محمد وردي
رواية "حجر . . ورقة . . مقص"، للكاتبة لميس يوسف، الصادرة حديثاً عن دار "كُتّاب" للنشر والتوزيع في دبي، هي رواية شبابية بامتياز، كونها تنتمي لجيلها وعصرها، وما يستدعيه ذلك من رغبة جامحة في التفاعل الإيجابي البناء مع المعطيات الحداثية . وكذلك لأنها مهجوسة بالتحولات العاصفة التي يشهدها المجتمع الإماراتي بمطالع الألفية الثالثة . واستطاعت الرواية أن تسجل بمهارة مسارات هذا التحول بعين الأنثى من موقعها الأكثر التصاقاً بنسيج البنية الاجتماعية، وباعتبارها الأكثر تأثراً في الحراك الحداثي في الوقت عينه، خصوصاً لجهة رصد الأنساق الذهنية الحاكمة بالوعي الثقافي المجتمعي، التي تبدو حتى اللحظة الراهنة كأنها عصية على التغيير، رغم كل المظاهر الحداثوية، التي تبهر العيون وتخدع العقول في بعض تجلياتها .
الرواية تحكي قصة الاشتباك الدائم بين الحداثة الزاحفة بأمواجها المتلاحقة؛ من دون فرصة لالتقاط الأنفاس، والأصالة الراسخة في المجتمعات بحدود العادات والتقاليد، ما أسس لتمظهرات حداثية تطفو على السطح بقوة؛ وتنتزع الإعجاب والتقدير من القاصي والداني، متمثلة بالطفرة العمرانية والاقتصادية والتعليمية والاستجابة النوعية للمعطيات التقنية، أو تعميم ثقافة الحاسوب الآلي وملحقاتها على الشبكة العنكبوتية، والتعامل معها بكفاءة مشهودة على المستوى الرسمي، ومقبولة -إلى حد ما- على المستوى الأهلي .
ولكن القراءة الفاحصة للواقع بعين الثقافة، التي يقوم بها جميع المثقفين الإماراتيين، ومن ضمنهم جيل الشباب بشكل خاص، تلتقي على حقيقة أن عملية الحداثة الجارية، مازالت - حتى اللحظة الراهنة- تقتصر على الجانب المادي، مقابل حداثة ثقافية، تبدو متعددة المستويات، وغنية الدلالات، ومفتوحة المَدَيات، كونها تطال أو تشمل مختلف الشرائح أو الفئات الاجتماعية بمستوياتها كافة، إلا أنها في الواقع ما زالت حداثة هشة، ورخوة، وربما مشوهة وعرجاء، لأن عملية التغيير في الجوهر طالت العمران دون الإنسان، أو على الأقل لم ترتق بالحداثة الثقافية إلى مستوى الحداثة العمرانية .
هذا ما تحاول أن تقوله الكاتبة الإماراتية الشابة لميس اليوسف في روايتها "حجر . . ورقة . . مقص"، التي تتألف من أربعمئة وأربعين صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع على تسعة وخمسين فصلاً، أو "خطوة" كما عنونتها الكاتبة في إصدارها الروائي الأول .
تقوم الثيمة الفنية في رواية "حجر . . ورقة . . مقص" على الأنثى الجديدة؛ باعتبار المرآة هي الأكثر صدقاً في انعكاس تجليات الحداثة، من خلال تقديم ثلاث خريجات جامعيات (دبي، هيلة، عوشة)، الشخصيات المحورية في الرواية . دبي البطلة الأولى أو الراوية، تمثل النموذج الأعلى لسقف التمرد، من خلال إصرارها على العلم والعمل والتفوق والاختيار الحر ونزع "العباية والشيلة"، رغم كل العقبات التي تقف في طريقها . وهي في الوقت عينه - كما يكشف السرد- تمثل دبي "المدينة الذكية"، التي تفوقت . أما البطلة الثانية فهي هيلة، شريكة دبي في روح التمرد، ولكنها أقل منها بسقف اندفاعتها المتمردة، بينما البطلة الثالثة عوشة، فهي تواقة للتمرد، ولكن في إطار التمني، أي من دون فعل يؤازر طموحها على أرض الواقع .
تنتمي الفتيات الثلاث لأسر، تختزل تركيبة الطبقة أو الفئة الأوسع في المجتمع، التي تعتمد في حياتها المعيشية على مداخيل وظيفية لا أكثر ولا أقل . هكذا تبدو الصورة على سطح النص، أو في المستوى الأول من القراءة . ولكنها في الواقع الروائي تختلف تماماً، كونهن شخصيات يقدمن نماذج النسق الذهني، من خلال تصنيف المواطنين - أفراداً أو جماعات - بمراتب تقترب من حدود "التابو" في الوعي الثقافي الاجتماعي . فشخصية البطلة الأولى دبي "عيمية"، أي أنها تختزل فئة المواطنين غير الأصليين، أو المواطنين العرب المجنسين، أما البطلة الثانية، هيلة، فهي مواطنة أصلية ولكنها لا تنتمي للأسر العريقة، في حين أن البطلة الثالثة عوشة ابنة أسرة الراهي المعروفة، التي كانت تتمتع بثراء بدأ يتلاشى في الثمانينات بعد انهيار "سوق المناخ" في الكويت، ومع ذلك لا تقبل الأم موزة الراهي بديلاً عن صورتها الأسرية العريقة المتلازمة لوجاهتها الاجتماعية، وترى استمرارها بزواج ابنتها في إطار هذه الدائرة فقط، حتى لوكان العريس المأمول ستينياً، كما هو حال خليفة اللماعي، من دون مراعاة فارق السن أو التكافؤ بالتعليم، فضلاً عن موضوعة الحب والانسجام والتفاهم حول شروط المستقبل، لأن كل هذه التفاصيل تأتي بعد الزواج، حسب رأي الأم .
تتقاطع الشخصيات النسائية وفق التصنيفات الاجتماعية - بحكم العلاقة بين الأنثى والذكر في الحب والزواج وتشكيل الأسرة -، مع حالات ذكورية مؤطرة بسطوة النسق الذهني المهيمن على الوعي تحت خانات اجتماعية عدة، منها فئة المجنسين من غير العرب كما أشرنا آنفاً، كما هو حال خالد الزايد، الذي تقدم لخطبة عوشة بعد قصة عشق دامية، حيث رحبت أمها بالعريس في بادئ الأمر، لأن أسرة الزايد هي ند كفؤ لأسرة الراهي بعراقة الحسب والنسب حسبما تعتقد، إلا أن صدمتها كانت قاسية، وكافية لرفضه جملة وتفصيلاً، لدرجة أنها لم تنهض لوداع أمه، حالماك شفت عن هُويتها الأصلية، عربيتها المكسورة، حينما قالت: "ماشالا أليها"، في إطار التعقيب على مزاعم أم العروس أن ابنتها هي من أعدت السُفرة العامرة وحدها من دون مساعدة من أحد، ف"انفخت الدف وتفرق العشاق" .
ومن الحالات الكافية للتفريق بين عاشقين متكافئين بالمهارات والخبرات العملية الناجحة بندية، من دون أدنى تردد أو تفكير، أيضاً حالة الفقر والغنى، في بعض وجوهها، وفي بعض الوجوه الآخرى، العقل الذكوري، الذي يرغب في المرأة القوية الناجحة لإقامة علاقة عابرة ليس إلا، أما الزواج وتشكيل الأسرة فتفضلها الفحولة الزائدة "غُرة طيعة" أي إبنة سبعة عشر عاماً، حتى ولو كان هو في منتصف الثلاثينات، كما هو الحال مع ماجد، الذي يقبل باختيار أمه، متناسياً دبي، ذلك النموذج اللافت للنظر بنجاحها .
نجحت الكاتبة في تقديم الشخصيات عبر مسارات تطورها في البناء الدرامي، كنماذج صادقة ودالة بقوة على تشوهات عملية التحديث القائمة - بالمعنى الثقافي- من خلال إبراز حجم معاناة كل منهن في الحب والعمل والحياة بكل تفاصيلها، وبرعت أيضاً في دفع الأحداث تصاعدياً، لجهة حشد المزيد من التفاصيل للدلالة بقوة على أن النسق الذهني لا يزال يسيطر على الوعي الجمعي، من خلال تصويره كأنه لم يبرح مجتمع القبيلة من خلال تقديمه بدلالتين ساطعتين:
الأولى تقول إن مقاييس الجمال كما فصلها النابغة الذبياني:
مخطوطة المتنين غير مفاضة
                 ريّا الروادف بضّة المتجرد
والبطن ذو عُكن خميص طيه
                  والصدر تنفجه بثدي مقعد
ما زالت فاعلة في مجتمع الألفية الثالثة، أي ما زال العقل الجمعي يريد من المرأة أن تكون بيضاء مربربة، ما يعني أنه لا فرق بين جيل بثينة وعزة ومي قبل ألف عام ونيف، وجيل هذا العصر متمثلاً بعوشة، الملزمة ب"كورس الجمال الذي تجبرها والدتها على تناوله كل صباح، الجبنة البيضاء واللبنة واللبن والحليب ( . . .) يجب أن تكوني سمينة وبيضاء وخدودك حمراء كالتفاح وشعرك طويل، مثلي عندما كنت في سنك وخطبتني جدتك لوالدك" .
أما الدلالة الثانية فتقول إن التأطير والتنميط بين فئات المجتمع على أساس الانتماءات الاجتماعية والاقتصادية مازالت تحكم العلاقات بين أفراد المجتمع ولا تقل ببشاعتها عن حالة التجاذبات أحياناً بين بعض فئات المجتمع، المتوارثة في الوعي العربي والإسلامي جيلاً بعد جيل منذ أربعة عشر قرناً فقط .
ولكن كون الأدب هو الفسحة الأقل تكلفة في صناعة الأمل أو الحلم، ترفض الكاتبة -الراوية أو الرواية الاستسلام وتأبى الخنوع أو الانكسار، وتنتصر في النهاية إلى حتمية الحداثة، مستندة إلى منطق العقل .