التواضع هو خلق الأنبياء، وصفة المؤمنين، وهو باب الدخول إلى طاعة الله، والكبر باب الخروج من رحمة الله، يرفع التواضع صاحبه ويذل الكبر صاحبه، وقد وصى الله، رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" (الكهف: 28)، وقال سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه المصطفى: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" .
وكان صلى الله عليه وسلم مضرب الأمثال في تواضعه، فكان خير المتواضعين لله، وعندما فتح الله له مكة، دخلها صلى الله عليه وسلم خافضاً رأسه، تواضعاً لله رب العالمين، حتى إن رأسه كادت تمس ظهر ناقته .

أعظم المتواضعين

وكان صلى الله عليه وسلم خير المتواضعين مع خلق الله، فهو لا يأنف أن يركب الحمار، ويردف خلفه عبده، أو صبياً من أهله، وكان صلى الله عليه وسلم في بيته في مهنة أهله يقطع اللحم، ويحلب شاته، ويرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويطحن مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق، ويضع طهوره بالليل بيده، ويجالس الفقراء، ويأكل مع المساكين، ويناولهم بيده، ويبدأ من يقابله بالسلام ويصافحه، ولا ينزع يده حتى ينزع مصافحه، ولا يفرق في ذلك بين صغير أو كبير أو بين أسود وأحمر أو بين حر وعبد، ومن شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان في خدمة أهله، وقد سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَصنعُ في بَيْتِهِ؟ قالت: كان يَكُون في مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فإِذا حَضَرَتِ الصَّلاة، خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ" . وكان صلى الله عليه وسلم لا يتميز على أصحابه، بل يشاركهم العمل ما قل منه وما كثر، وكان يجلس بينهم مختلطاً بهم، كأنه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أين هو، حتى يسأل عنه، ولم يُرَ قط ماداً رجليه بين أصحابه، وكان يكره أن يقوموا له إذا قدم عليهم، وهو من هو منزلةً في قلوبهم: "ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك"، بل كان صلى الله عليه وسلم يقول لهم: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله"، وفي البخاري عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "ما بعث اللَّه نبياً إلا رعى الغنم قال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط مكة" .
وكان يتواضع للجميع، وهو الرسول الأكرم، خليل الرحمن، صلى الله عليه وسلم، و"كان يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم"، وكان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، وكان يتخلّف في المسير، فيزجي الضعفاء، ويردف ويدعو لهم، وفي البخاري عن أنس بن مالك، قال: "إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ"، وكان يلبي الدعوة لمن يدعوه غنياً كان أم فقيراً، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير، وكان يقول: "لَوْ دُعِيتُ إِلى كُراعٍ أو ذِرَاعٍ لقبلتُ، وَلَوْ أُهْدي إلى ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقَبِلْتُ"، وأُتي يوماً برجل فأرعد من هيبته فقال له صلى الله عليه وسلم: "هون عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" .

خلق الأنبياء

قلنا إن التواضع خلق الأنبياء، وانظر إلى نبي الله موسى عليه السلام حين قال: إنه لا يعرف من هو أعلم منه على وجه الأرض فأرسله رب العزة إلى الخضر ليتعلم منه، في أبلغ درس عملي على التواضع، وانظر إلى وصية لقمان الحكيم لولده التي حكاها عنه القرآن الكريم: "وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" (لقمان: 18) .
والتكبر خلق إبليس، وهو معصيته الأولى حيث رفض السجود لآدم تكبراً واستعلاءً فحل عليه غضب الله: "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ" (الأعراف: 13) وكما كان استكبار إبليس هو باب الخروج من رحمة الله، فإن التواضع هو باب الدخول في طاعة الله تعالى، وجزاء التواضع لله أن يرفع صاحبه: "من تواضع لله رفعه"، ولا جزاء للمتكبرين غير النار: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ" (الزمر: 60) .
والتواضع صفة المؤمنين وصفهم الله به: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً" (الفرقان: 63)، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن الجنة منازل المتواضعين لله، الخافضين جناحهم للناس تقرباً إلى الله، وحذرنا من أن النار مثوى المتكبرين، فقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل جواظ مستكبر"، أي كل جافٍ غليظ، وكل مختال في مشيته، وبالإجمال كل المستكبرين على عباد الله .

ثلاثة لا يكلمهم الله

والتكبر لا يرفع صاحبه بل يضعه، بينما يرفع التواضع صاحبه، أخبرنا بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم فقال: "ما نَقَصتْ صَدَقةٌ من مالٍ ومَا زَادَ اللهُ عَبْداً بعفوٍ إلا عِزاً، ومَا تواضعَ أحَدٌ للهِ إلا رفعهُ اللهُ"، وعن عبد اللَّه بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال: إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس" .
والمتكبرون هم أصحاب النار فعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "احتجت الجنة والنار، فقالت النار: فيّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى اللَّه بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علىّ ملؤها"، ولا ينظر الله إلى من كان في قلبه ذرة من كبر، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: "لا ينظر اللَّه يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً"، وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" .
والمستكبر ينازع الله، فقد حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه قوله: "العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته"، وانظر إلى ما ذكره الرسول الكريم عن رجل مختال فعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أنه قال: "بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف اللَّه به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة"، أي يغوص في الأرض وينزل والعياذ بالله .

جوهر العبادة

والتواضع هو جوهر العبادة لرب العباد، وهو يصبغ حركة المؤمن، ويظهر في شمائله كلها، في حركته وفي سكونه، في صمته وفي كلامه، حتى في صوته، ويظهر في مشيه وقيامه وجلوسه، وفي تعاطيه مع الكبير والصغير، الغني والفقير، أصحاب الجاه، وأصحاب الحظ القليل، وقد قيل: "رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعم الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك فضل عليه، وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه فضل عليك"، وفي مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" .
وأشرب النبي صلى الله عليه وسلم صحابته خلق التواضع، وكان يقول لهم: "مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة؟" قالوا: "وما حلاوة العبادة؟" قال "التواضع"، وحثنا على التواضع للمتواضعين والتكبر على المتكبرين فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم، فإن ذلك مذلة لهم وصغار" . وعلى سنته تلك كان الخلفاء الراشدون الذين تربوا في مدرسة سيد المتواضعين صلى الله عليه وسلم، وضربوا نماذج غير مسبوقة في سنة التواضع لله ولخلقه وعباده .