‮«‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة‮»‬

01:03 صباحا
قراءة 4 دقائق
د‮. ‬أحمد عمر هاشم‮
من أهم عوامل النصر الذي‮ ‬وعد الله به المسلمين إعداد القوة التي‮ ‬أمر بها القرآن الكريم في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله‮ ‬يعلمهم وما تنفقوا من شيء في‮ ‬سبيل الله‮ ‬يوف إليكم وأنتم لا تظلمون‮».‬
والقوة تشتمل على قوة المبدأ وقوة الإعداد والسلاح وقوة المواجهة،‮ ‬وقوة المبدأ تعني‮ ‬عدالة القضية ونحن المسلمين لا نخوض مواجهات ظالمة ضد أحد،‮ ‬والإيمان القوي‮ ‬يقتضي‮ ‬الثبات عليه والشجاعة والدفاع عنه والقوة التي‮ ‬تتمثل في‮ ‬المبدأ هي‮ ‬الروح المتضافرة التي‮ ‬يتصل شريان الحياة فيها بكل أعضاء الأمة ويتجلى صمودها فتأبى المساومة والمراوغة‮.‬
ولقد ضرب الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه مثلاً‮ ‬أعلى في‮ ‬ذلك، حيث بعث أعداء الدعوة إليه أحد ساداتهم عتبة بن ربيعة‮ ‬يساومه، ويقول له‮: ‬يا ابن أخي‮ ‬إنك منا حيث قد علمت وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني‮ ‬أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها،‮ ‬فأجاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه‮: ‬قل‮ ‬يا أبا الوليد أسمع،‮ ‬قال عتبة‮: ‬يا ابن أخي‮ ‬إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً،‮ ‬وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك،‮ ‬وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا،‮ ‬وإن كان هذا الذي‮ ‬يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده من نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه،‮ ‬فانتظر حتى انتهى ثم قال له‮: ‬أو قد فرغت‮ ‬يا أبا الوليد؟ فقال عتبة: نعم،‮ ‬فقال الرسول صلى الله عليه وسلم فاسمع مني‮: «‬بسم الله الرحمن الرحيم،‮ ‬حم،‮ ‬تنزيل من الرحمن الرحيم،‮ ‬كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم‮ ‬يعلمون،‮ ‬بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا‮ ‬يسمعون،‮ ‬وقالوا قلوبنا في‮ ‬أكنة مما تدعون إليه وفي‮ ‬آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون‮. ‬قل إنما أنا بشر مثلكم‮ ‬يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين‮»‬،‮ ‬إلى أن بلغ‮ ‬قوله تعالى‮: «‬ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي‮ ‬خلقهن إن كنتم إياه تعبدون‮»‬،‮ ‬فخر ساجداً وعاد إلى القوم‮ ‬ينصحهم بأن‮ ‬يتركوا الرسول وصحبه فسيكون له شأن عظيم وأنه على الحق المبين،‮ ‬وهكذا رسم الرسول صلوات الله وسلامه عليه قوة المبدأ وعلم أمته كيف‮ ‬يكون احترام المرء لمبدئه مادام على حق مهما كلفه ذلك من جهد وعناء‮.‬
إنه الذي‮ ‬رفع الشعار المشرق بذلك في‮ ‬قولته المشهورة المأثورة‮: «‬والله لو وضعوا الشمس في‮ ‬يميني‮ ‬والقمر في‮ ‬يساري‮ ‬على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى‮ ‬يظهره الله أو أهلك دونه‮».‬
وأما قوة الإعداد والسلاح‮: ‬فهي‮ ‬تشمل ما تحشده الأمة من عدد وعدة، فحيث‮ ‬يكون النفير العام فواجب كل مكلف مستطيع للقتال ألا‮ ‬يتخلف عنه،‮ ‬وأن‮ ‬يقدم الجهاد على محبة كل ما في‮ ‬حياته من أهل ومال،‮ ‬وقد توعد الله أولئك الذين‮ ‬يفضلون محبة الأهل أو المال على الجهاد والآية الشريفة حينما طالبت بالإعداد لم تحدد نوع القوة وإنما أطلقتها حسب الاستطاعة،‮ ‬ثم عطفت عليها ما كان متناسباً مع الزمن،‮ «‬وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل‮».‬
ومن المعلوم أن القوة تختلف باختلاف الزمان، وقد روى مسلم في‮ ‬صحيحه عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم، وقد تلا هذه الآية على المنبر‮، ‬يقول‮: ‬«ألا إن القوة الرمي‮ ‬ألا إن القوة الرمي‮ ‬ألا إن القوة الرمي»،‮ ‬وإطلاق كلمة الرمي‮ ‬بهذا العموم‮ ‬يشمل كل ما‮ ‬يرمي‮ ‬به من مختلف أنواع الأسلحة وأدوات القتال من سهم أو رصاصة أو قذيفة حسب ما‮ ‬يتناسب مع استطاعة الجيش في‮ ‬الزمان والحال.
وفي‮ ‬سبيل إعداد القوة‮ ‬يجب بذل المال في‮ ‬سبيل الله، وقد تكفل الله تعالى بجزاء من‮ ‬ينفق في‮ ‬سبيله‮: «‬وما تنفقوا من شيء في‮ ‬سبيل الله‮ ‬يوف إليكم وأنتم لا تظلمون‮»‬،‮ ‬‬أما عدم الإنفاق ففيه تعريض الأمة للهلاك، كما قال تعالى‮: «‬وأنفقوا في‮ ‬سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‮».‬
وتشمل قوة المواجهة‮: الثبات في‮ ‬ساحة القتال وقوة الثقة في‮ ‬الله وكثرة ذكر الله تعالى،‮ ‬حتى لا‮ ‬يتسرب الغرور إلى جو القتال.
لهذا نرى أن الله تعالى حين أمر المسلمين بالثبات عند لقاء العدو أمرهم أيضاً بذكر الله كثيراً،‮ ‬قال تعالى‮: «‬يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون‮».‬
‬عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"