الشارقة «الخليج»:

نشأ حلف شمال الأطلسي للضرورة كتجمع دفاعي غربي بعد الحرب العالمية الثانية، ليمثل جهداً جماعياً يسلك في خيطه الدول الغربية على ضفتي الأطلسي والتي تمثل حسب الدعاية الأمريكية آنذاك العالم الحر، في وجه الاتحاد السوفييتي قائد الشيوعية في العالم، والذي كانت عقيدته السياسية والعسكرية تنص على الانتشار والتوسع في العالم لهزيمة الرأسمالية. وقد كان الحلف في عقود الحرب الباردة بين الشرق والغرب في قلب المعركة بين الطرفين خاصة وأن دول المعسكر الاشتراكي أسست حلف وارسو لمواجهة حلف الأطلسي. ولم يكن خافياً أن الولايات المتحدة التي كان لدورها العسكري والاقتصادي أهمية حاسمة في القضاء على النازية وإعادة بناء أوروبا من جديد وضخ الدماء في شرايين اقتصاداتها.

كانت الولايات المتحدة تجد في الحلف مظلة شرعية لمواجهة الدب الروسي،ولم تكن الدول الأوروبية الغربية آنذاك في وارد القدرة على صد أي هجوم تقليدي أو صاروخي نووي روسي،ما أطلق يد الولايات المتحدة في إنشاء القواعد العسكرية الأمريكية في سائر أنحاء أوروبا ونشر صواريخ نووية متوسطة وقصيرة المدى لردع أي محاولة سوفييتية لغزو أوروبا الغربية،خاصة أن الجيش الروسي كان قادراً على الدوام على القيام بخطوة هجومية عملاقة بين عشية وضحاها،ففي ليلة واحدة تم تشييد جدار برلين ليفصل منطقتي النفوذ السوفييتية والغربية في المدينة، كما أن الجيش الروسي بين ليلة وضحاها غزا المجر في عقد الخمسينات وتشيكوسلوفاكيا في الستينات للقضاء على ربيع المجر وبراغ.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحل حلف وارسو، وانضمام كثير من دول الاتحاد السوفييتي السابقة في الشطر الأوروبي منه إلى الاتحاد الأوروبي،لم تعد هناك حاجة ماسة لاستمرار الحلف بعد أن فقد المبرر لإنشائه إضافة إلى أن الاشتراكيين والليبراليين الذين طالما عارضوا النشر النووي في بقاع القارة العجوز إبان الحرب الباردة نجحوا في ابتكار صيغ للتقارب مع روسيا . فأنشأ حلف الأطلسي مجلس الناتو -روسيا للتنسيق والحوار بين الطرفين، كما أن انضمام روسيا لمجلس الأمن والسلم الأوروبي كفل منصة مناسبة للتعاطي مع قضايا الأمن والسلام في أوروبا.

لكن مع بروز تيار العولمة الأمريكية وغطرسة القطب الأحادي في تسعينات القرن الماضي، اقترحت الولايات المتحدة والحكومات المحافظة الموالية في أوروبا تحويل الحلف إلى قوة تدخل سريع في أنحاء العالم لكفالة السلم والأمن وردع الإرهاب.لكن حروب البلقان وأفغانستان والعراق أثبتت أن دول الحلف الأوروبية ليست مستعدة للانخراط بقوة في أي عمل عسكري خارج الحدود الأوروبية،كما أنها ليست مستعدة لبذل الغالي والنفيس والتضحية بالأرواح وإنفاق المال من أجل الدفاع المفترض عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

رغم أن التدخل في البلقان وأفغانستان والعراق كان صورياً تحت راية الناتو وتحالف الراغبين، فلم يكن ذلك إلا غطاء للإرادتين العسكريتين الأمريكية والبريطانية اللتين تولتا وزر الحربين في العراق وأفغانستان.

والحلف أكمل نحو السبعين عاماً من العمر وبعد ثلاثة عقود من انهيار العدو السابق،تعود الأسئلة لتتجدد حول الحلف الغربي وجوده وضرورته واستمراره.

أكمل الحلف العسكري الغربي سبعين عاماً من دون أن يخوض مواجهة خاسرة، لكنه بدا في قمة دوله الأخيرة في الاسبوع الاول من ديسمبر،مثقلاً بالخلافات والأسئلة الوجودية حول المستقبل وخياراته المتمثلة في احتمالات التفكك والتصفية،وفرص الإصلاح الهيكلي المستحيلة.

أسئلة الأنفاق والحماية والتهميش

منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصب الرئاسة قبل عامين، بدأت الضغوط تتعاظم على الحلف من الشريك الكبير على خلفية حجم الأموال التي يدفعها بقية الشركاء في مجال الدفاع. لقد أثار ترامب الشكوك حول جدوى حلف شمال الأطلسي وانتقد مستوى الالتزام الجماعي بالدفاع. و تساءل لماذا يتوجب على الولايات المتحدة الدفاع عن دولة عضو صغيرة مثل الجبل الأسود والمخاطرة بنشوب «حرب عالمية ثالثة»؟. كما أنه هدد بأن الحماية الأمريكية لن تكون إلا لأولئك الذين يدفعون ما يكفي من المال.

ونشبت الخلافات حول الهدف الذي تم الاتفاق عليه بعد لقاء قمة في 2014 والمتمثل في زيادة نفقات الدفاع حتى 2024 «في اتجاه» أن تشكل 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو في الحلف. وفي الوقت الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة في 2018 ما يعادل 3.39 في المئة من ناتجها الإجمالي، فإن القليل من الأعضاء الأوروبيين في الحلف وصلوا خلال السنة الماضية إلى هدف 2 في المئة.

كما طرح الخلاف الأمريكي الفرنسي وتصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون العنيفة، تحديات كبرى حول الوحدة ورسمت علامة الخطر على مستقبل الحلف. فقد وصف ماكرون «الناتو» بأنه يعيش حالة موت دماغي، وانتقد عجزه عن الرد على هجوم تركيا «المجنون» في شمال سوريا، ومن جهته وصف ترامب تصريحات ماكرون بأنها «مقرفة وبغيضة».

زحف روسي وقوة صينية صاعدة

افترض الحلف الغربي خلال العقود الثلاثة الماضية تحدِّيات متفرِّقة واحتجّ بها لتسويغ استمراره ،ما أغرى بتضخيم بعض المخاطر، مثل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ومكافحة الإرهاب لتسويغ استمراره وتوسعه شرقاً حتى وصل إلى تخوم روسيا، وضم دولاً من حلف وارسو السابق . وأثارت الخطوة حفيظة الروس وإحساسهم بالخطر، الأمر الذي دفع القيادة الروسية للتحرك وضم شبه جزيرة القرم، وفتح خطوط اتصال وتعاون مع عواصم شرق أوروبا ووسطها. علاوة على انتشار روسيا في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال وجودها العسكري في سوريا والمقترح في ليبيا، وتحاول التأثير في النسيج الأوروبيّ الداخلي من خلال قوى شعبوية صاعدة. كما ردّت روسيا على تقدّم الأطلسي على تخومها ونشر منظومات صاروخية أطلسية تراها تهديداً لها، بتطوير منظومات صاروخية بوسعها تحييد القدرات الغربية. وأظهر القضم الخاطف للقرم من أوكرانيا حالة عجز أطلسية عن التصرُّف، وهو ما بعث مخاوف وجودية لدى جمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة(لاتفيا واستونيا ولتوانيا) المنضوية في عضوية الحلف.

لم تَعُد روسيا وحدها عنوان التحدي بالنسبة إلى الأطلسي، فقد عبّرَت قمة لندن عن انشغال متزايد بالصين أيضاً. وقال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ إن على الحلف أن يواجه معاً تزايد قدرات الصين العسكرية التي تشتمل على صواريخ يمكن أن تصل إلى أوروبا والولايات المتحدة.

يرسم الصعود الصيني ملامح عالَم متعدد الأقطاب تحاول واشنطن عرقلته، وقد لا يكون هذا ما يشغل الشركاء الأطلسيين جميعاً. لا يبدو تحجيم طموحات بكين أولوية متماثلة لدى الحلفاء، حتى إنّ الصين تنسج شباكها مع بعضهم كما فعلت مع إيطاليا التي فتحت بوابة أوروبا الموحدة من الجنوب ل«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، فأثارت روما بتوجّهها الانفرادي انتقادات أوروبيَّة داخلية.

منطقة العمليات الخامسة

أثار تبني حلف شمال الأطلسي قرارا باعتبار الفضاء منطقة عمليات استراتيجية، إشكالية كبرى تتصل بتطبيق معاهدة الدفاع المشترك على الفضاء، وتحديداً نص المادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على أحد الحلفاء، يعد هجوماً على الجميع، على الرغم من صعوبة الجزم بمحددات ذلك، وإمكانية تطبيقه في الوقت الراهن.

وأرجع الناتو تلك الخطوة لأسباب دفاعية بحتة، بما يتفق مع أحكام القانون الدولي، وسط مخاوف من تزايد عسكرة الفضاء، خاصة في ظل وجود ما يزيد على 2000 قمر صناعي، يتبع نصفها دول الحلف.

وسعت قيادة الحلف إلى طمأنة المخاوف بشان نواياه من وراء ذلك، وأكدت عدم نشر أسلحة في الفضاء أو تطوير قدرات الحلف الفضائية أو تسليح الفضاء، مشيرة إلى أن الخطوة تهدف إلى التكيف مع التحديات الخارجية الجديدة والتهديدات الهجينة من ناحية، والتأكد من اتساق الفضاء مع مهام الحلف وعملياته المدنية والعسكرية .

وأوضح أن الهدف يتمثل في تطوير التخطيط العسكري، ومواجهة مواطن ضعفه، والاستفادة من القدرات الحالية والمستقبلية، وضمان الأمن الأوروبي، والحفاظ على وحدته وتعزيزها، وضمان نجاح مهامه. ويكمن الإلحاح وراء الفكرة في المخاوف من قدرة الخصوم العسكريين على التشويش على الأقمار الصناعية.

فكما يُستخدم الفضاء في الحياة اليومية للأغراض السلمية، يمكن أن يستخدم أيضاً في النواحي العسكرية إذ يمكن للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية أن تشل الاتصالات والخدمات الأخرى، مثل: السفر، والتنبؤات الجوية، والخدمات المصرفية، وغيرها.

الأطلسي في مواجهة قوة السوفييت

قبل سبعة عقود أسست 12 دولة من أوروبا وأمريكا الشمالية حلف شمال الأطلسي. ونشأ الحلف من أجل «إبقاء الروس في الخارج والأمريكان في الداخل والألمان تحت السيطرة». هذا ما قاله الأمين العام الأول للحلف، هاستينغس إسماي في إحدى الجلسات.

نواة الحلف العسكري كانت معاهدة بروكسل الدفاعية بين بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وفرنسا والمملكة المتحدة. ومع تعاظم الخطر السوفييتي بعد حصار برلين في 1948،نشأت منظمة اتحاد أوروبا الغربية ،ومع الانقلاب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا الذي أطاح الحكومة الديمقراطية،اقترحت بريطانيا تطوير استراتيجية عسكرية غربية مشتركة وانضمت اليها الولايات المتحدة في هذا.

اسفرت محادثات القادة الأوروبيون مع مسؤولي دفاع وعسكريين ودبلوماسيين في البنتاجون، عن بناء تحالف عسكري جديد صكته معاهدة حلف شمال الأطلسي، و شملت المعاهدة خماسية بروكسل بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا والبرتغال وإيطاليا والنرويج والدنمارك وايسلندا.

رغم انهيار الاتحاد السوفيتي في 1990 وانحلال حلف وارسو واعادة توحيد المانيا واستقلال دول البلطيق وبولندا ورومانيا ،استمر الحلف في الوجود واستبدل العدو السوفييتي بوريثه الشرعي روسيا.

وعاد وضع مشابه للحرب الباردة إلى الواجهة. فروسيا تشعر بأنها مهددة بسبب توسيع الحلف إلى الشرق وهي تتسلح لمواجهة ذلك. وهذا يعرقل توسيعاً إضافياً للحلف ضحاياه جورجيا وأوكرانيا ، لأن حلف شمال الأطلسي لا يرغب في التسبب بنزاعات جديدة.

حلف في أزمة

التوقعات حول نهاية حلف «الناتو» وزواله ليست جديدة فقد برزت مرات عديدة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، وتلاشي حلف وارسو المناوئ. وبُعيد التعقيدات الناجمة عن حرب العراق في عام 2003، برزت توقعات عن نهاية حلف شمال الأطلسي استناداً إلى اختفاء العدو الاستراتيجي لعدم تماثل القوى والخلافات حول القضايا العالمية بين طرفي المحيط الأطلسي، لكن الحلف تمسك بالبقاء ونجح في امتصاص كافة العراقيل والعقبات.

لكن الأزمة ظهرت مجدداً بعيد تدخل قوات الحلف في كوسوفو في عام 1999، والذي تحول إلى حرب جوية ذات كثافة محدودة ولفترة طويلة، لقد اكتشف الحلفاء حينها أنهم غير مستعدين للقتال فعلاً من أجل الدفاع عن قيم الديمقراطية والإنسانية العالمية (وبالتالي لم تكن هناك حرب برية)، وفي المقابل خلُصت الولايات المتحدة إلى ضرورة تنفيذ الحملات العسكرية خارج إطار الأجهزة الجماعية للحلف، كما أن هذا التدخل دفع الحلفاء الأوروبيين إلى دعم السياسة الأمنية والدفاعية الجديدة للاتحاد الأوروبي.

أوروبا ومساعي الاستقلال العسكري

أطلق الرئيس الفرنسي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي فكرته الجريئة عن إنشاء جيش أوروبي موحد مستقل عن حلف شمال الأطلسي لحماية القارة؛ ودعمت ألمانيا الاقتراح على الفور وقالت المستشارة ميركل إنها تعول بشدةٍ على فرنسا في العمل على تشكيل جيش أوروبي موحد، مؤكدةً أيضًا ضرورة تنسيق السياسات الخارجية بين برلين وباريس، وذلك أثناء توقيع معاهدة صداقة جديدة بين البلدين في مدينة آخن الألمانية. كما قدم الحزب الاجتماعي المسيحي الألماني (يمين وسط)، مقترحاً بتشكيل جيش أوروبي عالي التسليح في غضون 10 أعوام.

سبق دعوة ماكرون لإنشاء جيش موحد تصريحات لرئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في مايو/أيار 2015، دعا خلالها دول الاتحاد إلى استحداث جيش أوروبي؛ لردع روسيا، وإظهار أن دول القارة مستعدة للدفاع عن نفسها بنفسها. أثار ردود فعل منزعجة من الرئيس الأمريكي ترامب، الذي دعا إلى تعزيز دور الناتو بدلاً من ذلك.

هل يتم إقصاء تركيا من حلف الناتو؟

وفق استطلاع حديث للرأي فإن أغلبية الألمان تؤيد إقصاء تركيا من حلف الناتو، كما أن العديد من السياسيين يدعمون هذه الفكرة. بيد أن هذا قد يكون أمراً غير واقعي.

و يدعم 58 في المئة من الالمان استبعاد تركيا من الحلف بسبب التدخل العسكري في شمال سوريا، و 18 في المئة فقط عارضوا ذلك.أثرت العملية العسكرية التركية «نبع السلام» في شمال سوريا في العلاقات مع حلف الناتو.

وتعتبر أنقرة أن العملية العسكرية في شمال سوريا حققت نجاحاً كبيراً بحيث تم منع قيام دولة كردية،وانجاز أهداف أمنية وسياسية. لكن التدخل التركي شكل تضارباً في المصالح مع غالبية بلدان الناتو: فالتدخل العسكري لم يعزز فقط من تنظيم «داعش» الإرهابي وسهل هرب مقاتلين تابعين له، بل عملت أيضاً هذه العملية العسكرية على تقوية المنافس الأكبر للناتو وهو روسيا. فعملية «نبع السلام» ساعدت موسكو على تقوية موقعها في سوريا وإرساء سوريا «كدولة تابعة للكرملين». وفي الوقت الذي تنتقد فيه غالبية بلدان الناتو العملية التركية بوصفها منافية للقانون الدولي.كما أن السلوك التركي حيال الحرب على الإرهاب وغزو شمال سوريا يتناقض مع سياسة الحلف.

إلى جانب هذا فرضت الولايات المتحدة قائدة حلف الناتو،عقوبات على تركيا بسبب إصرارها على شراء صواريخ «اس 400» الدفاعية الروسية الصنع ،باعتبار أن هذه المنظومة الصاروخية خطر على طائراتها المتطورة، ولا تتوافق مع نوعية التسلح في الدول الأعضاء في الناتو.لكن كثيراً من دول الحلف تعتبر المسألة أمريكية تركية بحتة ولا صلة للحلف بها.