هل تعرف ما الذي يجعلك سعيداً؟، وهل تعتقد أنك تستطيع تهيئة الظروف وصناعة المستقبل الذي يوفر لك مشاعر السعادة؟، إذا كانت إجابتك بالإيجاب، فهل سألت نفسك يوماً ما الذي تعنيه كلمة السعادة؟، وكيف لنا أن نصل إلى إجابات دقيقة لأسئلة عن أمر غير ملموس كمشاعر الرضا والسعادة؟ لمساعدتك في الوصول إلى إجابات لكل التساؤلات السابقة اخترنا هنا استعراض كتاب عالم النفس الأمريكي دانييل جيلبرت الصادر قبل سنوات تحت عنوان كيف نجد السعادة؟
يبدأ جيلبرت كتابه قائلاً: «يتميز الإنسان عن الكائنات الأخرى بقدرته على التطلع إلى المستقبل. لكن المشكلة أننا كبشر نميل للتعامل مع مستقبلنا وكأنه طفلنا المدلل، فنقضي أغلب وقتنا في التخطيط محاولين رسم غدنا السعيد. بدلاً من الاستمتاع بحاضرنا بكل ما فيه من مزايا وعيوب نثقل كواهلنا بالبحث عما سيوفر لنا الرفاهية والراحة في المستقبل. نحن في الغالب نربط بين احتياجاتنا وتطلعاتنا الحالية كالحصول على ترقية أو شراء سيارة أو حتى تناول وجبة رائعة، وبين ما ستجلب لنا أو هكذا نظن من سعادة وامتنان ورضا، وماستولده فينا من فخر ناتج عما بذلناه من جهد في سبيل تحقيق هذه الرغبة. إلا أننا نصطدم بالواقع الذي يخالف توقعاتنا ونلوم أنفسنا ونجحد بجهودنا التي طالما بذلناها في الماضي، إذا ما أخفقنا في تحقيق السعادة المستقبلية التي طالما نشدناها».
وتحت عنوان لافت هو «التوقع فن التطلع» يتعجب جيلبرت من طرح السؤال الساذج الذي يطرحه دوماً الكبار على الصغار وهو«ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟» متوقعين إجابات تثير الضحك عندما يختار الأطفال أن يصبحوا «بائعى حلوى» أو لاعبي كرة مشاهير. وهنا يوضح الكاتب فكرته قائلاً «تثير هذه الإجابات الضحك حقاً، وذلك لأن احتمالات عمل الطفل في المستقبل خلال هذه الوظائف تكاد تكون ضعيفة، أو حتى معدومة. وقد تكون هذه الإجابات غير مناسبة للسؤال المطروح، ولكنها في المقابل مناسبة لسؤال آخر، وهو: ماذا تريد أن تصبح الآن؟ فالأطفال لا يستطيعون توقع ما سيحدث لاحقاً لأنهم لا يفهمون ما الذي تعنيه كلمة «لاحقاً»، فضلاً عن أنهم لا يهتمون بما سيلحق بحياتهم غداً أو بعد غد. لذلك يتجاهلون الرد على سؤال المستقبل مكتفين بالإجابة عن السؤال الذي يستطيعون الإفادة عنه».
ويقدم جيلبرت لقرائه تعريفاً بسيطاً للسعادة قائلاً«هي كلمة نستخدمها للإشارة إلى كل ما يحلو لنا من أشياء، وما يولد في داخلنا مشاعر إيجابية». ويصنفها إلى 3 أنواع،أولها سعادة عاطفية وهي الأهم وتستخدم في التعبير عن شعور أو حالة ذاتية، ومن أمثلتها الشعور الذي يعتريك عندما ترى طفلك أو حفيدك يبتسم للمرة الأولى، أو عندما تتلقى خبراً بالترقية، أو عندما تتخرج بشهادة جامعية مرموقة.
أما النوع الثاني منها فهي الأخلاقية والتي ربط فيها الفلاسفة عبر تاريخ البشرية بين السعادة من ناحية والفضيلة من ناحية أخرى. أما النوع الأخير فهو«السعادة التقديرية» وعنه يقول جيلبرت: «كيف نفرق بين تعبير الشخص عن وجهة نظره، وبين ما يزعمه حول خبراته الذاتية. عندما نقول أننا سعداء بهذا أو بذاك، فنحن نشير إلى شيء ما باعتباره سبباً قوياً لمشاعر البهجة أو إلى شيء كان فيما مضى مصدراً للسعادة، لكنه ربما لا يكون كذلك في المستقبل».
تميز جيلبرت في كتابه «كيف نجد السعادة» بتقديم مقاربة هامة لما يعرف ب«ما وراء السعادة» ويشرحه قائلاً: «قبل القبول بمزاعم الناس حيال شعورهم بالسعادة يجب أن نحدد أولاً ما إذا كان بمقدور أى شخص أن يخطئ في إدراك مشاعره أم لا؟، قد نرتكب أخطاء حيال الكثير من الأمور، لكن هل يمكن أن نخطئ في إدراك مشاعرنا الشخصية؟، وهل يمكننا الاعتقاد بأننا نشعر بشيء لا نشعر به حقاً؟ وهل هناك بالفعل من لا يستطيعون الإجابة بدقة عن مثل هذه الأسئلة التي تبدو سهلة وواضحة؟». ويقدم الكاتب الإجابة واضحة«نعم هؤلاء الأشخاص موجودون بالفعل، فقط أنظر إلى المرآة وسترى أحدهم».
ويستعرض الكتاب عدة عيوب تعتري خيالنا المحدود الباحث عن السعادة في المستقبل، منها التركيز على أمور وإهمال أو نسيان أمور أخرى، إلى جانب ميل الخيال للتأثر بمشاعرنا في الحاضر خلال تخيلنا المستقبل (حاول مثلاً أن تتسوق وأنت خاوي المعدة وستشعر بجوع شديد، وستعلم كيف تؤثر مشاعرنا الحالية بشكل خاطئ في تصورنا لمشاعرنا لاحقاً في المستقبل).
ويطرح جيلبرت على قرائه 3 أسئلة ستحدد إجابتها كيفية صنع سعادتهم، وهنا يقول «نحن نتخذ على الأقل 3 قرارات حاسمة ومهمة في حياتنا وهي: أين نعيش الجزء الأكبر من حياتنا (السكن)؟ وماذا نعمل لنحقق ذواتنا (المهنة)؟ ومن سيكون شريك حياتنا (الزواج)؟ والسؤال الأهم هنا كيف نتخذ هذه القرارات؟».
ويضيف: «في ظل عدم وجود معادلة متكاملة لتوقع وصناعة المستقبل، فإننا نفعل مثلما يفعل أغلب البشر «نتخيل» فعقولنا تتمتع ببنية فريدة تسمح لنا بالانتقال ذهنياً إلى ظروف مستقبلية لنسأل أنفسنا عن شعورنا حيالها. لقد أثبت العلم أننا عندما نتخيل المستقبل، نصنع تفاصيل لن تحدث بالفعل، ونتجاهل بعضها والتي قد تقع فعلاً. فإذا كنا لا نستطيع تجاهل مشاعرنا في اللحظة الحاضرة، فإنه من المستحيل تحديد ما سيحدث لاحقاً. إذاً الحقيقة هي أنه لا توجد معادلة بسيطة للعثور على السعادة، والأفضل من البحث عنها، أو ترتيب الظروف التي تجعلنا سعداء في المستقبل، علينا صنع الواقع السعيد الذي نرغبه الآن، وليس ما نبحث عنه بعد سنوات».
الحقيقة القاسية والوهم المريح
يعتبر دانييل جيلبرت حياتنا مزيجاً من الحقيقة القاسية والوهم المريح، ولا يمكننا إغفال أي منهما. ويقول: «إذا تعاملنا مع العالم من حولنا كما هو تماماً، فربما نعاني اكتئاباً شديداً يحول دون ممارستنا لأنشطة الحياة اليومية بالشكل الملائم. وإذا تعاملنا معه كما نتمناه ونتخيله، فسنعيش في وهم مطبق يمنعنا من الاستمتاع بالحياة بالشكل الطبيعي. لا يمكننا إذاً أن نعيش من دون الواقع ولا يمكننا العيش من دون الوهم فكل منهما يلعب دوراً في حياتنا ويفرض قيوداً تحد من تأثير الآخر فينا».
ويضيف: «يعتبر جهاز المناعة النفسي من أهم أدوات العقل للحفاظ على التوازن بين الحقائق والأوهام. وبدلاً من النظر إلى بعض الأشخاص باعتبارهم مفرطي التفاؤل لدرجة السذاجة يمكن التفكير فيهم وكأنهم يتمتعون بجهاز مناعي نفسي يحميهم من التعاسة، وذلك بنفس الطريقة التي يحمي بها جهاز المناعة الجسم من الأمراض».
الاستفادة من خبرات الآخرين
على الرغم من صعوبة التنبؤ بالمستقبل، فإننا نجد أنفسنا أمام ضرورة تحتم علينا اتخاذ مجموعة من القرارات المتعلقة به سواء ذلك الذي نستهدف الوصول إليه، أو الذي نريد تجنبه. ولكن إذا كنا معرضين لارتكاب الكثير من الأخطاء عند تخيله، فكيف سنتمكن من اتخاذ قرارات صحيحة حياله؟ هنا يقدم الإجابة دانييل جيلبرت قائلاً: «من ميزاتنا ككائنات اجتماعية قدرتنا على الاستفادة من خبرات الآخرين دون الحاجة إلى خوضها بأنفسنا. وتمثل تلك القدرة على تبادل الخبرات حلاً بسيطاً للمشكلة الرئيسية التي نناقشها في هذا الكتاب وهي تخيل المستقبل. لأنها تبقى دائماً منقوصة ومعيبة ولكن لا مشكلة في ذلك، لأننا لسنا مضطرين لتخيل مشاعرنا ومستوى سعادتنا كلما قررنا الانتقال إلى مدينة جديدة، أو تناول طعام جديد لأن هناك أشخاصاً كثيرين نعرفهم، ممن خاضوا هذه التجارب بالفعل، ويسعدهم التحدث عنها. كلنا محاطون بأشخاص مستعدين لعرض تجاربهم وخبراتهم في الحياة، وحينما نستمع إليهم نتمكن من معرفة أي مستقبل يجدر بنا اختياره».
ويضيف: «ربما لا يثق كثير منا بكلام الآخرين عندما يتحدثون عن تجاربهم السابقة، ولكن عندما يخبروننا بتجاربهم الحالية، فهم يمدوننا بإفادة لحظية عن حالتهم الشخصية التي تعتبر معياراً ذهبياً لقياس السعادة».