القاهرة - هيثم عبد الشافي:
مئة عام مرت على ميلاد أول رواية عربية، وهي "زينب" للكاتب د . "محمد حسين هيكل"، فهكذا يؤرخ النقاد لتاريخ الرواية العربية، رغم أن التراث العربي لم يكن خالياً من الأعمال السردية، بل عرف أشكالاً روائية عديدة بداية من منتصف القرن الثامن عشر حتى هذه اللحظة، خاصة بعد التأثر المباشر بالرواية الغربية، وفي هذا التحقيق نحاول التوصل إلى البدايات الأولى لفن السرد .
يقول الناقد د . جابر عصفور، إن الظهور الحقيقي للرواية العربية كان في نهايات القرن الثامن عشر، وتوالت بعدها الأعمال السردية إلى أن وصلت لمرحلة أكثر نضجا تزامنا مع ظهور رواية "زينب" للكاتب محمد حسين هيكل عام ،1914 لافتاً إلى أن راوية "زينب" تمثل مرحلة الشباب في تاريخ الرواية العربية، ولكن البداية الحقيقية كانت مع رواية "غابة الحق" للأديب السوري فرانسيس مراش، عام ،1865 وهي رواية تدور حول كيفية إقامة مملكة المدنية والحرية، وتتضمن الكثير من آراء المؤلف حول الحاجة إلى العقلانية والسلام بعيدا عن الطائفية أو التعصب الديني، فضلا عن أعماله الأخرى مثل "رحلة باريس"، و"شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة" .
ويضيف د . عصفور: "هناك أيضا روايات عدة سبقت رواية "زينب" كان لها دوي هائل وقت ظهورها مثل رواية خليل الخوري "وي . إذن لست بإفرنجي" والتي صدرت عام ،1859 إضافة إلى أعمال الروائي اللبناني فرح أنطون، وروايته التاريخية "أورشاليم الجديدة" التي صدرت بداية القرن التاسع عشر .
وأوضح عصفور أن وزارة الثقافة المصرية لم تحتفل بعد بالرواية العربية ومراحل بداية ظهورها الواقعية بسبب انشغالها بظروف البلاد السياسية، فضلا عن المشكلات التي تلم بميزانية الوزارة، مشيرا إلى أن التوتر وصراعات الساحة السياسية، أدى إلى نسيان أشياء كثيرة، وليس فقط الاحتفال بالرواية العربية .
وعن أسباب تربع الرواية على عرش الأدب يقول د . عصفور إن الوضع الثقافي والمنتج الثقافي يبرهنان على أن الراوية العربية تتناسب مع المتغيرات المعقدة في الحياة، كما اتسعت رقعتها الجغرافية على نحو جعلها النوع الأدبي الأكثر انتشارا في الوطن العربي بشكل عام، لافتا إلى أن الرواية لم تزح الشعر، لكنها احتلت مكانه لسنوات طويلة، لذا لم يعد له الأولوية لدى القارئ كما كان قديما، بعدما تحولت الدوريات الثقافية، واهتمت بنشر الروايات والقصص القصيرة، لأنها الأقرب إلى روح القارئ، وتعبر عن أوضاعه وفقا لكل حقبه يمر بها .
وتتفق الروائية سكينة فؤاد مع رأي د . عصفور، مشيرة إلى أن بداية الرواية العربية تعود إلى القرن الثامن عشر .
أما عن تجاهل الاحتفال بميلاد الرواية العربية بشكل عام فاعتبرته جزءاً مما نعيشه من انسحاب ثقافي بسبب سيطرة الفكر المغلوط، مطالبة بضرورة العمل على تنظيم فعاليات ثقافية وإيجابية لاسترداد الحياة الثقافية العربية في إطار خطة ثقافية متكاملة، بعد ثورتين قامتا من أجل حق هذا الشعب .
من جانبه ينفي الناقد د . عبد المنعم تليمة ما يتداوله الكثيرون بأن الرواية العربية عمرها مئة عام فقط وفقا لميلاد رواية "زينب" ل د . محمد حسين هيكل، مشيراً إلى أن هناك أعمالا سردية عظيمة سبقت هذه الرواية مثل أعمال العبقري أحمد فارس الشدياق، فالأخير كان من أوائل المهتمين برسالة التثقيف والتوجيه والتنوير والإصلاح في القرن التاسع عشر .
ويضيف د . تليمة: "هناك أعمال سردية وتراثية قيمة ل"الشدياق" مثل كتابه "الساق على الساق"، فالأخير كان بمثابة ترجمة شخصية لمؤلفه، في بعض ملامحها، فضلا عما يحتويه من فلتات لغوية تمس سائر مناحي الحياة، وبخاصة في ما يتعلق بشؤون المرأة والجمال، ونقد المجتمعات التي عايشها في لبنان ومصر ومالطة وتونس وإنجلترا وفرنسا، مبينا ما فيها من إيجابيات وسلبيات بأسلوب ساخر في طابع حواري جذاب وأسلوب سردي عربي راق" .
ويلفت "تليمة" إلى أن الأعمال السردية الأدبية مابين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم تكن مقتصرة على الرجال . بل أسهمت فيها النساء أيضا، ولكن في مرحلة متأخرة، موضحا أن الأديبة اللبنانية زينب فواز، شغلت الحياة الثقافية والأدبية في مصر خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث سبقت أعمالها السردية أعمال الأديب محمد حسين هيكل، ونافست قاسم أمين بدعوته لتحرير المرأة، خاصة بعد إصدارها ل رواية "حسن العواقب"، والتي تعد أول رواية عربية على ما يرى بعضهم، ويعود تاريخها إلى عام ،1899 أي قبل رواية "زينب" للأديب محمد حسين هيكل ب 15 عاما .