بيروت - سهيلة ناصر:
علاقته مع البحر تحمل مغامرات مثيرة وخطرة . يرويها "بطلها" إبراهيم نجم، بكل أفراحها وما أخذته من حبس لحرية الشاب الذي أبى إلا مواصلة مغامراته وهو على "عكازين"، هادفاً إلى تحقيق الحلم الأكبر بإنشاء متحف كبير يضم ما يزيد على 35 ألف قطعة قديمة ونادرة من أعماق البحار وأخرى مقتنيات أثرية جمعها على مر عقود من السنين .
من صيد السمك الذي أمتهنه الجد والأب، تعلّق ابن "عين المريسة" بالبحر، باكراً جداً، يقول نجم "كنت في العاشرة من عمري عندما بدأت بتجميع مقتنيات بحرية من أصداف وغيرها من الصيادين" .
أراد الغطس بشهادة اختصاص فنالها من الجامعة الأمريكية في بيروت عام .1974 ويوضح "لطالما رغبت منذ الصغر استكشاف قاع البحار وكنوزها الخفية وحطام السفن القديمة" . يتابع "مع الغطس أمارس أروع لحظات العمر باستكشاف فضاء مائي وحياة مملوءة بالغرائب والعجائب" .
يتحدث نجم بكثير من الحماس عن رحلاته تحت الأعماق و"غنائم" كل رحلة غطس . من سفينة "سوفلور" التابعة لحكومة "فيشي" الفرنسية المتعاملة مع ألمانيا النازية التي أغرقها البريطانيون عام ،1941 يقول: "نزلت إلى عمق 40 متراً وعدت بمقتنيات ثمينة وقديمة مثل قطعة معدنية تحمل اسم السفينة، أعلقها اليوم فوق متحفي الخاص، والساعات والأقفال والنحاسيات والبنادق والنواظير"، إلى السفينة الفرنسية "شامبليون" التي غرقت قبالة السواحل اللبنانية على بعد 5 كم من الشاطئ في عام ،1952 وسفينة "عون الله" العثمانية التي غرقت أوائل القرن الماضي قبالة شاطئ عين المريسة وهي تزخر بالأموال التابعة للبنك العثماني" . في 10 سبتمبر/أيلول ،1981 شرع بصفته "منقذاً بحرياً" في فوج إطفاء بيروت في إنقاذ غرق قارب صيد قبالة شاطئ "عين المريسة، يقول عن ذلك الحدث: "أردت عملاً ينسجم مع شغفي وأنقذ من خلاله أرواح أشخاص وصيادين يومها لم أكن في دوام خدمة وما إن علمت بحادث الغرق حتى اندفعت وقمت بالنزول إلى عمق 180 متراً، وبعد 3 غطسات نجحنا" .
في ساعات قليلة على إتمام المهمة بنجاح، "شعرت بألم في قدمي، لم أعد قادراً على السير . . تعرضت لشلل كامل جعلني أسير الكرسي المتحرك لمدة سنتين . بعدها سافرت إلى تشيكوسلوفاكيا لتلقي العلاج وعدت منها على عكازين" .
يحدثنا ابراهيم نجم، الذي يقضي معظم يومه على "سطح" منزله القديم البناء، محاطاً بزقزقة الطيور وروائح عطرة من أشجار الياسمين والكاردينيا، المشرفة على غرف "المقتنيات" في الطابق العلوي للمنزل، يقول: "لا الإصابة ولا اليأس أحبطا عزيمتي، كنت أؤدي مهمتي بإخلاص وشاء القدر أن أصاب" . يضيف "زاد عشقي للبحر وبعد 6 سنوات من وقوع الحادث غطست ثلاث مرات بمساعدة أصدقاء . أجمل شعور عند ارتداء ثياب الغطس . كما أقوم بتدريب الراغب من الشباب على الغطس وعلى رأسهم ابن شقيقتي "وسيم" .
واظب نجم على عملية التجميع وبات الأصدقاء والأقارب ملجأه في مضاعفة المقتنيات البحرية والبرية، يقول "الفضل الكبير يعود للأصدقاء والزوار ممن يجلبون لي أغراضاً باتت في حكم المنتهية الصلاحية وتطوّر العصر عند كل زيارة، لدرجة أن المجموعة تضم قطعاً من سوريا، والفلبين ومصر" .
بانتظار تحقق حلمه في تأسيس متحف عام، يعرض نجم ما يملكه من "كنوز أثرية" ضمن مساحة 150 متراً (عبارة عن 3 غرف)، في منزله الخاص، موزعة أرضاً أو تتخذ من الجدران مركزاً لها وفي الرفوف، ولا مانع من أن تتدلى من سقف الغرف، أمام الزوّار ليعيشوا "مغامرة" استكشاف مجانية لما في سفن الأعماق وما كانت عليه الحياة في الماضي من مقتنيات باتت في حكم "التراثية" أو "الأنتيك" .
تتكدس أغراض، جمعها خلال أربعين عاماً، وتحتار من أين تبدأ وتضيع بينها من بقايا السفن أمثال بدلة غطس قديمة، مقود سفينة، بوصلات وقذائف وأسلحة ورصاص، إضافة إلى الأجراس، السيوف، البنادق القديمة، مسابح وأوان وجرار، نحاسيات الكاميرات والهواتف والساعات والنواظير البحرية وآلات كتابة وموسيقية وخوابي وأراكيل وأجهزة راديو والفونوغرافات والقناديل ومطاحن قهوة ومكاو تعمل على الفحم والكاز ومجموعة من الأسماك (نحو 300 صنف) والأصداف الملونة .
في الغطس "روعة الحياة" يقول نجم: "هناك أصداف غريبة تتواجد في العمق، مثل "التوتياء" و"الإسفنج" التي تتعلق بالصخور لا تستطيع شباك الصيد التقاطها . هناك صخور تشبه الهياكل" . يعتبر نجم ما يملكه "أمانة" لديه، يقول "أرفض بيع أي قطعة أياً كان الثمن الذي يعرض عليّ" . وأعمل على تنظيفها مرة كل أسبوعين ويساعدني على ذلك الزوّار من طلاب المدارس والجامعات . يكاد لا يخلو منزله من الزوّار رغبة في معاينة ما يحويه منزله من "كنوز"، ومقصداً لطلاب الآثار .
عن خوفه على "الأمانة" من التعرض للسرقة وما شابه يقول "المسلّم ربنا" . اليوم يجلس الرجل الستيني بانتظار من يحقق له الحلم بالمتحف، يقول نجم: "تلقيت الكثير من الوعود الكلامية بتحقيق الحلم إلى واقع، وحدها مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية بشخص ليلى الصلح حمادة مدت لي يد المساعدة المادية عندما زارتني ودهشت عندما شاهدت المقتنيات" .