الثقافة الشعبية تختزل التاريخ في ما يسهل حفظه ويُطرب جرسُه ووقعه، وهي بالتالي ديوان شفوي في أغلب الأحيان، لأنه يروي الحكاية على لسان أصحابها ليسمعوها ويتأكدوا من حفظها في اللا وعي والذاكرة، وبعد ذلك لهم أن يستعيدوا منها ما يشاؤون. وإذا كان لا بد من تتبع السير الخاصة بشخصيات هذه الثقافة الشعبية، فإننا نبدأ البحث عن تاريخ محكي يزيد عمره على الألف سنة من الزمان يضم الذكريات والحكايات والقصائد والأشعار المحفوظة عن ظهر قلب، إضافة الى ما ترسخ من عادات صارت عمل هواية ومتعة وصيد وقتال، وهي عادة القنص والصيد بالصقور.
الأمر لا يتعلق بالبحث في الثقافة الشعبية وتاريخها كإرث شعبي شفوي، ولا بالبحث في قواعد النظم في الشعر النبطي أو الشعبي كما يسميه بعضُ شعرائه، بل يتعلق بكتاب في الثقافة والموروث الشعبي للدكتور غسان الحسن، يستعيد ذاكرة الشعر النبطي والشعبي في الإمارات العربية المتحدة، لا من خلال البحث اللغوي الجاف والأكاديمي الصارم، بل من خلال أسلوب مشوق وممتع، يعتمد البحث في العادات الأقرب إلى النفس الإماراتية، في الصيد بالصقور والمقناص، وهو الكتاب الرابع له بعد أن أصدر كتاباً بعنوان التغرودة الإماراتية، دراسة علمية.
إضافة إلى كتاب ثانٍ بعنوان (حضارة الشعر في بادية الإمارات) تناول فيه الخصائص الفنية والبنائية للشعر النبطي والتي أعطته مرونة عالية وجعلته يتّسع لكل ما يودع فيه من موضوعات ومعانٍ، ويتكيف ويتشكل بصور مختلفة تتناسب مع وظائفه العديدة، ما جعله خزانة الثقافة البدوية التي سكب فيها أهل البادية آدابهم وفنونهم.
وفي هذه الدراسة التي احتواها الكتاب فهم مدرك لضرورة البحث في تاريخ الشعر الشعبي في الإمارات، إذ دخل المؤلف في دهاليز الشعر النبطي الإماراتي ليجد فيه معالم حضارة حية متكاملة، ويكشف عن أشكال شعرية فنية وأدبية رائعة موجودة بحذافيرها فيه وترتدي ثوب الشعر النبطي، مثل ألوان القصص والسير والنوافذ الحكائية، والمسرحيات والعرائس وألوان الرسم والتصوير الثابت والمتحرك، وألوان فنون الغناء والموسيقا، وألوان فنون الرقص والأداء، علاوة على أساليب وفنون التأريخ والتوثيق والعلوم الاجتماعية: الأخلاقية والسلوكية، ما جعل ثقافة بادية الإمارات وحضارتها جديرة بأن تسمى بحضارة الشعر.
ومن إصدارات المؤلف الدكتور غسان الحسن كتاب جمع فيه وشرح ديوان الشاعر غانم راشد القصيلي، وهو شاعر إماراتي من غياثي في ليوا، ينتمي إلى جيل النهضة وإن كان مولوداً قبل قيام الدولة، فهو مهندس ومثقف ظهرت معالم تعليمه وثقافته في موضوعات أشعاره ولغتها، ما يجعله يمثل جيلاً من شعراء الإمارات الذين سعت أكاديمية الشعر إلى حفظ تراثهم الشعري خوفاً عليه من الضياع والاندثار، إلى جانب كونه يمثل بيئة البادية الإماراتية خير تمثيل.
أما كتاب شعر ومقناص الصادر عن أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، فيحاول أن يتحرّى جذور العلاقة ما بين رياضة القنص بالصقور لا عن طريق البحث في موروث اللغة الجميلة وسجل الفنون البلاغية وتاريخها، بل عن طريق البحث في العادات والأخلاق والتقاليد، وسفر الجماعات والأفراد، فبحسب المؤلف، ومنذ الجاهلية، حين استأنس الحارث بن معاوية بن ثور الكندي الصقر الأول وقنص معه، دخل القنص بوابة الحياة العربية والشعر تحديداً كأحد أكثر وجوه اللغة والبلاغة تعبيراً عن هذه الحياة، إذ يتحدث المؤلف عن قصائد كان العرب القدماء يسمونها الطرديات أبدعها الشعراء الذين يصطادون طرائدهم بالصقور والكلاب المدربة أو الفهود أحياناً، كما حدث في العصر العباسي.
ويربط الدكتور غسان الحسن بين العادة القديمة التي خلّدها الشعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، والكم الغني من الشعر المنظوم في مناسبات الصيد بالصقور على يد الصقارين المعاصرين يضيفون إليه صفحاتٍ بل فصولاً من الأشعار البديعة، التي حملت إلينا رائع الأحاسيس والمشاعر، وحملت لنا صوراً عامرةً بالحياة والحركة، مفعمة بالجمال الحي والممارسة الواقعية، وكانت قصائد متميزة لأنها لا تكون إلا من تجربة واقعية وممارسة حقيقية ومن معاناة أو فرح لامسا القلوب والمشاعر.
ويمكن القول بناءً على ما تقدّم إن الشعر النبطي أو الشعبي استطاع أن يقارب الحياة العربية المعاصرة كما فعل قديماً، بمعنى أن الشاعر العربي نبطياً شعبياً كان أم فصيحاً، استطاع أن يمتلك ناصية الفعل الاجتماعي لا القول الشعري فحسب، عبر مجاراته العادات الأقرب إلى نفوس العرب في بواديهم، فكان الشعر والقنص معاً، وكان الصيد بالصقور ميداناً لإبداع الشاعر العربي في الوصف والألفة، وهما مشروعان شعريان بامتياز في جاهلية العرب وباديتهم، الوصف كلعبة شعرية استفادت من الموروث العربي التقليدي، وتطورت من عصر إلى آخر، إلا أنها بقيت بالروح ذاتها، وبالتحفز ذاته في اصطياد المعنى الصورة الخاطفة كما في الصيد بالصقر الكاسر منقضاً على فريسته، أما الألفة فهي المعروفة عن العرب وبينهم، الألفة التي استبدلوا في خطابها اللغوي الدلالة البشرية بالحيوانية، فصار الجواد صديقاً والصقر رمح الصياد يرمي به العدو فيصيبه في المقتل.
يقول الدكتور الحسن في شعر ومقناص إن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يمثّل التجربة الخالدة في علاقة العربي بالصقر والمقناص، فقد وجدنا الشيخ زايد، حاضراً أمامنا بروحه ووعيه وإنجازاته في كل وجهة ذهبنا إليها... مما أودعه، رحمه الله، من ثقافة وما أرساه من تقاليد في أوساط الصقارين ونفوسهم، حتى باتت هواية القنص ممارسة حضارية ، أي هي بمعنى آخر ممارسة ثقافية بامتياز، مارسها الإماراتيون قديماً وحديثاً، إذ يستشهد الدكتور الحسن بأبيات للشاعر راشد بن سالم بن مسلم المنصوري، يقول فيها:
لي افهقوا كل الرمال
صار للقانص مجال
واقنصوا صيد البراري
العيال الرامسين
وجاهم الوسمي بكور
واقنصوا اهل الطيور
والدبش صدر ولا اثنى
واصبحوا له شادّين
وانزلوا بين الهيال
وارغدوا كل الحلال
وصار للقنيص صيد
من يسار ومن يمين
واللحم لي ياكلونه
لحم صيدٍ يقنصونه
من ظبي والا حباره
أو ولد بكرٍ سمين.
ويمكننا أن نلاحظ أن هذا النص الشعري الذي يحكي باسم الذاكرة الشعبية وثقافتها الشفاهية، يميل إلى القوافي المثلثة ليعود بعدها إلى القفل كما لو أنه ينظم الموشح أو السريع، لأنه في سباق مع الوقت أو مع الطريدة أو مع الصقر المقناص في رغبته في الصيد، وجوعه إلى الفريسة. فالقوافي التي تسكن في الهيال والحلال تنقطع بمفردة صيد وتقف عندها لتشكل المفردة الموضوع في القصيدة الشعبية التي تعبّر عن أنفاس عاطفة وجوى وجدان لدى شاعر هزه الوصف حتى أسكره، وغلبه التعب في اللحاق بالمعنى الصورة حتى تقطّعت أنفاسه. والمفردات التي استعملها الشاعر تعبّر تماماً عن بيئة شعبية في الثقافة والشعر، إذ إنها تقارب الأغاني لا الإنشاد الشعري، بأوزانها القصيرة السريعة، وترنّحها في قوله على سبيل المثال من يسار ومن يمين، بينما عند شاعر آخر في الكتاب شعر ومقناص، هو الشاعر محمد سلطان الدرمكي مخاطباً المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، مبدياً أسفه على أن فاتته رحلة الصيد، نرى الشعر صنعة متقنة السبك، قوية المفردة، منتظمة القافية، وفي ذلك دلالة على تلازم مسار تطور الشعر الشعبي في الذاكرة الجمعية للقوم، مع تطور عادات الصيد، وكأننا بذلك نشهد نهضة عباسية للشعر النبطي الشعبي، كما حدث للشعر الفصيح في بدايات الدولة العباسية، وكأن الدول وقادتها، هم الذي يحركون الراكد في الوعي الشعبي الشعري ليقول، والقول كما قال الشاعر محمد الدرمكي:
قمت أسيع الونّه بعبراتْ
شروى حمام الراعبيّه
قفّوا ولا عادوا لي الفاتْ
يا ناس يا هذي قضيّه
فيداعة الله وين لِمبات
في سيوح واشعاب عذيّه.
وأي سجلٍ خالد للهواية والعادات واللغة المروية أبلغ من الشعر الشعبي الناطق بعيون مفردات الشعر والفصاحة لدى شيخ كبير وزعيم ورجل دولة، هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في رده على الشاعر بقوله:
لا تسيع الونّه بعبراتْ
ولا تكون في فكرة قويّة
يا بوجسيم الوقت ما فات
بنسير بك سيرة هنيّة
غيّه وفيها من الشراغات
طيور سرعاتٍ وحيّة.
وفي ذلك مثال على هذه العلاقة الوطيدة التي قامت بين اللغة والعادة، والكلمة والغناء، والنغم والحداء، في حياة شعب الإمارات، ليصير بإمكان كتاب مثل كتاب شعر ومقناص أن يحتفي بحياة حافلة بالذكريات التي تروى بأبيات من الشعر، وفي ذلك قليل من كثير الموروث الذي لا يكتبه مؤلف الآن، إلا أن باحثاً لن يكتمه غداً. وها هو يجمع فرائد ديوان شعر المقناص، ويحكي سيرة الصقارة كتراث إماراتي وحضارة عريقة، وينقل عن الشعراء قصائدهم في وصف الطير، والحوار بين القناصين الشعراء وهم كثيرون، ووصف رحلات القنص والصيد، ووصف حزن صاحب الطير على موت طيره، مستعرضاً القيمة الرمزية للصقر في تاريخ العرب قديماً وحديثاً، ناقلاً عنهم درر الشعر ورائع القصيد، قارئاً في آثارهم المنظومة في هذه الهواية المحببة إلى قلوبهم، من رثاء ودعاء ووصف وثناء ومديح، بصفات الطير وخصائصه الفريدة، لتليق بالقصيدة كما ينبغي لها أن تكون لتعبّر عن ذاكرة أهل الإمارات في الحب والحرب.
فن التغرودة
فن التغرودة الذي بدأ يتوارى شيئاً فشيئاً من التراث الشعبي الإماراتي، وهو فن شعري غنائي عريق معروف في بوادي الإمارات وما يجاورها من الديار العمانية، وتدور معظم قصائده القديمة حول موضوعات الحماسة والتحدي والصراعات، والتغرودة فن رجولي كان أهل الإمارات يؤدونه من على ظهور المطايا والخيول، وتمتاز قصائد التغرودة بأنها قصيرة وذات موضوع واحد، وتقوم على وزن الرجز والبيت فيها شطر منه، ولجميع أبيات القصيدة قافية موحدة، وهو ما يكشف عن أصالتها وجذورها الممتدة إلى الأراجيز العربية القائمة على وزن مشطور الرجز، والتي عرفت عبر العصور العربية منذ الجاهلية،
تعريف الكتاب
صدر عن أكاديمية الشعر في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاب شعر ومقناص من تأليف وإعداد د.غسان الحسن، وذلك بمناسبة مشاركة الأكاديمية في فعاليات المعرض الدولي للصيد والفروسية.
وجاء في تقديم الكتاب أنه على الرغم من أن هواية القنص تقوم على صراع بين قاتل ومقتول بين الصقر وطرائده، إلا أن هذه الهواية بدت لنا في أشعار الصقارين العرب ممارسة إنسانية راقية، فقد استطاعوا أن ينزعوا صفات الوحشية والقسوة عنها، وأن يستبدلوا بها ملامح المحبة والجمال والفعل الحضاري، وذلك بما أضفوه على هذه الممارسة من روابط إنسانية بين أطرافها، ومشاعر رقيقة وحس مرهف، كان للشعر أبلغ الأثر في صياغتها وتسويغها وإيصالها لنفوسنا عبر قلوبنا.