يقول جان بول سارتر في كتابه ما الأدب تحت عنوان لمن نكتب؟: إن الكاتب إنما يكتب للقارئ من حيث هو فرد من أفراد الناس في العالم، فليس القارئ الذي أتوجه إليه بالإنسان الذي جمع في نفسه بين معرفة كل شيء وليس هو نموذج الساذج الذي يجب أن نشرح له كل شيء حتى البدائيات، وليس هو روحاً ولا صفحة بيضاء وإنما أكشف له بعض مظاهر العالم فأستفيد مما يعلم لأحاول تلقينه ما لا يعلم.
إن طرح سؤال لمن نكتب؟ لسارتر والعديد من المبدعين في شتى حقول الكتابة يكتسب دلالته الأكيدة من الالتفاف إلى القارئ كشريك أساسي في العملية الإبداعية فالنص الأدبي لا يكتمل إلا عن طريق القراءة وإعادة الانتاج من جديد، فالكاتب نفسه ما هو إلا قارئ لإبداعات سابقة وهي الآلية التي تمنح التناص مشروعيته والتأويل قدرته على الابتكار واستخراج معانٍ ورموز وفضاءات تتنوع بفعل تعدد القراءة.
أن النقد بصفة عامة يميل الآن إلى تحويل كافة أشكال المنتج الثقافي إلى نصوص مفتوحة، فالأمر لم يعد يقتصر على النص المكتوب وحسب وإنما أصبحت هناك دراسات عن نصوص مسموعة وأخرى بصرية واسئلة بخصوص كيفية تذوق الموسيقا أو قراءة رموز الاعمال التشكيلية أو تفسير الرسائل الإعلامية والتعرف إلى خلفياتها القيمية والإيديولوجية وكلها طروحات تشير في العمق الى إحلال المتلقي ليكون الركيزة الاساسية في العملية الإبداعية وأفرز التوجه إلى التلقي نظرياته عن موت المؤلف والوجود الوهمي للنص وأخيراً موت الناقد ورافق ذلك تجليات إبداعية تميل إلى الإبهام وتتعمد الغموض حيث اصبح لكل مبدع لغته ولكل قارئ تأويله وتحول سؤال سارتر لمن نكتب؟ الى سؤال يطرحه المتابعون للساحة الثقافية في العالم وبصفة خاصة في الوطن العربي لمن نقرأ؟
وأعتقد أن التركيز على القارئ في العقود الأخيرة هو الذي أفرز ما أطلق عليه أزمة الابداع بازدواجيتها المعروفة ما بين منتج سطحي يسعى لإرضاء الجمهور أو منتج نخبوي يتعمد التعقيد ويستغل الرغبة في إنتاج تأويل خاص يقع في تلك المنطقة الوهمية بين المبدع والمتلقي بحيث يصبح للأول حريته المطلقة وللأخير قراءته الذاتية ولا أميل الى تلك الحلول التي تلخص المسألة في الحديث عن وجود أزمة نقد تتطلب عودة الادوار المرجوة للناقد أو تراجع دور الثقافة أو حتى الحديث عن قيام الصحافة الثقافية بدورها في اكتشاف الابداع الجيد حيث يبدو أن المسألة تتجاوز المبدع والنص والناقد فالمثقف العربي محمل الآن بتراث يسعى للحفاظ عليه لتأكيد هويته الخاصة فضلاً عن عن حلمه بترسيخ قيم العقل والتنوير في مواجهة عصر تعصف رياحه بكل شيء وما زلنا نحاول اكتشاف خلفياته الفلسفية والمعرفية وربما يظل سؤال لمن نقرأ؟ معلقاً لعقود قادمة حتى تتضح الملامح الواضحة للمرحلة المقبلة.