من المؤكد أنه من الصعب أن تصنع فيلما عن أشخاص ينتظرون الموت بين لحظة وأخرى، ومع ذلك فإن هذه التيمة شهدت تنويعات عدة تتراوح بين الجدية التي لا تخلو من الأبعاد السياسية في الفيلم الكندي الغزو الهمجي، أو الكوميديا الخفيفة في الفيلم الأمريكي الإجازة الأخيرة.
رغم تناقض مثل هاتين المعالجتين فإن كلا من الفيلمين حافظ على نوع من خفة الظل حتى يمكن للمتفرج تحمل مشاهدة مثل هذه التجربة القاسية، كما فعل فيلم قائمة الأمنيات الأخيرة الذي يحكي عن رجلين متقدمين في العمر اكتشفا إصابتهما بالسرطان وأنه لم يعد أمامهما إلا شهور قليلة قبل أن يركلا الدلو وهو تعبير أمريكي يعني وداع الحياة، ومن هنا جاء اسم الفيلم بالإنجليزية قائمة الدلو فلديهما قائمة بآخر الأمنيات التي يحلمان بها قبل أن يسلما نفسيهما للموت.
ومن المؤكد أيضا أنه لن تجد في هوليوود ثنائيا لامعا يجمع بين اثنين من الممثلين الرجال مثل جاك نيكلسون ومورجان فريمان، لكي يجسدا هذين البطلين في رحلتهما نحو تحقيق الأمنيات الأخيرة، فقد حمل كل منهما قناع النجومية الذي اشتهر به ليضفي على الشخصية التي يمثلها قدرا غير قليل من روحه، مما خلق نوعا طريفا من التناقض بين الشخصيتين الرئيسيتين: جاك نيكلسون في دور الثري الأبيض، الذي يملك كل شيء إلا العلاقات الإنسانية الحقيقية الدافئة، فهو يعيش وحيدا رغم زواجه أربع مرات، وهو بطرافة يطلق على زوجاته اللاحقات الزوجة بعد الأولى الأجزاء الثانية ورغم أن له ابنة وحيدة فإنها قاطعته بعد أن أبعد عنها بطريقته ونفوذه زوجها سيئ الطباع.. على الطرف الآخر فإن مورجان فريمان هو العامل اليدوي الزنجي، الذي اضطر للزواج مبكرا وتخلى عن أحلامه بأن يدرس التاريخ، وها هو الآن رب أسرة من زوجة وثلاثة أبناء وبعض الأحفاد، يحيطونه بحبهم لكنه في نفس الوقت يشعر بأنهم كانوا السبب في عدم تحقيقه أمنيات حياته، حتى أنه أصبح مدمنا لتحصيل المعلومات الجغرافية والتاريخية الطريفة، ومشاهدة البرامج التلفزيونية التي تجعل منها مسابقات جماهيرية.
قام السيناريو الذي كتبه جوستين زاكام بتأسيس هاتين الشخصيتين الرئيسيتين ووضع بعض النمر التي يتواجدان فيها، وترك الباقي للنجمين نيكلسون وفريمان فيما يمكن بعد سنوات أن تعتبره توثيقا لطريقتهما في التمثيل، حتى لو لم يكن إخراج روب راينر طموحا بما يكفي ليجعل من الفيلم عملا فنيا متماسكا، غير أنه لم يفوّت فرصة وجود فريمان لكي يجعله يقوم أيضا برواية الأحداث بصوته المميز العميق، على نحو ما صنع في فيلم الهروب من شجن شوشانك أو فيلم فتاة بمليون دولار غير أن المفارقة الساخرة هنا أن فريمان يقوم بدور شخص مات قبل نهاية الأحداث التي تراها على الشاشة، فكيف يمكن له أن يكون راوي الفيلم؟
في لمسات سريعة يقدم الفيلم للشخصين فريمان في دور الميكانيكي كارتر، ونيكلسون في دور إدوارد صاحب المستشفيات الاستثمارية الذي يصر على أن تكون الغرف ذات سريرين، وتلك بالطبع حيلة مصطنعة حتى يتقابل كل منهما في نفس المستشفى على سريرين متجاورين، الأول مصاب بسرطان الرئة، أما الثاني فيعاني من ورم في المخ، بالطبع فإن لقاءهما الأول سوف يتسم بالتنافر، غير أن رحلة العلاج المرهقة سوف تجمعهما، خاصة في معاناة الأعراض الجانبية للعلاج الكيميائي، وسوف تلاحظ أن شخصيات الفيلم الرئيسية تكاد تقتصر على هاتين الشخصيتين فيما عدا شخصيتين مساعدتين، الأولى هي توماس (شون هايز) مساعد المليونير إدوارد الذي يقوم بكل المهام التي يطلبها منه، أما الثانية فهي فيرجينيا (بيفرلي تود) زوجة كارتر لما يزيد على أربعين عاما والتي تكتشف أن زوجها المحتضر لا يريد كما كانت تتصور أن يقضي أيامه الأخيرة معها.
في لحظة تأمل يأخذ كارتر ورقة صفراء ليكتب عليها قائمة الدلو متذكرا سؤالا وجهه المدرس لتلاميذه عندما كان صبيا عن الأمنيات التي يود كل منهم تحقيقها إذا عرف بلحظة موته، لكنه سرعان ما يطوي ورقة الأمنيات ويرميها على الأرض وينام، يدفع الفضول إدوارد لكي يفتح هذه الورقة ليعرف محتواها، فإذ به أمام عدة أمنيات منها تقبيل أجمل امرأة في العالم، ومشاهدة أعظم المناظر بالإضافة إلى أمنيات أخرى تافهة يضحك إدوارد من سذاجتها لكنه يقترح على كارتر أن يذهبا معا في تلك الشهور القليلة المتبقية لهما لكي يصنعا ما لم تتح لهما الظروف القيام به أبدا، خاصة أن ادوارد يملك المال الكافي، وهكذا تبدأ رحلة طريفة من الهوايات والأماكن التي ساعد الكمبيوتر على تنفيذها بدءا من السباحة في الهواء، وسباق السيارات والذهاب إلى مشارق الأرض ومغاربها، وصيد الأسود في إفريقيا وصعود الهرم الأكبر، وزيارة هونج كونج ومحاولة تسلق جبال الهيمالايا، لولا أن الظروف الجوية لم تساعدهما.
وفي هذه الرحلة سوف يكتشف كارتر أن حبه الحقيقي هو زوجته، كما يخطط للتوفيق بين إدوارد وابنته ايميلي، وإذا كان إدوارد يرفض هذه المصالحة فإن فيرجينيا سوف تشكره لأنه أخذ منها رجلا غريبا وأعاد إليها زوجها المحب الحنون وهي تقصد كارتر الذي عاد إلى أحضان الأسرة.. لكن الفيلم سوف ينتهي بالبطلين الواحد بعد الآخر نهاية مغرقة في العاطفية بعد أن أشبعك معهما ضحكا، وبالفعل سوف تتحقق الأمنيات: تقبيل أجمل امرأة في العالم، ومشاهدة أعظم المناظر على نحو لا يمكن لك أن تتوقعه أبدا.. قد تجد في مشاهد الفيلم بعض جمل الحوار بين الرجلين في مناطق تبدو جادة، لكن الفيلم يمر عليها سريعا من دون أن يجعلك تفكر فيما يقولانه بشكل أكثر عمقا، كما أن الفيلم يتحاشى تماما أي تصوير واقعي لمعاناة مرضى في هذه المرحلة المتأخرة من المرض، مما جعل العديد من النقاد الأمريكيين يأخذون عليه تناول هذا الأمر بخفة، لكنك إذا تذكرت فيلما جادا مثل الغزو الهمجي فإنه برغم عمقه الوجودي والسياسي اصطنع حيلة درامية لكي يبتعد عن منطقة الألم، عندما عاش البطل في أيامه الأخيرة على المخدر، حتى إن رحلة احتضاره تحولت إلى اختفاء كامل بحياته ووداع رقيق لها، فالمتفرج على أية حال لا يذهب إلى السينما لكي يشاهد فيلما تسجيليا عن مراحل فقدان الحياة وهذا ما فعله فيلم قائمة الأمنيات الأخيرة الذي اكتفى بأن يمزج الضحكات بالدموع.