أسطورة جوليات الفلسطيني: هل انتصرت أقلية على أكثرية العام 1948؟

ستون عاماً انقضت على نكبة فلسطين. ستون صفحة طواها كتاب الذاكرة لدى بعضنا، ودفتر النسيان لدى بعضنا الآخر. ستون عاماً في رزنامة الورق المبعثر على جدران الأمل.. لكنها ستة ملايين سؤال ومثلها أصداء في وادي النسيان العربي السحيق: متى أعود؟ ستون عاماً وملايين الحناجر تردد مع محمود درويش: أين أهلي؟ خرجوا من خيمة المنفى، وعادوا مرة أخرى سبايا. لكن لاجئة غسان كنفاني أم سعد حسمت الأمر وقضت بأن الخيمة ليست للجوء فحسب وقطعت بأن خيمة عن خيمة تفرق.

أم سعد هي ملايين اللاجئين الذين صهرهم بعض فرسان الكلام في مرجل الروتين وتجارة الشعارات ومسودات الحلول مدفوعة الثمن من بنوك ممولي النكبة. ملايين أريد لهم أن يظلوا للأبد متسولين على أعتاب وكالة الغوث، أو مواطنين معززين مكرمين خارج وطنهم، شريطة أن ينسوه أو يبيعوه للصوص وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق.

ستون عاماً وهذه ال إسرائيل لم تنجح إلا في البقاء عضواً غريباً في جسد لم ولن يألفها.. ومهما طال زمانها الأسود، لن تسمع من أحرار وشرفاء الأمة سوى الوجع المعبأ في جعب من الحقد المقدس ونشيد الأمل على إيقاع درويش الذي أنشد: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.. على هذه الأرض.. أم البدايات.. أم النهايات.. كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين.

الخليج تفتح كتاب النكبة على مصراعيه، تجول في ثنايا المخيمات وفي الذاكرة الفلسطينية من كهولها وتقرأ فيها الأمل والرجاء والعزم والاصرار على التمسك بالأرض والحق فمفاتيح المنازل مخبأة في القلوب، وسنوات التيه والتشرد لم تمسح عنها زهر البرتقال وشميم الأرض. والذاكرة الفلسطينية لا تزال حية ومتوقدة في روح من عاصروا النكبة ومن عاشوا سنوات جمرها على امتداد الوطن العربي، يقرأوون منها دروس الحاضر والمستقبل.

مهند مصطفى *

تلعب الاسطورة (Myth) دوراً مهماً في الذاكرة الجماعية للشعوب، وفي صياغة الرواية التاريخية الجماعية، وكان دور الاسطورة فاعلا اكثر قبل ظهور البحث العلمي التاريخي وقبل أن تتحول الكتابة التاريخية الى عمل مهني في القرن الأخير. والاسطورة ببساطة هي القصص والروايات التي نقلها الاسلاف للاخلاف حول احداث تاريخية، ووجدت مرتعها في الذاكرة الجماعية والتاريخية للشعوب، وبرزت الاسطورة التاريخية بالذات في المواقع واللحظات التاريخية التي عجز فيها العقل عن تفسير احداث تاريخية وسياسية، فتكونت حولها اساطير تحولت الى مركب مهم في الهوية الجماعية والرواية التاريخية.

لست هنا بصدد دراسة ونقاش ونقد الادبيات التي تتعرض للاساطير، ولكن لا بد من القول ان كل ذاكرة جماعية لأي شعب تحمل أسساً اسطورية، واهتمام المؤرخين وعلماء السياسة والاجتماع بالاساطير هو فقط من زاوية تأثيرها على هذه الذاكرة الجماعية وعملية بلورتها.

في هذا المقال سأحاول ان أتطرق بعجالة الى احدى الاساطير التي تأسست عليها الذاكرة التاريخية الاسرائيلية، وهي اسطورة جوليات الفلسطيني، والتي تدعي أن أقلية (المجتمع اليهودي) غلبت اكثرية (الفلسطينيين) في حرب ،1948 وقد غذت ابحاث علمية وروايات وقصص تاريخية وتقارير صحافية هذه الاسطورة بوعي ومن دون وعي، بشكل مقصود وبشكل غير مقصود. ولا تحمل هذه الاسطورة معاني تاريخية فقط، بل تحمل معاني ايديولوجية كانت ملحة للحركة الصهيونية في عملية بناء الدولة. ولكن لم تبق هذه الاسطورة حكرا على الذاكرة التاريخية الاسرائيلية، بل تسربت الى الذاكرة التاريخية الفلسطينية، والتي بدورها انتجت اساطير أخرى مبنية على هذه الاسطورة، اساطير تشير الى مؤامرات وخيانات العرب والفلسطينيين في عام ،1948 لأن التفسير العقلاني لا يمكن له ان يقبل انتصار اقلية على اكثرية من دون مؤامرات وخيانات. بينما في الحقيقة ان ما حدث هو انتصار اكثرية (كما ونوعا) على اقلية، يحاول هذا المقال الادعاء انه يمكن تفسير النكبة عقلانيا رغم عدم غياب بعض خيوط المؤامرة في تفسيرها.

وتتلخص قصة جوليات في الذاكرة التاريخية اليهودية والتي تذكرها الكتب الدينية اليهودية (كتاب شموئيل، المجلد الاول، الفصل 17)، بانتصار داوود (الذي سيصبح ملكا فيما بعد) على جوليات من قوم العمالقة، وتشكل هذه القصة التاريخية رمزا مهماً في الهوية الجماعية اليهودية، والتي تمثل انتصار الاقلية على الاكثرية، الضعف على القوة بسبب قوة الفكرة، الخير أمام الشر، وقائمة طويلة من الثنائيات المطلقة التي تزخر بها الذاكرة التاريخية والتي غذتها أساطير احاطت بالقصة.

انتقلت هذه الاسطورة الى كتب ومناهج التعليم في المدارس اليهودية، والتي كانت تدرس الطلاب ان المجتمع اليهودي (الييشوف) كان معرضا لخطر الابادة ومحاطا بالجيوش العربية الكثيرة، ولكن استطاعت الأقلية بسبب صدق فكرتها واخلاقيتها هزيمة الاكثرية الفلسطينية.

وقد ساهم في تكريس الاسطورة، التي تحولت الى قناعة تاريخية وحافزاً ايديولوجياً، ابقاء الاحصائيات حول قوة المنظمات العسكرية اليهودية وفيما بعد قوة الجيش الاسرائيلي خلال الحرب في طي السرية والكتمان.

في العام 1999 اصدر المؤرخ ايال نفيه كتابا لمنهاج التاريخ للصفوف التاسعة في المدارس اليهودية، وقد ورد في الكتاب في الصفحة 143 الجملة اليتيمة التالية: تقريبا في كل جبهة وفي كل معركة كان للجانب اليهودي افضلية على العرب، سواء من الناحية التخطيطية، التنظيمية وتفعيل المعدات، وسواء من ناحية عدد المقاتلين المدربين الذين شاركوا في المعركة. أثارت هذه الجملة غضبا كبيرا في المجتمع الاسرائيلي، وطالب سياسيون، معلمون ولجان آباء وصحافيون وحتى مؤرخون الغاء هذا الكتاب ومقاطعته، واستمرت المعارضة للكتاب حتى تم تغيير كلمة مدربين في النص. في الحقيقة فإن مراجعة الكتاب تبين ان الكاتب اشار في صفحات سابقة إلى ان العرب كانوا متأكدين من الانتصار بسبب تفوقهم العددي، وليس مفهوماً حتى الآن لماذا أورد الكاتب هذه الجملة بشكل يتناقض مع ما سبقها، ولكني اورد هذا المثال للاشارة فقط إلى ان جملة واحدة في كتاب، تتناقض من البناء الاسطوري للذاكرة التاريخية قد تثير مجتمعا بأكمله.

ما ادعيه في هذا المقال ان القوات اليهودية انتصرت في حرب 1948 لأنها ببساطة كانت أكثر عتاداً، ولكن الأهم أكثر عددًا. ان القوات اليهودية التي احتلت المدن الفلسطينية كانت في الحقيقة أكبر من القوات العربية الفلسطينية التي تكونت بالأساس من متطوعين. وقد اخترت في هذا المقال حالة المدن الفلسطينية لانه كان من المفروض ان تكون اكثر استعداداً للحرب، فالريف الفلسطيني كان أضعف من المدن من حيث القوة الدفاعية، كما وكيفا. ولكي اثبت ما ادعيه اشير إلى الجانب الآخر من المعادلة، وهو ان البلدة القديمة والقدس الشرقية لم تسقط في عام 1948 لأن القوة اليهودية كانت أقل عدداً من القوة العربية الفلسطينية، حيث وصل عدد المقاتلين اليهود الى 200 مقاتل فقط.

لست بصدد تحليل تاريخي لماذا كانت القوات العربية- الفلسطينية أقل عدداً وعدة من القوة اليهودية، ولكن تحليل اللحظة التاريخية يشير إلى ان الاكثر عدداً هو الذي انتصر، فعلى الرغم من ان تعداد الشعب الفلسطيني مقارنة مع تعداد المجتمع اليهودي كان بمعدل 1:2 لصالح الفلسطينيين، الا ان تعداد القوات اليهودية مقارنة مع القوات الفلسطينية العربية كان بمعدل 1:2 لصالح القوات اليهودية في كل فترات الحرب. هنالك نقطة اخرى لا بد من الاشارة اليها وهي أن سقوط المدن الفلسطينية تم قبل خروج القوات البريطانية من فلسطين، فيافا كانت آخر المدن التي سقطت قبل يومين فقط من موعد خروج القوات البريطانية.

ويقف الادعاء الذي نناقشه أمام ادعاءين نقديين مركزيين، الادعاء النقدي الأول يقول إن الاسطورة صحيحة لأنه عاش في فلسطين عشية حرب 1948 اكثرية فلسطينية وأقلية يهودية، بمعدل يصل الى 1:2 لصالح الفلسطينيين. هذا الادعاء صحيح بالمعنى التقليدي لمفهوم الاقلية والذي يركز على الاكثرية العددية للسكان فقط، وهذا الادعاء غير صحيح بالمفهوم المعمق للاكثرية، والتي هي في الأساس التي تملك الموارد والقوة والقدرة النوعية. فالتجارب التاريخية والسياسية تؤكد قدرة اقليات عددية على السيطرة على الاغلبية بفضل سيطرتها على الموارد وقوتها النوعية، ولكن هذه الاقلية لم تدخل ضمن الاطر المعرفية لدراسة الاقليات بسبب اختلافها عن الاقليات المهمشة والضعيفة، بسبب سيطرتها على الموارد المادية والرمزية في الدولة، واكبر مثال على ذلك هي حالة الابرتهايد في جنوب افريقيا، وكما اشرنا فإنه حتى انسحاب القوات البريطانية من فلسطين في منتصف مايو/أيار ،1948 كان التفوق العددي والنوعي للقوات اليهودية واضحا في المرحلة الأولى من الحرب، والتي تسمى في علم التاريخ الاسرائيلي حرباً أهلية. واستحضرنا كمثال سقوط المدن الفلسطينية وأظهرنا من خلال المعطيات التفوق العددي للقوات اليهودية على القوات العربية-الفلسطينية التي دافعت عن المدن، وكان غالبيتها من المتطوعين.

أما الادعاء النقدي الثاني فيشير الى ان الادعاء الذي نفترضه كان صحيحا في المرحلة الاولى من الحرب، اي حتى دخول القوات العربية الى فلسطين بعد انسحاب اخر جندي بريطاني في منتصف مايو/ أيار ،1948 حيث نبع التفوق اليهودي العددي والنوعي بسبب النتائج الكارثية للثورة الفلسطينية الكبرى على المجتمع الفلسطيني والجاهزية الدفاعية والقتالية، ولكنه غير صحيح بعد دخول الجيوش العربية الى فلسطين في منتصف مايو ،1948 حيث ان دخول هذه الجيوش بأعدادها المؤلفة كسر عمليا التفوق العددي للقوات اليهودية، بالاضافة الى ان 600 الف يهودي عاشوا في فلسطين استطاعوا الانتصار على 40 مليون عربي، هم تعداد الشعوب العربية للدول المشاركة في الحرب في ذلك الوقت. وحتى هذا الادعاء الثاني غير صحيح من ناحية المعطيات التاريخية لعدد القوات المشاركة في الحرب.

اذن، نصل الى نتيجة انه على الرغم من دخول الجيوش العربية الى فلسطين في منتصف مايو عام ،1948 فإن ذلك لم يغير من تفوق القوات اليهودية والتي حاربت اقلية عربية في كل الجبهات تقريبا، وانتصرت عليها بسبب تفوقها العددي وتفوقها النوعي، ولكن ذلك لا يمنعني من القول انه كان هنالك انجازات سطرها اليهود جراء تفوقهم العددي، والاهم بتخطيط محكم وتحضير سابق للحرب.

كلية العلوم السياسية/ جامعة حيفا

الجيش العراقي في فلسطين بين الحقيقة التاريخية والرواية الشعبية المشوهة

د. مصطفى كبها

تعتبر عبارة ماكو أوامر في اللهجة الشعبية العراقية إحدى العبارات الأكثر وروداً في سياق دعاوى الفلسطينيين ضد جيوش الدول العربية وتقصيرها في منع النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، والتي تمخضت عن تدمير أكثر من خمسمائة قرية وست حواضر مدنية وتحويل الغالبية العظمى من سكانها إلى لاجئين في شتى بقاع الأرض. ولعل هذه العبارة استعملت في الغالب لذم تصرف القادة العرب وخاصة القيادة العليا للجيوش العربية واللجنة العسكرية للجامعة العربية، ولكنها مع الوقت تحولت لموتيف يتردد عندما يتم وصف تصرف الجيش العراقي في فلسطين، لا سيما وأن العبارة هي عبارة عراقية قالها، حسب الرواية الشعبية، أحد القادة الميدانيين للجيش العراقي لمجموعة من المدنيين في منطقة جنين الذين طالبوه باستغلال الاندفاع العراقي بعد صد القوات اليهودية عن جنين في مطلع يونيو/ حزيران 1948 وتطوير هجوم مضاد يسترد ما كان قد احتل من قرى شمالي قضاء جنين كالمزار ونورس وزرعين من الشرق واللجون والمنسة من الغرب.

ما من شك أن عملية نسب القصور العربي في فلسطين إلى الجيش العراقي من خلال هذه العبارة المشهورة فيها من التجني والظلم التاريخي الشيء الكثير، لاسيما أن هذه القوات (إن كانت قوات المتطوعين والأفواج العراقية التي شاركت في جيش الانقاذ والتي دخلت فلسطين في بداية يناير/ كانون الثاني عام ،1948 أو القوات العراقية النظامية التي دخلت فلسطين، كسائر الجيوش العربية الأخرى، في الخامس عشر من مايو/ أيار 1948) كان لها الفضل الكبير في الحفاظ على المناطق التي رابطت فيها ومنعت القوات اليهودية من دخولها كمنطقة المثلث العربي (والتي عرفت في فترة معينة بالمثلث العراقي) الممتدة من كفر قاسم في الجنوب وحتى مقيبلة وصندلة في الشمال.

حقيقة المشاركة العراقية في حرب 1948: كان العراق أكثر البلدان العربية دعما لنضال الفلسطينيين منذ أن لبس صراعهم مع الحركة الصهيونية طابع الصراع القومي، وقد تشكلت لجان عراقية داعمة للقضية الفلسطينية. ولكن علينا أن نؤكد أن حجم المشاركة العسكرية العراقية في فلسطين عام 1948 منذ بداية المصادمات العسكرية على اثر قرار التقسيم وحتى نهاية الحرب باتفاقيات الهدنة (التي لم تشارك حكومة العراق في توقيعها) لم يرتق إلى المستوى المطلوب، ليس بسبب قوى وقدرات الجنود العراقيين ومدى جاهزيتهم للقتال، وإنما بسبب تردد الأوساط السياسية العراقية العليا وإحجامها عن إرسال أفضل الوحدات العسكرية المقاتلة وامتناعها عن إرسال قوات جوية كافية للدفاع عن القرى والمدن الفلسطينية هذا فضلاً عن ضغوط مارستها بعض النخب العراقية (في الجيش والحكومة) والتي عارضت الميول القومية العربية وطورت نزعات محلية انعزالية وشعوبية ورأت في أي تدخل عراقي في فلسطين أو أي قطر عربي آخر تبديداً واستنزافاً لقدراته ومقدراته. بسبب هذين العاملين كانت المساهمة التي أرسلتها الحكومة الملكية في العراق ضئيلة بكل مقياس إذا قورنت بالقدرات والمستوى العام للجيش العراقي الذي اعتبر آنذاك من أفضل الجيوش في الشرق الأوسط. ففي المرحلة الأولى من الحرب (قبل دخول الجيوش النظامية) شارك زهاء 800 عراقي في قوات المتطوعين العرب، في حين بلغ عدد جنود الجيش العراقي في قمة مشاركته في المرحلة الثانية عشرة آلاف جندي.

على الرغم من كل هذه الظروف فقد كانت مشاركة العراقيين، حيثما أتيح لهم ذلك، مؤثرة وفعالة وساهمت في الإبقاء على قطاعات واسعة عربية ومنعت تهجيرها. في المرحلة الأولى شارك المتطوعون العراقيون بقيادة المقدم علي غالب عزيز في معركة رأس العين الأولى (الثامن من مارس/ آذار 1948) حيث انتزعوا منطقة العيون ومنشآت المياه من أيدي البوليس البريطاني ومنعوا تسليمها لقوات الهاجاناه (كما جرى في حالات أخرى كثيرة قام الإنجليز فيها بتسليم منشآت حيوية لليهود).

أما المرحلة الثانية للحرب فقد بدأت بدخول وحدات من الجيش العراقي النظامي فلسطين في الخامس عشر من مايو/ أيار 1948 عن طريق جسر المجامع واشتباكها مباشرة مع القوات اليهودية في كوكب الهوا وجيشر حيث استشهد في هاتين المعركتين 40 جندياً عراقياً ومن ثم تقدم باتجاه مرج ابن عامر وقضاءي جنين وطولكرم ومن ثم لواء اللد (الذي ضم قضاءي يافا والرملة). وفي أثناء انتشاره في هذه الجبهة التي زاد طولها على 110 كم، خاض معركة الطيرة - رامات هكوفيش في الرابع والعشرين من مايو/ أيار 1948 والتي سقط فيها 12 شهيداً عراقياً، ثم معركة رأس العين الثانية في 30/5/1948 والتي فقد فيها شهيدين ومعركة جنين والمزار في الفترة الواقعة بين 2-4 يونيو/ حزيران والتي فقد فيها العراقيون 65 شهيداً، وفي معركة قاقون (قضاء طولكرم) التي وقعت في الخامس من يونيو/ حزيران وفقد فيها الجيش العراقي 45 شهيداً. هذا إضافة إلى صدامات واشتباكات متفرقة شارك فيها العراقيون في مجدل يابا (فقدوا فيها 4 شهداء) وقلقيلية (4 شهداء) وطولكرم (8 شهداء) وكفر قاسم (9 شهداء) وباقة الغربية (شهيد عراقي واحد) وعارة (شهيد عراقي واحد). كما فقدت القوة الجوية العراقية خمسة طيارين تم إسقاط طائراتهم ومنهم قائد سرب برتبة عقيد. وبذلك يكون مجموع ما فقدته القوات العراقية وقوات المتطوعين العراقيين في فلسطين 131 شهيداً، هذا عوضاً عن مئات الجرحى الذين سقطوا على خطوط الجبهة الطويلة التي تواجد فيها العراقيون.

ولعل الاحتفال الوداعي المهيب الذي نظمه سكان باقة الغربية لوداع الضباط والجنود العراقيين الذين رابطوا هناك حتى اتفاقيات الهدنة وتسليم المثلث لإسرائيل لهو الإثبات الدامغ على ما ربط بين الفلسطينيين وجنود الجيش العراقي الذين دافعوا عنهم من وشائج المودة والمحبة والتقدير.