تحقيق: وحيد إبراهيم
على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم ومجلس أبوظبي للتعليم والمتمثلة في رفع رواتب المعلمين لتحفيز الخريجين المواطنين، خاصة من الذكور، للالتحاق بسلك التدريس، مازالت أعداد المعلمين المواطنين الذكور في مدارسنا لا تزيد على 9% من إجمالي المعلمين في الدولة، وهذه النسبة دفعت العديد من المؤسسات إلى دعوة الحكومة لتبني استراتيجية فاعلة لتشجيع المواطنين الذكور على الانخراط في مهنة التدريس وتحمل مسؤولياتهم في بناء الأجيال وإعدادهم للمستقبل، باعتبار أن المعلم المواطن الأجدر لتحقيق هذا الهدف والأكثر معرفة بالطلبة المواطنين .
كانت آخر تلك الدعوات مطالبة المجلس الوطني الاتحادي في جلسة سابقة الحكومة، ممثلة في وزارة التربية والتعليم، بإعادة النظر في الآليات والخطط التي تتبعها بشأن استقطاب الكوادر الوطنية ورفع نسبة التوطين، على أن يتم تضمين هذه الآليات في خطط مرحلية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وبإعادة النظر والدراسة للكادر المالي للمعلمين، والعمل على أن يتضمن هذا الكادر حوافز مالية ومعنوية متميزة تعادل الحوافز في هيئات ومؤسسات الدولة الأخرى، إضافة إلى حوافز تشجيعية إضافية للمعلمين المتميزين، وبدراسة منح المعلمة التقاعد المبكر خاصة للأمهات اللواتي لديهن أطفال تحت سن العاشرة .
كما طالب المجلس في توصياته التي تبناها خلال مناقشة موضوع "سياسة وزارة التربية والتعليم في شأن المعلمين"، بإعادة النظر والدراسة لآليات وخطط وزارة التربية والتعليم بشأن استقطاب الكوادر الوطنية ورفع نسبة التوطين على أن يتم تضمين هذه الآليات في خطط مرحلية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى .

جهود ملحوظة

وأكد المهندس حسين الحمادي وزير التربية والتعليم، حرص الوزارة على السعي إلى خلق قاعدة وطنية من المعلمين يتم الاعتماد عليهم، قائلاً إن الدولة تملك استراتيجية لاستقطاب المعلمين المواطنين، وإتاحة الفرصة لهم للترقي في الوظائف، مشيراً إلى أن الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أن نسبة التوطين على صعيد مديري المدارس وصلت إلى 100%، وعلى صعيد الهيئات التعليمية وصلت إلى 60% على مستوى كافة المعلمين والمعلمات بالميدان التربوي، حيث بلغت نسبة المعلمات المواطنات نحو 80%، فيما بلغت نسبة المعلمين المواطنين الذكور 9% فقط .
وكشف عن وجود إشكالية كبيرة يعانيها العالم أجمع، وليس دولة الإمارات فحسب، تتعلق بالانخفاض الكبير في نسبة المعلمين المؤهلين للتدريس في الحلقتين الثانية والثالثة مقارنة بالحلقة الأولى، لافتاً إلى صعوبة إيجاد مواطنين مؤهلين للتدريس في هذه المراحل التعليمية، وأيضاً عند البحث عن كفاءات خارجية من مختلف دول العالم للتدريس أيضاً في هذه المراحل .
وأضاف: سنسعى لحل هذه الإشكالية عن طريق التعاون مع جامعاتنا الوطنية لإطلاق برامج دراسية لإعداد وتأهيل معلمين بهذه المراحل التعليمية، مشيراً إلى أن جامعة الإمارات ستطرح العام المقبل برنامجاً دراسياً لإعداد معلمين للحلقتين الثانية والثالثة، والتباحث مع جامعة خليفة لطرح تخصصات للفيزياء والرياضيات لسوق العمل .
ويرى المهندس عبدالرحمن الحمادي، وكيل وزارة التربية والتعليم المساعد للخدمات المساندة، أن الوزارة مقبلة على مرحلة جديدة تسعى من خلالها لاستقطاب أعلى الكفاءات من المعلمين مع التركيز على العنصر المواطن الذي يستطيع مواكبة رؤية واستراتيجية الوزارة لتلك المرحلة .
ويضيف: "إذا كنا نريد طلاباً مبتكرين ومفكرين لديهم القدرات والمهارات على مواكبة عصر التحدي المتمثل في اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا الهائلة التي طالت كل شيء، وننتظر مفاجآتها بين الحين والآخر، فلابد من توفير معلم على المستوى نفسه، فالطالب الآن يمتلك في بيته كل الأجهزة التقنية الحديثة التي توفر له مئات المعلومات على اختلاف أنواعها ومصادرها، لذا فإن هذا الطالب يحتاج بدوره إلى معلم كفؤ ذي مواصفات معينة، بحيث يستطيع أن يتعامل مع طالب بهذه النوعية ويمد له يد العون والمساعدة، وإذا أردنا أن نستقطب معلمين أكفاء وتشجيع الجيل الجديد من الخريجين على الالتحاق بالتدريس، فلا بد أن نضع لهم الحوافز المشجعة والتدرج الوظيفي الذي يشجعهم على الترقي، شأنهم في ذلك شأن أقرانهم الموظفين في المؤسسات الأخرى، لذا يجب أن نكون صريحين ونضع كل هذه الأمور على الطاولة من أجل الوصول إلى حلول جذرية" .
ويقول الحمادي: "مع وجود نسبة ال 9% التي يشغلها المعلمون الذكور في مدارسنا اسأل أي معلم عما إذا كان يرغب في التدريس بالحلقة الثالثة، فالواقع يقول إن هناك فارقاً في تدريس الحلقات وأكثرها بالتأكيد هي الحلقة الثالثة، فهل ميزنا معلم هذه الحلقة لنشجعه للانتقال إليها أو لكي نجعل من تدريس تلك الحلقة مطمحاً للمعلمين، لم نفعل ذلك، وبالتالي فالمطلوب هو إعادة النظر في هذه الأمور لنوفر تدرجاً في المزايا يحفز المعلم على السعي إلى الترقي، أما الكلام المنمق فلن يؤتي الهدف المطلوب"، مؤكدا أن حل هذه المشكلة في مقدورنا وليس بالمستحيل .
وتطرق إلى المعلم الوافد قائلاً: حتى نتوصل إلى تحقيق النسبة المطلوبة في توطين وظائف المعلمين الذكور، يجب علينا أن نركز في اختيار المعلم القادر على استيعاب رؤية الدولة في إعداد أجيال المستقبل، وذلك من خلال اختيار معلم ذي خبرات تجمع ما هو حديث من معارف ومعلومات، ويمتلك مهارات التعامل مع التقنيات الحديثة، وذلك كله من خلال برامج التدريب التي تلقاها قبل أن يعمل في مدارسنا، لأننا لسنا في حاجة إلى معلم يحتاج إلى إعادة تأهيل أو إعداد من جديد .

مكانة المعلم

ويؤكد الدكتور محمد يوسف بني ياس المستشار بوزارة التعليم العالي، الذي كان يشغل مدير عام كلية الإمارات للتطوير التربوي المتخصصة في إعداد المعلمين، أن على وزارة التربية والتعليم أن تستعين بمعلمين من غير خريجي كلية التربية لسد النقص في أعداد المعلمين الذكور، كأن تستقطب خريجي كليات الهندسة والعلوم في تدريس الرياضيات والمواد العلمية الأخرى، وكذلك هناك المتخصصون في تكنولوجيا المعلومات، ومن يمكنه العمل في الإرشاد الطلابي، وغيرها من التخصصات، وهؤلاء ببعض من التدريب فيما يتعلق بطرق التدريس والمواقف الصفية سنجد منهم فوائد كبيرة من الممكن أن تفوق الفائدة من المعلم المتخصص، فمنهم من يحب مهنة التدريس ويتمنى فتح المجال لهم للعمل بالتدريس لينقل خبراتهم العملية للطلبة، وليست المعلومات فقط، ومن الممكن الاستعانة بالمتقاعدين في هذا المجال بعد تدريبهم لمدة 6 أشهر بحد أقصى على سبيل المثال وليس أكثر، فمثل هذا التنوع من المعلمين سيلبي احتياجاتنا .
ويدعو إلى وضع كادر للمعلمين يناسب عطاءهم أسوة بالوظائف الأخرى، بحيث يراعي هذا الكادر الترقي والترفيع واكتساب المزايا التي تحفزه على الانخراط في سلك التدريس والعطاء في هذا القطاع .
ويرى بني ياس أن المجتمع مطالب بإبراز أهمية وظيفة المدرس لدى النشء الصغير، بحيث نغرس في نفس الطفل الذي التحق بالتدريس أن وظيفة المعلم أعلى وظيفة على الإطلاق، فهو الذي يعلم الجميع فيتخرج من تحت يديه الطبيب والمهندس والعالم والمفكر وغيرها من الوظائف الأخرى، فهذا من شأنه أن يحفز هذا الصغير، وأن يضع أمامه هدفاً في أن يكون في المستقبل هذا المعلم الذي يحظى بالمكانة المميزة والمرموقة في مجتمعه .

دور الكليات

ويرى عارف الحمادي، مدير جامعة خليفه للعلوم والتكنولوجيا والبحوث، أن علينا التركيز في كليات التربية على توفير تخصصات تحتاج إليها مدراسنا كالرياضيات والعلوم وغيرها، وكذلك الكليات الأخرى التي تخرج مهندسين وغيرهم بأن نضيف على الطلبة في تلك الكليات دروساً في طرق التدريس من أجل الاستعانة بهم كمعلمين بالحلقتين الثانية والثالثة، مؤكداً أهمية الإرشاد الطلابي في المدارس لتوجيه الطلبة نحو الالتحاق بمهنة التدريس .
ويقول: "الآن وبعد تعديل سلم الرواتب والامتيازات التي أضيفت مؤخراً على رواتب المعلمين، هناك فرصة لاستقطاب المواطنين للعمل في هذا القطاع، صحيح أن البعض ينظرون إلى راتب وامتيازات المعلم على أنها قليلة قياساً بوظائف في مؤسسات أخرى، لكن من يلتحق بسلك التدريس تكون لديه رغبة نابعة من تقديره لتلك المهنة ومحب لها، فليس المقابل المادي هو كل شيء بالنسبة للبعض، خاصة من لديهم شغف بمهنة التدريس" .
ويرى الحمادي أن قطاع التعليم ليس وحده الذي يعاني نقصاً في أعداد المواطنين، فهناك العديد من التخصصات الأخرى التي تحتاج إلى كوادر وطنية متخصصة في الطب والهندسة والمحاسبة وغيرها، والدولة تسعى إلى توفير هذه التخصصات، وهذا أمر طبيعي .

الابتعاث أحد حلول المشكلة

وتقول فاطمة الزعابي، الوكيلة المساعدة لشؤون التعليم العالي والبحث العلمي وإدارة البعثات والعلاقات الخارجية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إن المشروع الذي تتبناه الوزارة والذي يقوم على اختيار طلبة متميزين من خريجي الثانوية العامة وابتعاثهم لدراسة التخصصات التربوية، سيكون له أثره الملحوظ في حل مشكلة نقص المعلمين المواطنين في مدارسنا وزيادة أعدادهم في التخصصات المطلوبة كافة، كما سيعطي الفرصة للطلبة المبتعثين للاطلاع على برامج وأساليب التعليم والتدريس الحديثة، بما يعزز مسيرتنا التعليمية .

استرجاع قيمة ومكانة المعلم

يوضح الدكتور عبداللطيف الشامسي أنه لمعالجة تلك المشكلة، يجب أن نبدأ من الآن باسترجاع قيمة ومكانة المعلم في المجتمع، وهو ما لم نفعله حتى الآن وتأخرنا كثيراً فيه، فإبراز قيمة مهنة التدريس ومكانة المعلم في المجتمع يسهم بدرجة كبيرة في انجذاب الخريجين إليها، مثلما أبرزنا مكانة الطبيب والمهندس وغيرها من التخصصات الأخرى .
ويضيف: "يجب ألا يبقى تخريج المعلمين حكراً على كليات التربية، فهناك كوادر واعدة في كليات أخرى، وتخصصات غير تربوية يمكن الاستعانة بهم إذا ما تم تدريبهم على طرق التدريس وإعداد المناهج والمواقف الصفية، فإذا كان هناك عزوف عن كليات التربية، كما هو حادث الآن، يجب البحث في مصادر أخرى"، فليست كليات التربية هي الرافد الوحيد . ويرى الشامسي أن الراتب والامتيازات المادية مهمة، ولكنها ليست هي الأساس فهذه المهنة لها من يحبها وشغوف بها، ورغم ذلك الحكومة عالجت هذا الجانب، وحسنت سلم الرواتب ومازالت تعمل على هذا الجانب، فإذا كنت تبحث عن الراتب فهناك وظائف أخرى تشبع هذا الجانب والمؤسسات كثيرة، وهذا أمر طبيعي في كل مكان .

التحفيز المادي والمعنوي

يقول سيف المزروعي، وكيل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المساعد للخدمات المؤسسية والمساندة، إن تشجيع المواطنين للعمل بسلك التدريس، يتطلب تحفيزاً مادياً ومعنوياً مثله مثل أي مهنة أو وظيفة أخرى ذات امتيازات ومزايا تجذب الخريجين للعمل بها، غير أن مهنة التدريس تعتبر من أقدس المهن على الإطلاق، لأن العاملين بها يتحملون أمانة بناء الأجيال القادرة على المساهمة بدور فاعل في مسيرة النهضة والتقدم، التي تشهدها الدولة في ظل قيادتها الرشيدة .
ويؤكد حرص القيادة الرشيدة على دعم قطاع التعليم بالكوادر المواطنة ذات الكفاءة للعمل في سلك التدريس، وتولي مسؤولياتهم في هذا القطاع الحيوي والمهم، بما يزيد من أعداد المعلمين المواطنين في الميدان التربوي في كافة التخصصات . ويضيف أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تتبنى مشروعاً رائداً بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، لابتعاث 20 طالباً مواطناً سنوياً إلى الخارج لدراسة التخصصات التربوية في أرقى جامعات العالم، ليعودوا بعد تخرجهم معلمين أكفاء مدربين ومؤهلين للعمل في مدارس الدولة، ونقل مهاراتهم وما اكتسبوه من برامج وخطط تعليمية إلى الميدان، وذلك في إطار جهود التوطين التي تنفذها مؤسسات الدولة .