في ظل الضعف والتفتت والانقسامات التي تعتري العالم الإسلامي يتشبث الإنسان بأية فكرة أو بارقة أمل تجمع الأمة وتنتشلها من حالة الضياع والهوان التي تعيش فيها في زمن تتجه فيه شعوب الأرض وأجناسها إلى التوحد رغم ما بينها من اختلافات جوهرية. وساعة مكة اختراع قدمه للأمة الإسلامية المهندس الفلسطيني ياسين الشوك الذي قصد قطر لهذه الغاية، وهو اختراع يثبت النظريات القديمة بأن مكة هي مركز الكون وتوقيتها هو التوقيت العالمي الصحيح، لعل وعسى أن يعي ويفقه المسلمون ما تعنيه هذه الحقيقة العلمية التي أكدها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الذي طالب باعتبار توقيت مكة التوقيت العلمي الصحيح، مشدداً على أن إثبات نظرية توسط مكة للأرض اليابسة هو تأكيد وتثبيت للهوية الإسلامية وتدعيم لعزة المسلم بدينه وأمته وحضارته، وأن قبلة المسلمين تعد من أهم مظاهر الوحدة بينهم، حيث يتوجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها خمس مرات في اليوم.

ووراء ساعة مكة قصة بحث علمي طويل قام به المهندس ياسين الشوك على مدى أعوام طويلة تعرض خلالها للعديد من المصاعب والاحباطات ولكنه لم ييأس حتى أنجز ساعة مكة التي تمكن المسلم أينما كان من تحديد توقيت ومكان القبلة. نتعرف إلى هذا الاختراع في هذا الحوار.

بداية كيف بدأتم التفكير في اختراع ساعة مكة؟

بدأت رحلة ساعة مكة من تعلقي بمدينة مكة، رغم البعد الجسدي عنها، عندما زادت قناعاتي بتميز هذه المدينة، فتعمقت دراساتي عن مكة المكرمة وتمنيت أن يشعر كل مسلم بما أشعر به عن عظم هذه المدينة التي جعلتني أطيل في البحث عن طريقة تجعل التوجه بالصلاة إلى مكة المكرمة سهلاً لكل مسلم، والشيء الذي دفعني أكثر لهذا البحث هو وجودي في سويسرا، وقلة المساجد بل انعدامها أحياناً، ولما كان أول أعمال المسلم الصلاة وأول أساسياتها التوجه إلى القبلة وتعذر تحديد اتجاه القبلة الصحيح لأسباب كثيرة تكونت فكرة اختراع ساعة تقرب بين المسلمين وقبلتهم وتجعلها سهلة التحديد في أي مكان على سطح الكرة الأرضية امتثالاً لقوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره.

ومن خلال الدراسات التي أجريتها حول مكة، وجدت أن الكثير من العبادات التي يقوم بها الإنسان متفق مع أمر إلهي، كالسعي بين الصفا والمروة والطواف حول الكعبة، وهي عبادة شرعت منذ زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام سبعة أشواط تبدأ بالحجر الأسود وتنتهي به، وشكل الطواف هذا يبدأ من جهة اليسار إلى اليمين لأن الكون بأكمله يطوف في حركة دائرية أو اهليجيكية بيضاوية لا تتوقف، كما أن هذه الحركة على هيئة الطواف في الكعبة.

كم استغرق البحث والتدقيق للتوصل إلى تحديد القبلة؟

ساعة مكة هي خلاصة فكر لسنوات طويلة استغرقت 37 عاماً قضيتها بين تجربة وكفاح للوصول إلى ما توصلت إليه، فهي ساعة تشبه مكة في كل شيء في قبلتها، ودوران عقاربها الذي يتشابه مع حركة الحجيج في الكعبة. ولما كان الطواف نظاماً حركياً يقوم به الإنسان، والإنسان والكون في انسجام، فلا بد من أن تكون حركات الإنسان مطابقة لحركات الكون في نظامه الحركي أي من اليسار إلى اليمين، فالمسلم حين يطوف حول الكعبة من اليسار إلى اليمين إنما هو منسجم في طوافه مع طواف كل شيء في هذا الكون الفسيح ومركز نواته، ولما كانت الكعبة هي مركز الأرض وبؤرتها كما أثبتها العلم والدراسات المختلفة، وهي مركز الجذب المغناطيسي التي تتلاقى فيه الإشعاعات الكونية، وهي خط التوقيت الأصح في العالم، وهي مركز الجذب الروحي للمسلم أينما كان على وجه الأرض، ولما كان الطواف عبادة فرضت في البيت الحرام ونظامه الحركي يسير من اليسار إلى اليمين أي متفق مع نواميس الكون الحركية، كان الأولى أن ينسجم شكل التوقيت، أي دوران عقارب الساعة، وهو أمر حركي مع قانون الحركة الكونية وأن تكون حركة دورانه من اليسار إلى اليمين عكس ما هو شائع في طريقة سير عقارب الساعات الآن (من اليمين إلى اليسار) لأنه أمر يناقض الفطرة والنواميس الكونية والتقديرات الإلهية التي خلق عليها الكون والإنسان.

نواة التصميم

إذاً هذه الحقائق العلمية كانت النواة الأولى لوضع لبنات تصميم ساعة مكة؟

نعم، فإن تلك الحقائق كانت المحفزات لوضع الخطوات الأولى لتنفيذ الاختراع، فعند تصميمي مسودة رسومات للساعة، قمت أولاً بتحديد الدول ومكانها على سطح الكرة الأرضية، وحساب بعدها وقربها من مدينة مكة المكرمة الكعبة وذلك عن طريق حساب خطوط الطول ودوائر العرض لكل دولة وقسمتها بالتساوي لتبدأ من الدرجة صفر وتنتهي بالدرجة 390 والتي تزيد بمقدار 30 درجة عن الدائرة الكاملة، وهذه الزيادة نتيجة اتخاذنا الكعبة مركزاً للكرة الأرضية.

كم استغرق العمل الفعلي في التجريب والتعديل حتى خرجت الساعة بشكلها الحالي؟

استغرق العمل أربع سنوات متواصلة حطمت خلالها عشرات الساعات بين تجريب وتعديل، وفي نهاية العام 1975 تحقق الحلم باختراع ساعة مكة لتحديد اتجاه القبلة، ونجحت بجعل قبلة المسلم ساعة في يده يحملها في كل مكان يكون فيه.

وماذا كانت الخطوة التالية بعد أن اكتمل الاختراع وأصبح حقيقة ملموسة؟

بعد هذه الخطوة قررت أن أسجل اختراعي في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (Wipo) لكن الاختراع رفض لأكثر من مرة، غير أنني لم أستسلم وخضت التحدي مع هيئة المهندسين المنتدبين من حقوق الملكية الفكرية العالمية وقدمت اختراعي ومعه شرح مفصل بما يقارب 150 صفحة من الرسومات والخرائط الجغرافية عن كيفية عمل الساعة، وحينها أبدى المهندسون اعجابهم ودهشتهم بالاختراع، ووافقوا على تسجيله بعد ثلاث مرات من الرفض.

وماذا كانت الخطوة التالية بعد الاعتماد من المنظمة العالمية للملكية الفكرية؟

بعد ذلك قمت بتسجيل الساعة في الهيئة العالمية لحماية حقوق الملكية الصناعية التابعة لوزارة الاقتصاد الفرنسية في العام نفسه، وسرعان ما نشر خبر الاختراع في الصفحات السويسرية، وتناقلت وكالات الأنباء الأوروبية هذا الخبر لأنه يمثل حدثاً مهماً في صناعة الساعات في العالم، في الوقت الذي عجز فيه المخترعون الأوروبيون عن اختراع مثل هذه الساعة.

فطرة إلهية

ولكن هناك قولاً إن اختيار دوران عقارب الساعة بهذا الشكل ديكور جمالي فقط؟

لم يكن اختيار دوران عقارب الساعة بهذا الشكل لديكور جمالي، بل كان انسجاماً مع الفطرة الإلهية في تنظيم الكون ودورانه بأدق تفاصيله إلى أعظمها، وتصحيحاً للوضع الخاطئ لدوران عقارب الساعة من اليمين إلى اليسار الذي لا ينسجم مع الفطرة والطبيعة، والذي يسبب الكثير من المشاق والصعوبات نتيجة لهذا الوضع الشاذ كوضع بريطانيا واستراليا اللتين تسير أنظمة السير فيهما من اليمين إلى اليسار، وما ينجم عن هذا النظام من مشاكل حاولت هذه الدول حلها لكن من دون فائدة، وأؤكد أن إيماني العميق بأهمية موقع مكة المكرمة جعلني أتخذ خط مكة توقيتاً عالمياً يحتذى به في كل أرجاء العالم، ودوران عقارب الساعة من اليسار إلى اليمين كشكل الطواف حول الكعبة.

ويضيف المهندس الشوك أنه حاول تقديم الدلائل العلمية ليثبت فكرته هذه، ويشير إلى أنه على اقتناع تام بأن ساعة مكة التي تدور عقاربها من اليسار إلى اليمين ستكون نتيجة حتمية لكل من أراد إحقاق الحق في كون الله الفسيح.

وماذا بعد هذه الرحلة الطويلة من البحث والفشل والنجاح؟

بقيت ساعة مكة مسجلة في سويسرا بهذا الشكل 37 عاماً حيث بيع منها آلاف الساعات في جميع أنحاء العالم، إلى أن قررت التوجه إلى قطر وأن أعيد إحياء ساعة مكة لأحقق ما كنت أحلم به، ولترى ساعة مكة النور، وأحضرت معي رسومات ومسودات ساعة مكة التي احتفظ بها لمدة 37 سنة في جنيف، سائلاً المولى عز وجل أن تكون دولة قطر بداية انطلاق الساعة الأولى للمسلمين، فأنا لا أسعى لأن يعترف العالم الغربي باختراعي، ولا أنتظر تصديقهم عليه، بقدر ما يهمني أن تكون للعالم الإسلامي ساعة عربية إسلامية، تتخذ من مكة المكرمة توقيتاً لها يوحد كل المسلمين بتوقيت واحد، تكون فيه قبلتهم موقتاً لصلاتهم.