث تظهر أمامك لافتة صغيرة تشير إلى 22كم وهي المسافة المتبقية لتصل إلى جبل شمس، هذه المسافة القصيرة نظرياً ستكتشف أنك في حاجة إلى أكثر من ساعة لاجتيازها عملياً أو بالأحرى لتسلقها، وبالطبع بالاستعانة بسيارة الدفع الرباعي التي ستساعدك على ارتقاء تلك القمة التي ترتفع عن سطح البحر ما يزيد على ثلاثة كيلومترات .
ستشعر بمجرد وصولك إلى القمة أن ثمة شيئاً قد اختلف، مؤشر الحرارة داخل السيارة يشير إلى 30 درجة مئوية رغم أنها كانت لدى بداية الطريق تتجاوز أربعين درجة مئوية في هذا الوقت من العام، لكن ارتفاع الجبل يعدل من درجات الحرارة ويجعلك تشعر بالاختلاف تماماً، القمة عبارة عن انبساط أرضي بشكل شبه دائري مسيج بالكامل بسياج معدني يمنع أي احتمال لخطر السقوط، لكن يبدو أن الأمر لا يتعلق بسياج ما أو عوامل للسلامة جهز بها المكان، فهذا الارتفاع الشاهق يبعث في النفس ذلك الشعور الغريب بالخوف رغم كل شيء فأنت هنا لا ترى شيئاً سوى الضباب يخيم على المكان ويمنعك من رؤية قعر الوادي ما يزيد من إحساسك بعدم التوازن، بالتركيز على قعر الوادي السحيق عند أقدام الجبل ستستطيع لو ساعدتك الظروف الجوية أن تتبين بعض البيوت المتراصة التي تشكل مجتمعة قرية ترقد في أخفض مكان على سفح الجبل، وتستطيع أيضاً أن تميز الطريق الترابي الذي يلتف حول الجبل وصولاً إلى قمته وقد رسمت معالمه أقدام أولئك الذين لا يزالون يسيرون على هذا الدرب يومياً صعوداً وهبوطاً لقضاء احتياجاتهم اليومية منذ سالف الأيام، ولهواة المشي جهزت وزارة السياحة العمانية الجبل بمسارات آمنة للمشي توصلك إلى قمة الجبل حيث تستطيع استكشاف المكان من أعلى قمة في الخليج العربي .
تشتهر قرى جبل شمس بالصناعات النسيجية اليدوية الرائعة سواء السجاد الصوفي المزين بالنقوش المميزة أو الأحذية الصوفية المخصصة لليالي الشديدة البرودة أو علاّقات المفاتيح المصنوعة من الصوف المصبوغ بألوان زاهية، هذه الحرفة اليدوية يعمل فيها معظم سكان الجبل، لكن من يتولى بيعها للسياح هم الأطفال من أعمار متفاوتة تبدأ من سبع سنوات تقريباً وصولاً إلى 12 سنة، اللافت في البضاعة التي بحوزتهم أنها مجموعة من الأصداف والقواقع والقشريات المتحجرة التي يحرص السياح على اقتنائها نظراً لندرتها والتي يعود سبب وجودها في المنطقة للتاريخ القديم جداً لجبل شمس الذي يعود وفقاً لذلك للعصر المطير عندما كانت البحار تغطي كامل الكرة الأرضية، كما أن الحالة الخاصة للقشرة الأرضية في جنوب شبه الجزيرة والتي تجعل القشرة البحرية ترتقي القشرة البرية لدى تصادم القارات تجعل أرض المحيطات في الزمن السحيق يتحول إلى قمم جبال في الزمن الحالي، أي أن قمة جبل شمس اليوم كانت قبل مئات السنين قاعاً للمحيط وأدى تصادم القارات لتصبح يابسة ومن ثم قمة جبلية احتفظت ببعض مكوناتها وسكانها من المخلوقات البحرية بعد أن تحجرت وتحولت إلى صخور تشكل مصدر رزق لسكان الجبل الذين ينقبون عنها، ويبيعون ما يجدونه منها للسياح المهتمين وبأسعار لا تعكس أبداً الجهد المبذول للحصول عليها حيث تترواح أسعار بين ريال عماني واحد وثلاثة ريالات (10 دراهم و30 درهماً) للقطعة الواحدة وهي أسعار قابلة للتفاوض بشدة حسب الزبون .
خلال الرحلة لأعلى القمم العمانية لا بد أن يلفت انتباهك نوع من الأشجار تتناثر في المكان وتتميز بشكلها الفريد الذي يشبه المظلة المستوية وجذعها المتكون من أغصان نحيلة ملتفة حول بعضها بشكل فوضوي، هذه الشجرة تسمى البوت وهي من الأشجار القليلة التي تنمو في بيئة الجبل، ثمار هذه الشجرة عبارة عن حبات سوداء اللون لينة حلوة المذاق وحيدة البذرة، تشبه إلى حد بعيد العنب صغير الحجم، ثمار البوت هذه تشكل أيضاً إحدى السلع التي يبيعها سكان الجبل للسياح خلال الفترة من يونيو/حزيران وحتى سبتمبر/أيلول وهي الفترة التي ينضج فيها البوت تحت أشعة الشمس العمانية الحارق، ويمكنك الحصول على حفنة منها (نصف كيلو غرام تقريباً) مقابل ريال عماني واحد (10 دراهم) .
وفي أعلى قمم جبل شمس تسكن قبيلة عمانية تدعى الخواطر شيخها هو حميد بن محمد الخاطري أحد سكان أعلى قمم عمان، جبل شمس، بل لعله أقدم سكان هذه البلاد، فعندما تراه للمرة الأولى وتتفحصه بعين الخبير بأعمار البشر، ستجزم أنه في العقد السابع، بل ربما تجاوزه إلى الثامن ولكنك ستفغر فاهك دهشة عندما تكتشف أنه قد خلف وراءه قرنه الأول منذ عقدين ونيف، أي بحساب بسيط تجاوز عمره مئة وعشرين عاماً، الشيخ حميد أو أبو سالم كما يحب أن تناديه، شخصية فريدة من نوعها حقاً، فليست أعوامه المئة والعشرون هي ما يميزه فقط، بل لديه الكثير من المواصفات والسلوكيات الخاصة التي لن نجدها في شخص آخر على الإطلاق، ليس أولها أن آخر مرة غادر فيها أبو سالم جبله ونزل إلى ولاية نزوى القريبة كانت قبل ما يزيد على أربعين عاماً، لكن ذلك طبعاً لا يعني بحال من الأحوال أن أبا سالم لا يعلم شيئاً عن أخبار البلاد والعباد، فالسؤال الأول الذي يوجهه لزائريه من مختلف الجنسيات وبالأخص العمانيون مو علوم مو أخبار فهو بالتالي يعلم تمام العلم ما الذي يحدث في هذا العالم رغم عدم مغادرته مسقط رأسه كل تلك الأعوام، لكن ما يدهش حقاً في شخصية شيخ قبيلة الخواطر هي العادة اليومية التي يكررها بإصرار عجيب وهي التجوال في أرجاء المكان لساعات طويلة يومياً، حيث لم يمنعه فقده حاسة السمع وضعف البصر الذي ألم به في السنوات الأخيرة عن رحلته اليومية، فهو حسب قوله ليس في حاجة إلى عينيين لمعرفة طريقه الذي بات يحفظه عن ظهر قلب، فالسنوات الطويلة التي عاشها في المكان وآلاف الكيلومترات التي قطعها جيئة وذهاباً، صعوداً وهبوطاً بين ثنايا الصخور، كانت كفيلة بجعله واثقاً من موطئ قدمه من دون حتى رؤيته .
أياً كانت الكلمات التي قرأتمونها أو ستقرؤونها حتى نهاية هذه القصة، لن تكفي لتفي أبا سالم حقه أو على الأقل لتجعلكم تعرفونه كما عرفته، فأبو سالم اليوم يعد سبباً آخر يضاف إلى عشرات غيره تجعلكم ترغبون بزيارة جبل شمس وارتقاء قمته العالية، فهذا الرجل أصبح أثراً آخر يضيف للمكان بعده الإنساني الرائع، ولذلك أنصحكم بزيارته والتقاط صورة تذكارية معه، تلك الصورة التي ستكلفكم ريالاً واحداً ثمناً لها، بعد أن اكتشف فيها أبو سالم مورداً جديداً للرزق من كثرة طالبيها، حتى أصبح خبيراً في التعامل مع عدسات المصورين واتخاذ الوضعيات المناسبة للصورة، تلك التي تستحق أن تدفع من أجلها أي مبلغ يطلب، لتظهر فيها مع التاريخ الحي لجبل الشمس .