نبيل عطا

الخميس المقبل الموافق 2 نوفمبر/‏‏تشرين الثاني.. ذكرى أسوأ وعد منحه من لايملك لمن لايستحق
.. ذكرى شاهدة على انتحار الضمير العالمي بسيف الظلم والطغيان
الخميس المقبل تمر 100 عام على الهوان العربي أمام وحدة غربية لا هدف لها سوى سرقة مقدرات الشعوب العربية والإسلامية بشكل ممنهج وبكل الأساليب المشروعة وغير المشروعة

2 نوفمبر المقبل.. ذكرى مرور 100 عام على مشروع كان له هدفان، سرقة وطن وتشريد شعب.. ذكرى وعد بلفور المشؤوم، الذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، بناء على مقولة مزيفة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
رغم أن عدد اليهود الذين كانوا يعيشون على أرض فلسطين في ذلك الوقت لم تكن تتجاوز نسبتهم 5 % من عدد السكان أو أقل من ذلك

وعد بلفور - هو الاسم الشائع الذي تم إطلاقه على قصاصة ورقية أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وجاء الوعد أو القصاصة التي أرسلها بلفور متضمنة مايلي:
«إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.».
وقد اختلفت التفسيرات والدوافع وراء هذا الوعد، فبلفور نفسه برره بأنه بدافع إنساني، في حين رأت فيه مصادر «إسرائيلية» تاريخية مكافأة للباحث حاييم وايزمان لخدمته بريطانيا باكتشافات علمية أثناء الحرب العالمية الأولى.
بينما يرفض الباحثون العرب هذه التفسيرات بكل تأكيد استناداً إلى حجج منطقية وأحداث وقراءات تاريخية مضمونها أن بلفور نفسه «لم يكن يفكر في مأساة اليهود الإنسانية»، بل على العكس من ذلك فقد رفض التدخل لدى الروس لمنعهم من «اضطهاد اليهود». كما أن مساهمة اليهود في دعم بريطانيا في الحرب «كانت محدودة ومقتصرة على بعض اليهود ».
أما لويد جورج الذي أصدرت حكومته الوعد فقد برر القرار في كتابه «الحقيقة حول معاهدات الصلح» بعدة عوامل منها ما يفيد بأنه كان هناك سباق مع ألمانيا حول كسب اليهود إلى جانبهم.
أما الرؤية العربية والإسلامية على إطلاقها فترى أنه كان هناك سعي يهودي حثيث لجعل الوعد جزءاً من الحركة الاستعمارية اليهودية بها لتحقيق أهدافها في المنطقة، خاصة أنه أعقب الوعد بفترة قليلة بداية الاستعمار الفعلي لفلسطين، حيث أتم البريطانيون إخضاعهم لفلسطين ما بين عامي 1917 و1918، ورافق الوعد سياستهم في فلسطين منذ صدوره وحتى خروجهم منها.

وقد أرسلت الرسالة قبل أن يحتل الجيش البريطاني فلسطين، وبعد ذلك تتابعت الهجرة اليهودية من شتى أقطار العالم، وانصهرت في بوتقة اليهودية أكثر من سبعين جنسية من مصر، واليمن، والحبشة، والعراق، والهند، وأوربا، وروسيا، وأمريكا، وغيرها.

أما الشعب الفلسطيني فلم يستسلم للوعود والقرارات البريطانية والوقائع العملية التي بدأت تفرض على الأرض من قبل الحركة اليهودية وعصاباتها المسلحة، بل خاض ثورات متلاحقة، كان أولها ثورة البراق عام 1929، ثم تلتها ثورة 1936.
من جهتها اتخذت الحركة اليهودية العالمية وقادتها من هذا الوعد مستنداً قانونياً لتدعم به مطالبها المتمثلة، في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وتحقيق حلم اليهود بالحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي لهم، يجمع شتاتهم بما ينسجم وتوجهات حركتهم، بعد انتقالها من مرحلة التنظير لأفكارها إلى حيز التنفيذ في أعقاب مؤتمرهم الأول، الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، والذي أقرّ بأن الحركة تكافح من أجل إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.
وتمكن اليهود من استغلال تلك القصاصة الصادرة عن آرثر بلفور، ومن ثم صك الانتداب، وقرار الجمعية العامة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ليحققوا حلمهم بإقامة «إسرائيل» في الخامس عشر من أيار عام 1948، وليحظى هذا الكيان بعضوية الأمم المتحدة بضغط الدول الكبرى، ولتصبح «إسرائيل» أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي التي تنشأ على أرض الغير، وتلقى مساندة دولية جعلتها تتغطرس في المنطقة، وتتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه دون رحمة.

وعد بريطاني وموافقة دولية

عرضت الحكومة البريطانية نص تصريح بلفور على الرئيس الأمريكي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسمياً سنة 1918، ثم تبعها الرئيس الأمريكي ولسون رسمياً وعلنياً سنة 1919، وكذلك اليابان، وفي 25 أبريل/‏‏نيسان سنة 1920، كما وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر سان ريمو على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 يوليو/‏‏تموز عام 1922 وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 سبتمبر /‏‏أيلول 1923، وبذلك يمكننا القول، إن وعد بلفور كان وعداً غربياً، وليس بريطانياً فحسب.
الخميس المقبل الموافق 2نوفمبر تمر مئة عام على وعد بلفور المشؤوم ،ولأن الكوارث لا تأتي فرادى فهذه الأيام أيضاً نمر بذكرى سبعون عاماً على قرار التقسيم، وخمسون عاماً على حرب يونيو، كلها تحكي تراجيديا كبيرة لأمة كبيرة لكنها مفتتة فافتقدت قدرتها على التأثير بل وصل الأمر إلى أنها لاتعرف ربما إلى أين المصير ؟
.. كل هذه الكوارث تحتاج إلى وقفة وفحص وتمحيص وإعادة قراءة، ليس بهدف البكاء على الأطلال؛ ولكن لمعرفة أين نقف وكيف يمكن أن نستوعب ما حدث ونضع خطة للتحرك من خلال إطلالة كبيرة على المستقبل تخفف من الحصاد المر الذي جنيناه على مدى 100 عام مضت، لعل وعسى ننقذ الأقصى من مؤامرة هدمه، ونعيد من تم تشريدهم إلى منازلهم، ونواجه المؤامرة الدولية بتحرك عربي إسلامي واضح الرؤية ومحدد المعالم.. وهذا ما تكشفه وتناقشه الخليج في الملف التالي:

مكافأة من لايملك لمن لايستحق

كشف (لويد جورج)، رئيس الوزارة البريطانية الأسبق في مذكراته عن الدور الذي قام به وايزمان في خدمة بريطانيا إبان الحرب العظمى، وذلك عندما ساعد بريطانيا في استخراج مادة الأسيتون التي تستخدم في صنع الذخائر الحربية التي كانت تستخرج من خشب الأشجار.
وأخيراً اهتدى لويد- وكان يومئذ رئيس لجنة الذخائر- إلى أستاذ بارع في الكيمياء وضع مواهبه تحت تصرف بريطانيا، وهو الدكتور (وايزمان)، وكان وايزمان مقتنعاً بأن أمل اليهود رهين بانتصار الحلفاء؛ فاستطاع بعد بضعة أسابيع أن يستخرج المادة المطلوبة الأسيتون من عناصر أخرى غير الخشب، ورفض الدكتور (وايزمان) أي جزاء مقابل عمله، بشرط أن تصنع بريطانيا شيئاً في سبيل الوطن القومي اليهودي ، فكان ذلك الوعد...2 نوفمبر عام (1917) م. وكان الثمن إعطاء من لا يملك شيئاً لمن لا يستحق شيئاً.