حددت شريعة الإسلام تحديداً واضحاً حكيماً النساء اللائي يجوز للمسلم الزواج بهن، كما حددت النساء اللائي لا يجوز الزواج بهن . فما الحكمة من هذا التحريم؟ هذا السؤال كثيراً ما يفرض نفسه على عقول المسلمين رجالاً ونساء . والإجابة عنه في السطور الآتية:
يقول الحق، سبحانه وتعالى، في بيان بعض أصناف النساء اللائي لا يجوز للمسلم الزواج بهن: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا* حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً .
محرمات بسبب النسب
في هاتين الآيتين الكريمتين ذكر الله عز وجل أربعة عشر نوعاً من النساء اللائي لا يجوز الزواج بهن، فهناك المحرمات بسبب النسب وهن:
- ما نكح آباؤكم من النساء: وقد كانوا في الجاهلية يبيحون للابن إذا مات أبوه أن يتزوج امرأته، فنزلت هذه الآية وحرمت على الابن تحريماً نهائياً الزواج من امرأة أبيه بعد مفارقته لها . وهذا التحريم يستهدف الحفاظ على مقام الأبوة في نفوس الأبناء، فزوجة الأب مثل الأم، والزواج بها يتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام ولذلك وصفه القرآن بقوله: إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً .
- تحريم الزواج بالأم: ويشمل هذا التحريم أيضاً الجدات، فلا يقبل طبع سليم أن يعاشر الإنسان أمه أو جدته .
- تحريم الزواج من البنات: وهذا التحريم يشمل البنت المباشرة، كما يشمل بنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن . والذي يقبل مباشرة ابنته أو حفيدته هو حيوان تجرد من كل المشاعر الإنسانية .
- تحريم الزواج من الأخوات: وهذا التحريم يشمل الأخوات الشقيقات وغير الشقيقات . ولا يمكن لإنسان سويّ الطبع سليم العقل أن يفكر مجرد التفكير في الاقتراب من أخته، وجرائم زنى المحارم التي انتشرت الآن في كل بلادنا العربية سببها سوء التربية وانحطاط الأخلاق وضياع الدين من النفوس وسيطرة الشياطين على نفوس الأبناء من ذكور وإناث .
- تحريم الزواج من العمات: وهن أخوات الأب سواء أكن شقيقات أم غير شقيقات، والعمة هي كل امرأة شاركت الأب مهما علا في أصليه أو أحدهما .
- تحريم الزواج من الخالة: والخالة هي أخت الأم سواء أكانتا شقيقتين أم غير شقيقتين .
- تحريم الزواج من بنات الأخ: لأن بنات الأخ في مقام ومكانة بنات الإنسان، ولا يجوز لإنسان أن يعاشر ابنته .
- تحريم الزواج من بنات الأخت: لأن بنات لأخت في مكانة ومقام الأخت .
لكن: لماذا كان هذا التحريم للأصناف السابق ذكرها من النساء؟
يقول الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر: هذا التحريم يتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، ومع العقول التي تعشق مكارم الأخلاق، لأن شريعة الإسلام نوهت بمنزلة القرابة القريبة للإنسان وأضفت عليها الكثير من ألوان الوقار والاحترام .
الرضاعة والمصاهرة
وهناك محرمات بسبب الرضاعة بيّنها الحق سبحانه وتعالى في قوله: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة . فهنا صنفان من المحرمات: الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة .
والأم من الرضاعة: هي كل امرأة أرضعتك، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرأة بالأمومة من جهة النسب، أو من الرضاع .
والأخت من الرضاع: هي التي التقيت أنت وهي على ثدي واحد .
وظاهر قوله سبحانه: وأمهاتكم اللائي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة يقتضي كما قال الفقهاء الأحناف والمالكية أن يكون أي رضاع محرماً للزواج .
بينما يرى الشافعية والحنابلة أن الرضاع المحرم هو الذي يبلغ خمس رضعات .
كذلك ظاهر الآية الكريمة يقتضي أن الرضاع لو كان في سن الكبر يحرم الزواج . إلا أن جمهور العلماء يرون أن الرضاع المحرم هو ما كان قبل بلوغ الحولين . أما ما بعد بلوغ العامين فلا يحرم، ولا يكون الرضيع ابناً من الرضاعة، وذلك لقوله تعالى: والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .
ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم الزواج بسبب الرضاعة كما يقول الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة إن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءاً منها . كما أنه جزء من أمه التي حملته في بطنها، وإذا كانت هذه غذته بدمها وهو في بطنها فإن تلك قد غذته بلبنها وهو في حجرها .
وهناك محرمات بسبب المصاهرة حيث ذكر القرآن أربعة أصناف من النساء يحرم الزواج بهن تحريماً مؤبداً لأسباب تتعلق بالمصاهرة، وهن:
- أم الزوجة أو جدتها: ولا يشترط في تحريمها الدخول بالزوجة، بل مجرد العقد عليها يحرمها، ولذلك اشتهر قول الفقهاء العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات .
- ابنة الزوجة من رجل آخر ربائبكم: وسميت ربيبة لأن الزوج في الأغلب يربيها في بيته ويعطف عليها .
- زوجات الأبناء: فلا يجوز للرجل أن يتزوج من امرأة كانت زوجة لابنه حتى لو لم يدخل بها .
- الجمع بين الأختين: وان تجمعوا بين الأختين .
وكما أنه يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها، أو ابنة أختها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال: لا تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها .
والسر في النهي عن الزواج بهذا النوع من النساء كما يقول الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أنه يؤدي إلى تقطيع الأرحام، إذ من شأن الضرائر أن يكون بينهن من الكراهية الكثير .
تحريم مؤقت
وإلى جانب الأربعة عشر صنفا من النساء التي يحرم على المسلم الزواج بهن على سبيل التأبيد واللاتي سبق ذكرهن، هناك نساء يحرم على المسلم الزواج بهن تحريماً مؤقتاً، وهن:
- المرأة التي تكون زوجة لآخر، والتي أشار إليها القرآن بقوله تعالى: والمحصنات من النساء .
- المرأة التي تكون في العدة من طلاق أو وفاة: فلا يحل لأحد إلا من فارقها أن يعقد عليها ما دامت في العدة .
- المطلقة ثلاثاً لمن طلقها: فمن طلق زوجته ثلاث تطليقات فإنها لا تحل له حتى تتزوج رجلاً آخر ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها وتنتهي عدتها منه انتهاءً تاماً لا ريب فيه ولا شك .
- المرأة التي ليس لها دين سماوي: فلا يجوز لمسلم أن يتزوج بامرأة لا تدين بالإسلام أو النصرانية أو اليهودية . فالمرأة التي لا تدين بدين سماوي محرمة على المسلم .
- المرأة الخامسة: لمن كان متزوجاً بأربع من النساء .
- المرأة التي فارقها زوجها عن طريق اللعان: فالمرأة التي قذفها زوجها بالزنى ونفت هي ذلك، وترافعا أمام القضاء وتلاعنا أمامه وحلف كل منهما اليمين، تحرم على الرجل الذي قذفها متى حكم القاضي بالفراق بينهما .
وهكذا يتبين لنا أن الإسلام قسم النساء اللاتي يحرم الزواج بهن قسمين:
قسم يحرم الزواج بهن حرمة مؤبدة لا تزول في حال من الأحوال، لأن السبب المقتضي للتحريم غير قابل للزوال، كالأمومة، والبنوة، والأخوة، وأن التحريم على التأبيد يكون بسبب القرابة أو بسبب المصاهرة أو بسبب الرضاع .
وقسم يحرم الزواج بهن حرمة مؤقتة، لأن السبب المقتضي للتحريم ليس دائما، فيبقى التحريم ما دام السبب المقتضي قائماً، فإذا زال انتهى التحريم .