رافاق واحدة من أرياف البيئة الجبلية التي تنعم بهدوء وجمال الطبيعة في رأس الخيمة، إذ تهطل عليها الأمطار الغزيرة وتمر فيها مياه وادي القور القادمة من الغرب، مروراً بالحويلات وفشغة ورافاق والنصلة . وتغذي هذه المياه الآبار والأفلاج الموجودة في المنطقة، ما ساعدت على زراعة العديد من الأشجار، كالنخيل والمانجو والليمون، ومحاصيل أخرى، إضافة إلى تربية المواشي، والحصول على العسل الطبيعي من الجبال . ورغم قلة الأمطار في السنوات الأخيرة، وجفاف مياه الفلج والآبار، إلا أن أهالي رافاق والمناطق المجاورة لها بقوا محافظين على الزراعة وتربية المواشي، كما تكشف هذه الزيارة .

كانت رحلتنا من الشارقة إلى منطقة رافاق مملوءة بالإثارة والمتعة، لما شاهدناه من رمال صفراء على جانبي الطريق، وصولاً إلى المليحة، وظهور السهل الحصوي، ودخولنا المنطقة الجبلية بدءاً من شوكة مروراً بمنطقتي المنيعي والحويلات، حيث كان ينتظرنا سالم الدهماني، الذي سلك الطريق أمامنا للوصول إلى رافاق والقرى المحيطة بها بين الجبال التي كشفت عن قاماتها في أرض خصبة .

كان الأهالي مستيقظين منذ ساعات باكرة، ويمارسون أعمالهم من دون كلل أو ملل، وكأن الحياة تبدأ دورتها من هناك .

بعد دخولنا المجلس وأخذ قسط من الراحة، قرأ الحضور الفضول في حركة أعيننا للتعرف إلى المنطقة، وبداية الحديث كانت مع عبيد الدهماني، 62 سنة، الذي أوضح أن تسمية رافاق تعود إلى أن أهلها سابقاً كانوا يرافقون القادمين من المركزين الإداريين في المنيعي والحويلات إلى منطقة الباطنة . وقدم لنا نبذة عن جغرافية المكان الذي قصدناه قائلاً: تقع رافاق، في المنطقة الجنوبية من رأس الخيمة، في بيئة جبلية استراتيجية، على طريق رئيس يربط بين المناطق الداخلية للدولة وساحل الباطنة في عمان . وتحدها من الغرب الحويلات وفشغة ومن الشرق النصلة .

وفي ما يتعلق بمناطق سكنهم فيها قال: نسكن هنا منذ زمن طويل، في المنطقة التي يمر بها وادٍ رئيس، ينبع من منطقة القور التي أقيم فيها سد، وتصب فيه عدة شعاب صغيرة، ويمر الوادي على الحويلات ومناطق أخرى، وصولا إلى رافاق ومنها إلى النصلة، وكان يستمد قوته منذ ستينات إلى ثمانينات القرن الماضي من الأمطار الغزيرة التي كانت تهطل بغزارة لعدة أيام متواصلة، فتفيض مياهه، حتى لا يستطيع أحد التنقل من منطقته، وللأسف بقيت تلك المشاهد مجرد ذكريات بسبب قلة الأمطار . ويضيف: كان أجدادنا يعيشون هنا بألفة ويتبادلون الزيارات، ويعتمدون في حياتهم البسيطة على تربية المواشي والزراعة، بخاصة أشجار النخيل بالاستفادة من مياه الأمطار التي كانت تنعم بها المنطقة عامة، وفي موسم الصيف على مياه الأفلاج الموجودة في المنطقة كرافاق، والنصلة، وفشغة، والحويلات، ومناطق أخرى، لذلك لم يكن الحصول على مياه الشرب مشكلة كبرى بالنسبة لنا، لكن معظم الأفلاج جفت . وبالنسبة لفلج رافاق جف منذ تسعينات القرن الماضي، وصار الاعتماد على مياه الآبار الجوفية والطوى لسقي المزارع، أما بالنسبة للاستخدام المنزلي، وفرت الحكومة المياه المحلاة التي تصلنا عبر الأنابيب، بعد أن كنا نعاني صعوبة توفيرها للمنازل من الآبار .

الحديث عن تاريخ المنطقة وحاضرها دفعنا للخروج إلى الطبيعة، للتعرف إلى معالمها، وبيّن لنا سالم الدهماني (موظف)، خلال الحديث أن الأهالي كانوا يستخدمون الجمال في الوصول إلى المناطق المجاورة والمدن، متنقلين بين الجبال والأودية، لذا كانت رحلاتهم طويلة بالمقارنة مع المناطق السهلية والصحراوية . وقال: كان أهل المنطقة الرملية يمرون بمنطقتنا في رحلاتهم بحثاً عن المراعي لمواشيهم بفضل الأعشاب التي كانت تنمو بعد سقوط الأمطار وعلى ضفتي الوادي، وكان أهل المنطقة أيضاً ينتقلون من المكان الذي كانوا يقيمون فيه شتاءً المشتى إلى مكان قريب من أشجار النخيل في الصيف المقيظ، على بعد كيلومتر تقريباً من مكان إقامتهم .

وفي ما يخص النشاطات التي كانوا يقومون بها في السابق، أضاف: كان الأهالي يشغلون بعض أوقاتهم في صيد الطيور في مواسم معينة، إذ كانت المنطقة تزخر ببعض أنواع الطيور والحيوانات البرية، كالغزلان والوعول، ولكنهم توقفوا عن ذلك، أما تربية المواشي فلا تزال مهنة لدينا، إضافة إلى الزراعة بفضل التربة الطينية، التي ساعدت على زراعة أنواع عديدة من المحاصيل وجنيها وبيعها في المدن، ومنها الدخن والذرة والغليون، التي تعتبر منطقة المنيعي والحويلات المجاورة لنا أشهر المناطق في زراعتها لتوافر الظروف المناسبة لها .

وأوضح أنهم استفادوا في السابق من أشجار النخيل في الحصول على المورد الرئيس للطعام، وهو التمر، ثم في بناء البيوت الدعون لذا لم يكن لهم غنىً عن النخيل الموجود إلى الآن، إضافة إلى أشجار الهمبا واللومي .

انتقل الحديث إلى راشد البدواوي (موظف)، الذي وصف مستوى المعيشة في السابق بالجيد، ولكنها لم تخل من الصعوبات بسبب قطع مسافات طويلة على ظهور الجمال من أجل شراء المواد الاستهلاكية من المدينة، إذ كان قسم منهم يسافر لاقتناء ما يحتاجون إليه، والبقية يدير أمورهم إلى أن يعودوا، وهكذا بالتناوب في ما بينهم كي تكمل الحياة دورتها من دون انقطاع، موضحاً أنه لو لم يتمكنوا من التعامل مع طبيعتهم الجبلية ما استطاعوا الاستمرار بالعيش فيها . وقال: تحوي رافاق معالم تعود إلى مئات السنين، منها فلج رافاق، الذي جفت مياهه، ولكنا حافظنا عليه إلى أن أجريت له مؤخراً عملية صيانة، وحفرت بئر بجانبه وبني حوض كبير لتخزين المياه من أجل سقاية المواشي . وتحوي المنطقة مربعتي أحمد بن سلطان وسعيد بن علي وكانتا تستخدمان للاحتماء بهما في أوقات الشدة، وتسوية الخلافات التي كانت تنشأ بين الأهالي في أوقات السلم، وتعد المربعتان من معالم رافاق الباقية، والتي حافظ عليها الأهالي .

وعن العادات التي حافظ عليها أهل رافاق، قال: نجتمع في صباح يوم العيد لتناول الفطور بعد الصلاة مثلما كنا نفعل في السابق، وبعضهم يواصلون تناول الفطور والغداء والعشاء معاً طوال أيام العيد، كي يزيدوا من فرحة المناسبة وقوة الروابط الأسرية والاجتماعية التي تشكل اللبنة الأولى لتعايشهم مع بعضهم بعضاً .

أشار محمد علي سلطان (موظف)، إلى أن الأهالي يشغلون وظائف في الدوائر الحكومية، ورغم ذلك ما زالوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم التي تربّوا عليها، ويعلمون أطفالهم القيم التي ورثوها من الآباء والأجداد، وأن يكونوا على قدر المسؤولية، وخاصة عادات استقبال الضيف وإكرامه، وأن عاداتهم هذه لا تمنعهم من أن يطوّروا أنفسهم، والسعى لتحقيق الأفضل .

وقال: مع ثورة التطور والعمران في الإمارات بعد الاتحاد باتت كل نقطة من الدولة مزودة بكل مقومات الحياة، ووصلت إلينا مياه التحلية، وشقت الطرق المعبدة الموصلة إلى منطقتنا، وانتشرت المدارس والمراكز الصحية وفتحت مجالات التوظيف أمام الشباب، والمساكن الحديثة، لذلك لا يفكر أحد بترك هذه المنطقة رغم كثرة المحفّزات التي توفرها المدينة للانجذاب إليها على حساب الحياة الهادئة في الريف .

وأكّد عيد خدوم (موظف متقاعد)، أنه حتى سبعينات القرن الماضي كان الأهالي يخرجون بشكل مكثف إلى ضفاف الوادي والأفلاج في الشتاء لتتبع النحل القادم من الجبال لشرب الماء بغرض الوصول إلى أماكنه بعد الانتهاء من الشرب للحصول على العسل، ولا يزال بعضهم يتردد إلى الجبال للحصول عليه، أما في الصيف فإن النحل ينتقل إلى الأشجار . وقرب برك المياه، حيث لا يزال العديد من أصحاب المزارع يقومون ببناء حوض (ماء سبيل) قرب مزرعتهم، لتشرب منه الطيور والحيوانات .

واختتم حديثه بقوله: كان ولا يزال العسل والسمن العربي يقدمان مع الخبز المحلي كوجبة للضيوف أيضاً . ويعتبر عسلا السدر والسمر من أفضل الأنواع .