لا أحد يجزم على وجه اليقين ما إذا كان "قصر قارون" الواقع جنوبي مدينة الفيوم، وسط مصر، يعود إلى قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض كما ذكر في القرآن الكريم في روايته عن نبي الله موسى، أم أنه قصر يعود إلى العصر البطلمي، وربطت روايات الأهالي بينه وبين قارون من دون أدلة أو توثيق .
لكن المؤكد أن القصر بات يجتذب مئات الزوار سنوياً، ويتحول إلى وجهة مهمة تحديداً يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، حيث يشهد ظاهرة تعامد الشمس على "قدس الأقداس" بداخله، وهي الظاهرة التي انتبهت إليها وزارة السياحة بمصر مؤخراً، فبدأت العام الماضي في تنظيم احتفال سنوي بهذه المناسبة في مسعى لجذب الاهتمام السياحي للفيوم، على طريقة الاحتفال الأشهر بتعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني بمعبد أبوسمبل أقصى جنوبي البلاد .
واحتفلت الفيوم العام الماضي للمرة الأولى بتعامد الشمس على "قدس الأقداس" بمعبد قصر قارون بالفيوم، وهو الموعد الذي يوافق بدء فصل الشتاء .
رصدت لجنة مشكلة من محافظة الفيوم ومنطقة الآثار بالمحافظة الظاهرة وسجلتها، وذلك لتأكيد صحة ما نشره أحد الباحثين مؤخراً عن تعامد الشمس على "قدس الأقداس" في هذا الوقت من كل عام، وراقبت اللجنة الظاهرة، ورغم أن الجو كان ملبداً بالغيوم، إلا أن اللجنة تأكدت من تعامد الشمس على "قدس الأقداس" وتمت العملية بشكل واضح وجلي في السابعة إلا خمس دقائق بعد شروق الشمس .
وكان الدكتور مجدي فكري، الأستاذ بكليات السياحة والفنادق، وعدد آخر من الباحثين قد نشروا أبحاثاً في إحدى المجلات العلمية عن الظاهرة في المعبد في هذا التاريخ من كل عام، وهو الموعد الذي يوافق الانتقال الشتوي .
وتأكدت اللجنة من تعامد الشمس على المقصورة الرئيسية واليمنى في "قدس الأقداس"، لكنها لم تتعامد على المقصورة اليسرى، وهو ما أكده البحث أن هذه المقصورة كان بها مومياء التمساح رمز الإله (سوبك) إله الفيوم في العصور الفرعونية، والذي لا يمكن أن يتم تعريضه للشمس حتى لا تتعرض المومياء للأذى، وأن هذه المومياء من المفترض أن تكون في العالم الآخر .
قصر قارون يقع في الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة قارون بمحافظة الفيوم، ويبعد عن المدينة 50 كم، ومن الحكايات الشائعة عنه أنه هو نفسه قصر قارون الذي ذكر اسمه في القرآن وخسف الله به وبقصره وماله الأرض، ويتداول سكان الفيوم العديد من القصص منها أن الجزء الظاهر من هذا القصر هو جزء بسيط، وأن معظم القصر مدفون تحت الأرض، وأن هناك نفقاً يصل بين القصر والإسكندرية، وأن من يدخل هذا القصر لا يخرج منه وأن الوحيد الذي خرج أصابه جنون مما رأى تحت الأرض .
وكان القصر يتكون من 3 طوابق و336 غرفة، لكن لم يبق منها شيء إلا الأطلال، فباب القصر الحالي ليس هو الباب الأصلي، وإنما الباب الأصلي كان من الغرانيت، والمكان الذي يدخل فيه مفتاح القصر كان عبارة عن دائرة قطرها حوالي 5 سم، وكان من الغرانيت أيضاً ويحمله عدد من الناس الأقوياء .
أول ما يراه الزائر داخل القصر كرسي العرش، وأسفل كرسي العرش حفرة كبيرة مخيفة جدا ومظلمة، وتمتد للأسفل بعمق 3 أدوار، ويردد السكان أن بها جثة قارون وأمواله كلها، وهو مكان الخسف . ثم يجد الزائر المكان الذي كان يجلس به قارون مزهواً بنفسه، والكرسي كان من الذهب، وجميع ملابسه مذهبة، حيث إنه طلب من سيدنا موسى عليه السلام أن يدعو الله له أن يرزقه مالاً كثيراً . . فرزقه الله علماً فريداً وهو علم الكيمياء استطاع به تحويل التراب إلى ذهب، وعندما قال سيدنا له موسى بأن هذا المال من عند الله فقال له قارون "إنما أوتيته على علم عندي" .
على جانبي الكرسي كان الخسف، وكانت الحفرة كبيرة للغاية ولكن تم ترميم جزء منها، ووجدوا فيها مستندات من ورق البردي مكتوباً عليها حسابات وأرقام وتم نقلها للمتحف المصري في القاهرة .
عند الصعود للطابق الثاني سنجد الغرفة التي بها الخزانة، وهي 3 خزائن كان بها الذهب، وهي فارغة الآن، وفي الطابق الثالث مكان العبادة، حيث كان يعبد إلهان مرسومان على الجدار، وهذا الطابق أكثر الطوابق تضرراً، فهناك تهدم شديد في سقفه، حتى إنك تشاهد الفيوم من أعلى القصر بسهولة .
والقصر مبني بنفس طريقة بناء الأهرامات أي من دون أسمنت ولا أي مادة للبناء تربط بين الأحجار، فقط أحجار بجانب بعضها لكنها ملتصقة جداً، وذلك عن طريق تفريغ الهواء كما كان يفعل الفراعنة في كل مبانيهم، لذا فهي مازالت موجودة حتى الآن . وكان كل شيء في القصر من الذهب، كما وجدوا في حجرته الواسعة مستندات من ورق البردى مكتوباً عليها حسابات وأرقام وتم نقلها للمتحف المصري في القاهرة، فهل هذه الحسابات هي معادلات كان يستخدمها قارون في تحويل التراب إلى ذهب؟!
"خرافات" لا أساس لها
مدير عام آثار الفيوم أحمد عبد العال اعتبر كل ذلك مجرد "خرافات"، وقال إن هذا القصر عبارة عن موقع أثري به معبد من أواخر العصر البطلمي، وتحيط به بقايا المدينة القديمة دينيسيوس، التي تقع قريباً من الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة قارون، وقد تأسست هذه المدينة في القرن الثالث ق .م، وازدهرت في العصر الروماني، وكانت منطقة حدود تخرج منها القوافل إلى الواحات البحرية، وهذه المنطقة ظلت بلا حفر حتى زارتها بعثة فرنسية سويسرية عام 1984 .
وأجرت البعثة حفائرها التي أسفرت عن كشف حمام روماني وعدة منازل بعضها مزين بصور جدارية متميزة بزخارف لها علاقة بعبادة الشمس، كما عثرت البعثة على كثير من الأدوات المنزلية والأواني الفخارية، وقوالب تراكوتا عدة، خاصة بالعملة، وكشفت عن بقايا قلعة رومانية ضخمة بناها دوق لاتيان، لصد أي غزو قادم من الجنوب، وشيدت من الطوب الأحمر وبعناية فائقة ومحاطة بسور له باب من الحجر الجيري، وبها تسعة أبراج .
وأهم أثر بالمنطقة هو المعبد الذي كرس لعبادة الإله سوبك، ويتكون من صالتين كبيرتين تقودان إلى قدس الأقداس الذي يتكون من ثلاث مقاصير، الوسطى منها للمركب المقدس، والأخريين لوضع تماثيل الإله، ويوجد تحت قدس الأقداس ممرات والمدخل الذي يؤدي إلى حجرة الوحي، ويمكن الصعود إلى الطابق العلوي .
أما تسميته بقصر قارون، فيرى أحمد عبد العال أنها تعود إلى أنه قديماً كان يطلق على الجزء اليابس من البحيرة قرن، ولتعدد الأجزاء اليابسة في البحيرة سميت بحيرة (قرون) وقصر (قرون)، ثم تحرف الاسم وأصبح بحيرة وقصر (قارون) .