في مسند أحمد: أن امرأتين صامتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض، ثم ذكرتا له، فدعاهما فأمرهما بالتقيؤ فقاءتا ملء قدح قيحاً، ودماً صديداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس" الحديث، وهذا بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: "ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه" .
حين طالعت هذا الحديث توقفت طويلاً أمام تعريف بعض العلماء للصوم بأنه "إمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس"، وقد قال فيه بعضهم: "إنه عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بنية مخصوصة"، ويمكن القول إنّ مثل هذه التعريفات تفضي إلى القول إن الصوم إمساك أو ترك لبعض المباحات المحددة في زمن محدد وبنية محددة . ما جعلني أتوقف هنا حول هذه التعريفات هو تنبيه أحد علماء المسلمين على ضرورة إلحاق كلمة التعبد أو العبادة إلى التعريف، حيث لا يفطن إلى ذكرها بعض العلماء، مثل قولهم في الصلاة إنها "أقوال وأفعال معلومة"، وإضافة كلمة التعبد هنا مفيدة أيما إفادة، حتى لا تتحول الصلاة إلى مجرد حركات، أو يتحول الصيام إلى مجرد إمساك، وليبدأ تعريف الصوم بأنه "عبادة أولاً، ثم إمساك عن كذا وكذا ثانياً، في زمن معلوم ثالثاً" . وفي الصلاة "عبادة أولاً، وأفعال وأقوال معلومة ثانياً" حتى لا يفقد هذا الترك والإمساك وتلك الأقوال والأفعال جوهرها ومضمونها العبادي الذي شرعت من أجله .

جوهر الصوم

وإذا كان الصوم في جوهره هو ترك المباحات فهو يتضمن ترك المحرمات من باب أولى، حتى لا يتحول الصيام إلى مجرد الامتناع عن الأكل والشرب والجماع في نهار رمضان، وتلك نظرة تجعل الصيام بلا مضمون حقيقي وتحوله إلى حالة من الجوع والعطش ثم ما يفتأ الإنسان أن يروي ظمأه ويأكل فور انتهاء مدة الصوم، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، فلا حاجة لله عز وجل في أن يجوع العبد، ولا حاجة له سبحانه وتعالى في أن يمسك الممسكون عن الطعام والشراب، وما حاجة الله إلى جوع العبد وعطشه إن لم يكن ثمرة ذلك كله التقوى؟ "يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلكُمْ تَتقُونَ" .
في الصوم لا يغني ترك المباحات عن ترك المحرمات، ولكن البعض منا يصوم عن المفطرات الحسية كالأكل والشرب والجماع ولا يلتفت إلى المفطرات المعنوية كالغيبة والنميمة والكذب واللعن والسباب وإطلاق النظر إلى النساء في الشوارع والمحال التجارية، ف"رُبَ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب"، كما قال صلى الله عليه وسلم، وقيل لابن عمر رضي الله عنهما في موسم من المواسم: الحاج كثير، فقال ابن عمر: "الركب كثير، والحاج قليل"، وللأسف فإننا نجد الكثير في رمضان يمسكون عن الطعام والشراب ولكن الصائمين قليل .
للصيام مفطرات ومفسدات حسية توجب القضاء، ومنها ما يوجب القضاء والكفارة، كالأكل، والشرب، والجماع، ومنها مفطرات ومفسدات معنوية لا توجب قضاء ولا كفارة، ولكنها تحول دون قبول الصوم، وتبطل أجره أو تنقصه، وهي المعاصي والآثام، واقرأ إن شئت قوله صلى الله عليه وسلم: "كم من صائم ليس له حظ من صومه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له حظ من قيامه إلا السهر والتعب" .

حفظ اللسان

والمفسدات المبطلات التي تحول دون قبول الصوم وتذهب بأجره كله أو بعضه كثيرة جداً، إلا أن النهي عن قول الزور فيه إشارة إلى النهي عن جميع الكبائر والآثام، وفي صحيح البخاري عن أبي صالح الزيات، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه" .
فعلى المسلم أن يضبط نفسه ويحفظ لسانه من السب والشتم والغيبة والنميمة ونحو ذلك مما حرم الله في الصيام وغيره، وهو في الصيام أشد محافظةً على كمال صيامه، وبعداً عما يؤذي الناس، ويكون سبباً في الفتنة والبغضاء والفرقة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم" .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه رواية قال: "إذا أصبح أحدكم يوماً صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم"، إني صائم . فالصائم يتجنب السخف وفاحش الكلام، ولا يجهل على أحد، ويتجنب كل ما يغضبه ويذهب أجر صومه، وقد أمر رسولنا الكريم الصائم المشتوم بالجلوس إذا شتم وهو قائم لتسكين غضبه فلا ينتصر بالجواب، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تساب وأنت صائم، فإن سابك أحد فقل إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس" .
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل إني صائم إني صائم"، وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر" .

تهذيب النفوس

ولا شك في أن أهون الصيام ترك الطعام والشراب والجماع، مع الانغماس فيما سوى ذلك من المحرمات، ولهذا شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم بالجُنة، فالصوم الحقيقي يمنع من قبيح الأقوال والأفعال، كما تمنع الجُنة المقاتل من سهام الأعداء، فقال: "الصيام جُنة، فلا يرفث ولا يفسق، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين" الحديث .
ومثل من تقرب إلى الله بترك المباحات في رمضان وانغمس فيما حرم الله عليه نحو الكذب والغيبة والنميمة وظلم الناس، كمثل من ترك الفرائض وتقرب إلى الله بالنوافل، فإن تقربه هذا مردود عليه، وليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .
الصوم عبادة عظيمة لها أثرها في تربية العقول والأرواح وتهذيب النفوس وحملها على الأخلاق الكريمة، وهي كفارة لما تقدم من الذنوب والآثام، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وفي شهر رمضان تتضاعف أجور الأعمال الصالحة، فضلا من الله عز وجل على عباده، وينادي منادٍ في أول ليلة من رمضان فيقول: "يا باغي الخير أقبِل ويا باغي الشر أقصر"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له" .

محمد حماد