إعداد:عبير حسين 

هل يمكننا التعلم من خبرات الآخرين ومواقفهم من الحياة أكثر مما نستفيد من الدراسات الأكاديمية والمصادر العلمية؟ الكاتبة الأمريكية جريتشن روبن أجابت بالإيجاب على السؤال السابق مؤكدة في مقدمة كتابها«مشروع السعادة» أن الخبرات الفردية التي يشعر المرء بأنها قريبة منه وتسمح بالتعايش معها والاستفادة منها بل وتقليدها تكون أكثر فائدة وإيجابية من قراءة عشرات الدراسات العلمية والخبرات الأكاديمية، قائلة في المقدمة «لاحظت خلال دراستي للسعادة أنني أجد فائدة عظيمة في الخبرات والتجارب المحددة التي أقر أصحابها بأنهم استفادوا منها، حتى في غياب أي تشابه بيننا. لم أتوقع إطلاقاً أن يصبح أكثر المصادر إلهاماً وتوجيهاً لي أحد المرضى «بمتلازمة توريت»، وشاب يعاني مرضاً نادراً، وروائي روسي حاذق».
قدمت روبن في كتابها تجربتها الشخصية التي وضعت فيها مشروعاً خاصاً للسعادة يتضمن أداء مهام محددة كل شهر، وأكدت أنها أصبحت بفضل التجربة أكثر انطلاقاً ورضا عن النفس وذات نفع للآخرين داخل عائلتها ومجتمعها، مشيرة إلى أن كلاً منا يمكنه أن يمتلك مشروعاً خاصاً لإسعاد نفسه بالاستفادة من تجارب الآخرين بشرط معرفته العميقة بذاته أولاً حتى يعرف على أي أرضية يقف، وإلى أين يتجه.

سر السعادة

عادة تختلف مصادر سعادة كل منا، فبينما يجدها البعض في الحياة الرغدة السهلة، يعثر عليها آخرون وسط معاناتهم وظروفهم الصعبة، وكما أن المال لا يضمن السعادة للأثرياء، كذلك لا يعاني كل الفقراء التعاسة، وهذا يدفعنا للتساؤل عن السبب الذي دفع روبن إلى التفكير في مشروعها الخاص بالسعادة، وتخصيص عام كامل لتنفيذه، ومن ثم تسجيله في واحد من أفضل الكتب مبيعاً على قائمة نيويورك تايمز لعدة أشهر متتالية. والإجابة هنا تقدمها صاحبة التجربة والمشروع قائلة «لا أدعي أني أمتلك إلهاماً كبيراً، أو تعرضت لمعاناة قاسية دفعتني للبحث عن سر السعادة. كل ما حدث أني توقفت ذات صباح في محطة الحافلات التي اعتدت التوجه منها إلى عملي في مدينة نيويورك وأدركت وسط ملل تكرار نفس الإيقاع اليومي أن الأيام طويلة للغاية في حين أن الأعوام قصيرة. شعرت للمرة الأولى أن العمر يمر بدون التركيز على الأشياء التي تهمني فعلاً. في تلك اللحظة واتتني فكرة مشروع السعادة». لم تتخذ روبن قراراً ثورياً بتغيير نفسها وحياتها بشكل جذري، وبدلاً من ذلك ركزت على تحسين حياتها كما هي.
تعاملت كل شهر مع مجموعة جديدة من الأفكار مثل: اطلب المساعدة، احتفظ بكتيب الامتنان، اهتم بالعائلة، انس النتائج، كن جاداً بشأن وقت اللعب، خصص وقتاً للأصدقاء وكانت في كل مرة تختبر فكرة ما لترى مدى نفعها، أو عدم جدواها لها. وهنا تقول «كانت استنتاجاتي الشخصية أحياناً مذهلة، اكتشفت أن المال قادر على شراء السعادة عندما ينفق بحكمة. وأن التجديد ومواجهة التحديات يعدان مصادر قوية للسعادة، وأن تدليلك نفسك ربما يزيد من سوء حالتك، وان التنفيس عن المشاعر الغاضبة لا يخلصك منها، وأن أبسط التغييرات يمكن أن يحقق أكبر الاختلافات».

الشعور بالملل

تبدأ روبن كتابها بتوجيه كلمة إلى القارئ قائلة «إن مشروع السعادة هو طريقة لتغيير حياتك، والمرحلة الأولى منها هي مرحلة الإعداد، تلك المرحلة التي تحدد فيها ما يدخل الشعور بالبهجة إلى قلبك. وكذلك عليك أن تحدد في هذه المرحلة ما يقودك إلى الشعور بالملل والندم. وتأتي في المرحلة الثانية عملية اتخاذ القرارات وهي تلك المرحلة التي تحدد فيها الخطوات التي ستتخذها لتعزيز شعورك بالسعادة. ثم يحين دور الجزء المثير من المشروع، والمتمثل في تنفيذ القرارات التي عقدت العزم عليها».
وتؤكد روبن أن لكل منا «مشروعه الخاص للسعادة» لكن كذلك من النادر ألا يستفيد شخص من فكرة مشروع حتى ولو لم يكن مشروعه الخاص. كما تقدم عبر مدونتها، وموقعها الخاص Happiness Project Toolbox أدوات من شأنها مساعدة من يريد على تصميم مشروع سعادته الخاص.
تقول روبن في «مشروع السعادة» من الصعب على المرء تذكر الأمور ذات الأهمية الحقيقية في الحياة وسط روتينها المعتاد. كانت كلمات الكاتب الأمريكي كيفين كولت تطاردني: «كم كانت حياتي رائعة! كم أتمنى لو كنت قد أدركت روعتها في وقت مبكر لا أريد إعادة النظر إلى حياتي وأنا على مشارف نهايتها، أو أن أنظر إليها بعد وقوع كارثة عظيمة وأقول: كم كنت سعيدة حينها، ليتني كنت أدرك ذلك فقط. أخذت الأفكار تتصارع في رأسي، وبينما كنت جالسة في تلك الحافلة المزدحمة أدركت أمرين: أنني لم أكن بالسعادة التي يجدر بي أن أكون عليها. وأن حياتي لن تتغير أبداً ما لم أغيرها بنفسي، وفي تلك اللحظة تحديداً قررت أن أكرس عاماً كاملاً في محاولة السعي إلى مزيد من السعادة.
بدأت روبن العمل على مشروعها الخاص للسعادة، وكانت الخطوة الأولى التي يجب اجتيازها هي اكتشاف ذاتها، والتعرف إلى ما يجلب السعادة لنفسها وهنا كتبت قائلة: إن الناس يعلمون الآخرين ما يحتاجون هم إلى تعلمه. وإنني بتقمصي لدور معلم السعادة كنت أحاول التوصل إلى منهج أتمكن من خلاله من هزيمة نقائصي وتجاوز حدودي.
وأضافت: كان ذلك الوقت الذي أتوقع فيه المزيد من نفسي. وكنت كلما أخذت في التفكير في معنى السعادة الحقيقية دخلت في حالة مستمرة من التناقضات. لقد أردت أن أغير نفسي، ولكن في الوقت نفسه كان علي تقبل ذاتي.

عوامل وراثية

كانت القراءة المفتاح الأول لمساعدة روبن على إنجاز مشروعها الخاص بالسعادة، فعملت على استكشاف معاني السعادة كما قدمتها الفلسفات القديمة والحديثة، كما تعددت قراءتها لكتب مشاهير في علم النفس الإيجابي أمثال اد دينير، مارتن سيلجمان، ودانيال جيلبرت، كما تعرفت إلى أكثر الأفكار إثارة حول السعادة عبر الروائيين المفضلين لديها، وأظهرت قراءاتها أنه ينبغي عليها الإجابة على سؤالين مهمين وعنهما تقول كان السؤال الأول: هل أؤمن حقاً بأنه من الممكن أن أصبح شخصاً أكثر سعادة؟ وخلصت إلى الإجابة بنعم فالأبحاث الحديثة المهتمة بقياس مستوى سعادة الفرد أشارت إلى أن العوامل الوراثية هي المسؤولة عن 50% من مستوى سعادته، بينما تتوقف نسبة من 10 إلى 20% على عوامل مثل العمر والحالة الاجتماعية والدخل والصحة، وتعتمد باقي النسبة الكيفية التي يفكر بها الإنسان ويتصرف من خلالها.
وأضافت: أما السؤال الثاني الذي بدا ملحاً فكان: ماهي السعادة؟ لقد حددت إحدى دراسات علم النفس الإيجابي 15 تعريفاً أكاديمياً للسعادة، ولم يكن من الضروري بالنسبة لمشروعي إهدار الكثير من طاقتي في استكشاف الفروق بين مصطلحات «السعادة الموضوعية» و«التأثير الإيجابي» و«نغمة اللذة» وغيرها من المصطلحات الكثيرة. وبدلاً من ذلك اتبعت العرف الذي ابتكره بوتر ستيوارت رئيس محكمة العدل العليا حينما قال في تعريفه للسمنة «إنني أعرفها عندما أراها» وأنا أعرف الحالة التي أكون عليها عندما أشعر بالسعادة وهذا كاف بالنسبة للغاية التي أنشدها.

12وصية

تعلمت روبن من قراءتها المتعددة عن السعادة أن أكثر العوامل المؤدية إليها هي الروابط الاجتماعية، ومن ثم فقد قررت إعطاء أهمية خاصة لروابط الزواج، والعائلة، والصداقات في مشروعها، كما أدركت أن سعادتها تعتمد بشكل كبير على نظرتها للأمور فأعطت اهتماماً خاصاً للعمل، إضافة إلى موضوعات أخرى مثل «اللعب» ووقت الفراغ. ونجحت في وضع 12 «وصية» هامة لابد أن تلتزم بها خلال مشروعها ومن أهمها: أن تكون نفسها، وأن تتجاهل صغائر الأمور، وأن تقوم بالشيء الآن، وأن تتصرف على النحو الذي ترغب في الشعور به، وأن تستمتع بما تعمله، وأن تكون مهذبة وعادلة، وأن تبتهج، وأن تلتزم بواجباتها، وأن تعامل الجميع بالمحبة والمودة.

«مخطط الفضائل».. مشروع جريء

انتقلت الكاتبة جريتشن روبن إلى المستوى الثاني وهو كيفية تحديد السبيل الذي يمكن ان تسلكه حتى تصبح شخصاً أكثر سعادة، وهنا ابدت تأثراً واضحاً بتجربة بنجامين فرانكلين الذي كان من أوائل من تحدثوا عن فكرة «الإدراك الذاتي» عندما تحدث في سيرته الذاتية كيف صمم «مخطط فضائله» الخاص بمشروعه الجريء للوصول إلى الكمال الأخلاقي. وهنا كتبت روبن قائلة «حدد فرانكلين لنفسه 13 فضيلة للعمل على صقلها وهي القناعة والصمت والنظام والعزم والاقتصاد والمثابرة والإخلاص والعدالة والاعتدال والنظافة والسكينة والعفة والتواضع، ثم وضع جدولا بيانيا يضم هذه الفضائل وأيام الأسبوع وفي كل مرة يعطي لنفسه درجة على مدى التزامه بتلك الفضائل من عدمه».
وأضافت: «صممت نسختي الخاصة من جدول رصد الدرجات وهو ما كان أشبه بتقويم يومي أتمكن من خلاله من تدوين جميع قراراتي وتقييم مدى التزامي بها من خلال منح نفسي يومياً علامة (جيد) أو (سيئ) على كل قرار أتخذه، وعملت كذلك إلى تكوين الفضائل الخاصة بي، فلم تكن كل فضائل فرانكلين تهمني بنفس الدرجة». وهنا تشير روبن إلى ان مشروع كل منا للسعادة سيختلف عن الآخر فبينما يرى البعض القناعة والصمت هما الطريق الأمثل للرضا عن النفس، يرى الآخر ان تعميق صداقاته، وتحسين حياته العائلية هو الأهم، بينما يرى طرف ثالث ان العمل التطوعي هو الخطوة الأولى وهكذا. وهنا ليس مهماً ان نتفق في البداية، أو نستخدم نفس الطريق، وإنما الأهم هو الوصول إلى الغاية المشتركة وهي السعادة.