قد يمر المرء منا مرورًا بغير تدبر على قوله تعالى في كتابه العزيز: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، ولكنه لو أمعن النظر، فسيدرك أن كل قول محسوب عليه، وأن كل كلمة ينطق بها هناك من يسجلها عليه: (وإن عليكم لحافظين. كرامًا كاتبين)، وأن النجاة في الصمت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه الترمذي بسنده عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صمت نجا).
وقد كان صلى الله عليه وسلم كما تصفه الروايات الصحيحة: (طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الشعر والشيء من أمورهم، فيضحكون ويتبسم)، وكان صحابته رضوان الله عليهم يسألونه فرادى عن الخير الذي لا يسألون عنه أحدًا بعده، فيوصيهم صلى الله عليه وسلم، وكما ورد في روايات عدة، بحفظ اللسان.
الصمت أولى
وقد نبهنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى خطر الكلمة الواحدة على العبد، ترفعه واحدة وتخفضه أخرى، بل قد تهوي به في جهنم سبعين خريفًا، ونقرأ في كتب السنن الكثير من المرويات والأحاديث التي تحذر المسلم من خطر اللسان عليه، وقد صنف الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا رحمه الله مؤلفًا تحت عنوان: (كتاب الصمت، وأدب اللسان)، وخصص الإمام أبو حامد الغزالي بابًا تحت عنوان: (آفات اللسان)، وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتابه الشهير إحياء علوم الدين وعد عشرين آفة من آفات اللسان، كلها من المهلكات التي تودي بصاحبها إلى التهلكة، فإذا قرأتها جميعًا، ونظرت في عملك وعمل الناس من حولك، فسوف يكون لزامًا عليك أن تؤثر الصمت التام، وقد جرت ألسن الناس بما يوردهم المهالك، وما من عاقل يقف على حقيقة ما يجره اللسان على صاحبه من مهالك إلا وآثر الصمت، وزهد في الكلام، وقرر غلق فمه على لسانه، خوف أن يقع في محظور قد يودي به أو يهلكه.
والعاقل من يغلق فمه على لسانه، ولا يطلقه إلا في خير، فيريح نفسه، ويريح الكتاب، وفي موطأ الإمام مالك أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول: (ألا تريحون الكتاب)، تقصد الكرام الكاتبين، الذين يكتبون كل ما يتكلم به المرء من خير أو شر، فإما له وإما عليه، ويوم القيامة ينكشف الحساب، وتفرد صفحات الكتاب، وفيها كل ما قال، وكل ما فعل، والمفارقة المحزنة أن لسانه سيكون هو أول الشاهدين عليه: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون).
الكلمة مسؤولية
كل كلام العبد مكتوب ومسجل عليه، ومن كلام العبيد كلمات ترفع درجاتهم، ومن كلامهم ما يلقي بهم في نار جهنم، كلمة ترفع، وكلمة تخفض، وكما ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، من رضوان الله تعالى، ما يلقي لها بالاً، يرفع الله تعالى بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة، من سخط الله تعالى، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم).
بل إن كلام ابن آدم كله عليه إلا ثلاث، بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كل كلام ابن آدم عليه، لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله)، كأن اللسان لم يخلق إلا لهذه الثلاث: ذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغيرها محسوب عليه، محاسب لأجله، وهو كثير، بل هو أكثر أسباب دخول الناس النار، وقد روى الترمذي عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟، قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟، فقال صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، إلا حصائد ألسنتهم؟).
وفي رواية أخرى قال معاذ: يا رسول الله أكل ما نتكلم به، يكتب علينا؟، قال صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك، أو عليك).
بوابتا الدخول الى النار
أخوف ما يخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم هو لسانه، وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن منك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)، ويروي أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: (الفم والفرج). الفم والفرج هما بوابتا الدخول إلى النار، وأكثر الداخلين إليها يعبرون عبر هاتين البوابتين، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وقاه الله تعالى شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة)، وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة)، وفي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة)، وفي رواية للطبراني عن عبدالله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أحدثك بثنتين من فعلهما دخل الجنة؟، قلت: بلى يا رسول الله، قال: يحفظ الرجل ما بين فقميه، وما بين رجليه).
وأخرج الترمذي وابن ماجة وغيرهما من حديث عبدالله بن سفيان عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، قال: قلت: فما أتقي؟، فأومأ بيده إلى لسانه، وفي رواية للنسائي قال: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربي الله ثم استقم)، قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: (هذا).
السلامة في الصمت، والنجاة كل النجاة في أن يمسك المسلم لسانه عن الكلام فلا يؤثم به نفسه، ولا يؤذي به غيره، وقد أخرج الترمذي بسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه أن عقبة بن عامر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما النجاة؟، فقال صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
لا نجاة إذن إلا بالصمت، فهو ينجيك من لسانك، ومن فلتاته، ومن سقطاته، ومن هفواته، التي قد لا تحسب لها حسابًا فإذا هي وبال على قائلها، والصمت فضلا عن كونه منجاة، فهو حكمة بليغة، وقد روي عن أنس بسند صحيح: (أن لقمان كان عند داود وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب، ويريد أن يسأله، فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها ضمها على نفسه، وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: إن الصمت من الحكم، وقليل فاعله، كنت أريد أن أسألك، فسكت حتى كفيتني).
استقامة القلب
هي ليست دعوة للصمت قدر كونها دعوة إلى التحسب من الكلام، واقرأ إن شئت في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت). سيكثر المسلم من الصمت لو تذكر أن كل قول محسوب له أو محسوب عليه، وسيمتنع عن كثير من الكلام لو تذكر أن كل كلمة مرصودة في سجل أعماله، وأن المؤمن الحق يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون.
واستقامة القلب واللسان متلازمان، فلا استقامة للقلب إلا إذا استقام اللسان، وفي صحيح الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)، وفي الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي).
وحدث مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه فقال له عمر: مه غفر الله لك. فقال أبو بكر (إن هذا أوردني الموارد)، وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يقول: (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به)، وقد ثبت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال: يا لسان قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثر خطايا ابن آدم من لسانه).