يقول الحق تبارك وتعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (سورة البقرة الآية 216) . ففي هذه الآية الكريمة فرض الله تعالى على المسلمين القتال، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وقد وردت خطب وأحاديث ووصايا كثيرة في الجهاد وفضله ودرجات المجاهدين .
ذكر محمد خليل الخطيب في كتابه خطب المصطفى صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم عبده بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية . فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم) . (أخرجه الشيخان) .
أفضل الأعمال
وعن أبي قتادة الحرث بن ربعي، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال . فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم . وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك . (رواه مسلم) .
وعن فضل الجهاد ودرجات المجاهدين، قال مجاهد بن يزيد بن شجرة وكان ممن يصدق قوله فعله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ما أحسن نعمة الله عليكم، ترى من بين أحمر وأخضر وأصفر . وفي الرجال ما فيها . وكان يقول: إذا صف الناس للصلاة وصفوا للقتال، فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنة، وأبواب النار وزين الحور العين، واطلعن فإذا أقبل الرجل قلن: اللهم انصره، وإذا أدبر احتجبن منه، وقلن: اللهم اغفر له . فأنهكوا وجوه القوم فدى لكم أبي وأمي، ولا تخزوا الحور العين فإن أول قطرة تنضح تكفر عنه كل شيء عمله، وتنزل إليه زوجتان من الحور يمسحان وجهه ويقولان: قد أنى لك، ويقول: قد أنى لكما . ثم يكسى مئة حلة ليست من نسج بني آدم، ولكن من نبت الجنة لو وضعن بين إصبعين لوسعهن . وكان يقول: نبئت أن السيوف مفاتيح الجنة . (رواه الطبراني) .
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها . فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، قال: وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة . (رواه البخاري والترمذي) .
فرض كفاية
ويشير السيد سابق في كتاب فقه السنة إلى أن الجهاد ليس فرضاً على كل فرد من المسلمين، وإنما هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض، واندفع به العدو، حصل به الغناء، يقول الله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (سورة التوبة الآية122) .
ويجب الجهاد على المسلم الذكر، العاقل، البالغ، الصحيح، الذي يجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله حتى يفرغ من الجهاد . فلا يجب على غير المسلم، ولا على المرأة، ولا على الصبي، ولا على المجنون، ولا على المريض، فلا حرج على واحد من هؤلاء في التخلف عن الجهاد، لأن ضعفهم يحول بينهم وبين الكفاح، وليس لهم غناء يعتد به في الميدان، وربما كان وجودهم أكثر ضرراً مع قلة نفعه، وفي هذا يقول الله سبحانه: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله (سورة التوبة الآية 91) .
رهبنة الإسلام
والجهاد أفضل نوع من أنواع التطوع: فهو إعلاء لكلمة الله، وتمكين لهدايته في الأرض، وتركيز للدين الحق، ومن ثم كان أفضل من تطوع الحج، والعمرة، وأفضل من تطوع الصلاة والصوم . وهو مع ذلك ينتظم كل لون من ألوان العبادات سواء منها ما كان من عبادات الظاهر أو الباطن، فإن فيه من عبادات الباطن الزهد في الدنيا، ومفارقة الوطن، وهجرة الرغبات حتى سماه الإسلام الرهبنة فقد جاء في الحديث: رهبانية أمتي: الجهاد في سبيل الله .
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعناق فرسه في سبيل الله . ألا أخبركم بالذي يتلوه: رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها . ألا أخبركم بشر الناس: رجل يسأل الله ولا يعطي به . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا: ثم من؟، قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره .