إعداد: محمد هاني عطوي

الثقْب الأَسْوَدُ اسم يستخدم عادةً في الفيزياء الفلكية ويطلق على نجم اندثر وأصبح غير مرئي . وللثقب الأسود جاذبية قوية لأنه يحتوي على كمية ضخمة من المادة التي حصِرت في مساحة بالغة الصغر بدرجة تمنع انفلات أي شيء يمر قريباً من سطحه، ولا يمكن رؤية الثقوب السوداء لأنها تجذب الضوء ولا تدعه يخرج منها . ويعتقد معظم علماء الفلك أن مجرة "درب اللبانة" تحتوي على ملايين الثقوب السوداء . ويقسم العلماء الثقوب السوداء إلى ثلاثة أقسام: ثقوب سوداء عظيمة الكتلة تتراوح كتلتها بين مليون وعدة مليارات من الكتلة الشمسية، وهي توجد في قلب المجرات وتسطع سطوع المجرة لأنها لا تتوقف عن ابتلاع المادة المارة بجانبها .
يقدر العلماء عدد هذا النوع من الثقوب ب 200 ألف ثقب أسود، ويعتقد أنها تكونت من انهيار سحابة غازية كبيرة بحجم مجرة وفي هذه الحالة يكون الضغط فائقا للغاية بحيث تتكدس المادة داخلها مكونة ثقبا أسود . ويسمى النوع الثاني "الثقوب السوداء" النجمية وتتراوح كتلتها بين 3 - 100 كتلة شمسية وهي تنتج عندما ينهار نجم ضخم على نفسه . وعندما يلمع هذا النجم يكون هناك صراع بين الجاذبية التي تضغط الغاز وتدفعه إلى الداخل والانصهار النووي الذي يعمل على تمدد الغاز ودفعه نحو الخارج وعندما يتوقف الانصهار النووي نتيجة لنفاد الوقود لاشيء يعترض حينها الجاذبية والضغط نحو الداخل، فلا يتحمل النجم وزنه الهائل، فينهار الجزء المركزي منه .ويمكن أن تُحول الجاذبية قُطره الذي يبلغ 15 ألف كم إلى 15 كم فقط في ثانية واحدة . يوجد من هذا النوع 100 مليون نجم في مجرتنا ولا يمكن الكشف عنه إلا عندما يمر بجانبه نجم ما ولا يستطيع الإفلات من جاذبيته الهائلة فيقع في قلبه إلى غير رجعة . أما النوع الثالث فيسمى "النوع المتوسط" وتتراوح كتلة هذه الثقوب بين 10 آلاف ومئة ألف كتلة شمسية . ويعتقد العلماء أنها موجودة في "العناقيد المنجمية" وهي مناطق تكون فيها النجوم شديدة القرب من بعضها بعضاً وحتى الآن لم يتم الكشف عن هذا النوع من الثقوب . وتنهار معظم النجوم الضخمة لتتحول إلى نجوم نيوترونية، وهي نجوم كثيفة تتكون بالكامل تقريباً من النيوترونات . ويؤكد العلماء أن النجوم النيوترونية تتكون بالانهيار لكنهم يعتقدون أن الثقب الأسود يتكون بالطريقة نفسها إذا كان الجزء المحترق من مركز النجمة يساوي على أقل تقدير ثلاث مرات حجم الشمس .

إشعاع مبهر

تقوم فكرة الثقب الأسود على نظرية الجاذبية للفيزيائي ألبرت آينشتاين المعروفة بالنسبية العامة . وتقول نظرية آينشتاين: إنّ الثقب الأسود الذي يتكون بفعل انهيار نجم يكون أصغر من الشمس بحوالي 100000 مرة، وليس له أي معالم تقريباً . ولهذا فإنه من الصعب جداً أن يُحدد الثقب الأسود بكثير من الدقة .
ويمكن للفلكيين العثور على الثقب الأسود في نظام النجم الثنائي الذي يطلق الأشعة السينية . وفي مثل هذا النظام يدور الثقب الأسود، والنجم العادي الذي يُمكن رؤيته عن قرب حول مركز جاذبية مشترك، بحيث يسلب الثقب الأسود الغاز من النجم العادي . ويسقط الغاز بقوة نحو الثقب الأسود ويسخن بالاحتكاك بين ذرات الغاز، وترتفع درجة الحرارة خارج الثقب الأسود مباشرة إلى عشرات الملايين من الدرجات . وتنطلق الطاقة من الغاز في هيئة أشعة سينية يُمكن رؤيتها بمنظار أشعة سينية . ويتوقع الفلكيون أن تتحول ثلاثة نجوم ثنائية إلى ثقوب سوداء . والحقيقة أن ثمة مفاهيم عدة خاطئة عن الثقوب السوداء حصرها العلماء حتى الآن في سبعة مفاهيم:
من أوائل المفاهيم الخاطئة عن الثقوب السوداء أنها ليست سوداء بمعنى أنها تشع بما يعادل عدة مئات من مليارات الشموس إذ يكفي أن تمر بجانبه سحابة غازية أو نجمة أو أي جرم آخر حتى يبدأ باللمعان لأن جزيئات هذه السحابة تتصادم بسرعة هائلة تصل إلى سرعة الضوء، الأمر الذي يولد حرارة عالية ينتج عنها ضوء مبهر ما يحول الثقب إلى ما يشبه الفنار الدوار . وهكذا تتحول المادة عن أفق حدث الثقب الأسود إلى طاقة صرفة (ضوء) .

عدم ابتلاع المجرات

المعروف أن الثقب الأسود يولد حوله قوة تجاذبية تثاقلية هائلة لا تدع جرما إلا وتسحبه إلى الداخل ولكن هذه القوة تكون هائلة بهذه الصورة عند اطراف الثقب فقط فهي من الناحية الفيزيائية تتناسب عكسيا مع مربع المسافة بين الجرمين وبالتالي فإنه إذا وجد جرم يبعد 100 كم عن الثقب فإنه يخضع لقوة جذب تثاقلية تقل بعشرة الآف مرة مما لو وجد على مسافة كيلومتر واحد من الثقب الأسود . وتشير حسابات الباحثين إلى ان المنطقة الخطرة التي يصبح عندها الجرم عرضة للسقوط في الثقب إلى غير رجعة تقع على مسافة تبلغ 1 .2 مليون كم من الثقب الأسود وهذا يعني أن الشمس وأسرتها الكوكبية في مأمن من الوقوع في ثقب المجرة .
ويقال دائما إن كثافة المادة في الثقب الأسود فائقة جدا إلى حد ان ملعقة شاي من مادته تزن اطنانا ولكن هذا يعتمد على كتلته فثقب اسود تعادل كتلته 10 شموس مثل شمسنا ويبلغ نصف قطره 30 كم يمكن ان تكون كثافة المادة فيه بهذا الشكل أما إذا تضاعفت كتلته ونصف قطره فإن حجمه يتزايد 8 مرات ما يعني أن الكثافة تقل بسرعة فإذا كان لدينا ثقب أسود فائق الكتلة (مليار كتلة شمسية) ونصف قطره يبلغ 3 مليارات كم فإن كثافته ستبلغ أقل بمئة مرة من كثافة الماء ! وبطريقة ثانية يعني هذا أن مادة ثقب اسود هكذا مواصفاتها ستطفو . وتعد منطقة "برج الرامي أ*" (*Sagittarius A) منطقة لامعة ومصدرا راديويا قويا جداً وهي تقع في مركز مجرة درب التبانة، وهي جزء من منطقة أكبر تسمى "الرامي أ" . وتحتوي منطقة "الرامي أ*" على ثقب أسود فائق الضخامة ويبعد عنا 30 ألف سنة ضوئية أي ما يعادل 300 مليون مليار كم . وحتى على الرغم من أن هذا الثقب يزن 4 ملايين كتلة شمسية وبقطر يبلغ 25 مليون كم (يزيد ب 20 مرة على قطر الشمس) فإن مسألة رؤيته تعني كأننا نشاهد من الأرض برتقالة على سطح القمر وهذا يحتاج إلى تلسكوب أقوى بألف مرة من التلسكوب الفضائي هابل وهو ما يمكن أن نراه في العام 2015 المقبل والذي سيطلق عليه "تلسكوب أفق الحدث" حيث سيتمكن العلماء من رؤية ما يحدث عند أطراف الثقب الأسود حين يهم الثقب بابتلاع المادة . ومن حسن الحظ أن إحدى السحب ستمر خلال تلك الفترة قرب هذا الثقب الأسود الأمر الذي سيجعله لامعا بما فيه الكفاية .

ليست كلها خطرة

يعد الثقب السود برج "الرامي أ*" (*Sagittarius A) الواقع في مركز مجرتنا من النوع الهادىء بمعنى أنه لو اقتربت منه إحدى المركبات الفضائية فإنها لن تشعر بشيء معين مما لو كانت على أطراف إحدى النجوم العملاقة وعندما تعبر المركبة أفق الحدث فإن رواد الفضاء لن يشعروا بشيء ابدا ولكن في تلك الحالة لا يمكن العودة على الوراء حتى مع هذا الثقب الوديع لأن الجاذبية ستهيمن على المركبة وتجذبها إلى قلب الثقب . أما لو اقتربت نفس المركبة من ثقب أسود تبلغ كتلته 6 أضعاف كتلة الشمس فإن الأمور ستتغير لا محالة حيث ستتمدد مقدمة المركبة وكأنها عصي (سباغتي) الأمر الذي سيؤدي إلى تفككها .
وفي العام 2008 بدأ "مسارع الهادرونات الكبير" (LHC) الذي تديره المنظمة الاوروبية للأبحاث النووية، (سيرن) وهي أكبر مختبر للفيزياء الجزيئية في العالم في العمل بتجربة مهمة، حيث حاول العلماء اكتشاف أسرار المادة للتعرف إلى حقيقة الكون الذي نعيش فيه من خلال تفكيك مكونات الذرة ومشاهدة ما هو داخلها لكن المشكلة أن مكونات الذرة صغيرة جداً جداً وتربطها قوى كبيرة جداً جداً لذا لا نستطيع تفكيكها بهذه البساطة . ولذا فكر العلماء بصدم جزيئات المادة ببعضها بعضاً بكل قوة لسحقها وتفكيكها إلى أبسط مكوناتها حيث لجأوا إلى صدم بروتونين يبلغ قطر كل منهما 10-14 متر بسرعة تبلغ 300 ألف كيلومتر في الثانية الأمر الذي كون طاقة هائلة في حيز صغير جدا يبلغ حجمه 10-45 متراً مكعباً . وقبل بدء التجربة أبدى بعض العلماء مخاوفهم من أن يؤدي هذا الاصطدام إلى تولد ثقب أسود يقوم بابتلاع الأرض كلها ! لكن العلماء المشرفين على هذا المشروع رفضوا هذه الفكرة تماما، واعتبروها سخيفة لأن فترة بقاء ثقب صغير جدا بهذا القدر لا تتجاوز 10-26 ثانية ومن هنا فلا خوف على الأرض من أن يبتلعها هكذا ثقب .

عرضة للفناء

إذا كان الثقب الأسود لا يكف عن ابتلاع المادة فهل هذا يعني انه سرمدي ؟ بالطبع لا فهو يفنى أيضا ولكن ببطء . لنتخيل أن الثقب الأسود موجود في الفراغ (علما بأن مفهوم الفراغ غير دقيق من الناحية الفيزيائية وإنما هو حالة معقدة يتأرجح فيها الفراغ . ويفترض في ذلك أن التأرجح الفراغي يتكون من جسيمات افتراضية حيث يظهر فجأة جسيم ونقيض الجسيم طبقا لمبدأ عدم التأكد لهايزنبرج لفترة زمنية قصيرة جدا جدا ثم يختفيان . كما يشكل أفق الحدث للثقب الأسود منطقة يحدث فيها إنتاج زوجي لجسيمات افتراضية واختفائها كثيراً) . ومن هذا الفراغ الذي لو كبرناه بميكروسكوب هائل سنجد أنه ينتج أزواجا من الجسيمات ذات طاقة تسمى بطاقة الفراغ لكن هذه الجسيمات يفني بعضها بعضا الأمر الذي يعيد الطاقة من جديد إلى وضعها الأول . ولو عدنا إلى أفق الحدث في الثقب الأسود لوجدنا أنه إذا حدث وانقذف احد الجسيمات المتكونة في الثقب الأسود فإنه سيترك توأمه بمفرده، وهكذا سنجد أن هذه الجسيمات المتروكة ستزداد في الكون، وبالتالي فإن الذي سيعوض الطاقة المفقودة في ما يسمى بالفراغ هو الثقوب السوداء فإذا فقدت هذه الثقوب الطاقة، فمعنى ذلك انها ستفقد كتلة حسب قانون آينشتاين . وخلاصة ذلك أن الثقب الأسود عندما يبتلع جسما فإنه سيعيده الى الكون فى هيئة اشعاعات في ما يعرف باسم "إشعاع بيكشتاين - هوكينغ" وهو إشعاع حراري تتنبأ الفيزياء بأنه يصدر عن الثقوب السوداء نتيجة لظواهر كمومية . وسمي هذا الإشعاع نسبة العالم ستيفن هوكينغ الذي برهن نظرياً على وجود هذه الإشعاعات سنة 1974 . وأحياناً تنسب إلى العالم جاكوب بيكشتاين الذي تنبأ بأن الثقوب السوداء لها حرارة واعتلاجات محدودة وليست صفراً . ويعتقد أن إشعاع "هوكينغ" يتسبب في تقلص الثقوب السوداء وموتها .