مر الروائي والشاعر العراقي حميد المختار بتجربة السجن في معتقل "أبوغريب" الشهير، حيث ألقي القبض عليه هو وابنه، وأشيع بعد ذلك انه تم إعدامه، ولكنه قاوم هذه التجربة المريرة بالكتابة، حيث كان يبعث بأشعاره من داخل سجن "أبوغريب" إلى اصدقائه في اسبانيا وهناك طبعت أشعاره وكتاباته.

ويرى حميد المختار الذي يشغل منصب نائب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق والذي صدرت له العديد من الروايات المميزة أن الوقت ما زال مبكرا لتناول أدب مقاومة العراقيين لقوات الاحتلال كون هذا الأدب يحتاج إلى وقت طويل حتى يتبلور ظهوره على شكل ظاهرة أدبية خاضعة للدراسة.

ورفض المختار تحديد أدبه بأدب السجون وقال: أرفض أن يطلق علي النقاد أو الجمهور أن ما أكتبه يتعلق بمرحلة السجن التي تعرضت لها في زمن النظام السابق، فعلى الكاتب أن يحمل هموم الإنسان أينما حل سواء في الحرب، في السجن، في الحياة، في الحب، في أي شيء آخر. وتاليا اللقاء:

بصفتك نائبا للأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء في العراق ورئيس تحرير مجلة الشبكة العراقية.. هل يدخلك ذلك في متاهات قد تبعدك عن إبداعك في مجال الرواية؟

هناك مشكلة كبيرة يعاني منها المثقف العراقي وهي ارتباطه الوظيفي وتأثيره على الإبداع. نحن في العراق لسنا كحال المثقفين الباقين في بلدان العالم المتحضر هناك يستطيع الكاتب من خلال كتاب واحد أن يعيش في بحبوحة وان يتفرغ تماما إلى كتاباته ويترك الباقي من تعاقدات مع دور النشر إلى سكرتيره الشخصي أو المكتب الذي يقوم بهذه الواجبات، في حين ان الكاتب في العراق مازال يركض خلف رغيف الخبز ومتى ما اطمأن إلى توفير هذا الرغيف يعود إلى كتاباته الإبداعية. إذاً الرغيف أولاً ومن ثم الكتابات الإبداعية ثانياً.. هكذا تعلمنا وهكذا عشنا ظروفنا القاسية سواء في الحروب أو في الحصارات التي فرضت على الشعب العراقي، لذلك كثيراً ما تعرقل وتؤخر وظائفنا مشاريعنا الإبداعية، على سبيل المثال لدي الآن مشروع مشغول به وهو الكتاب الثالث لرواية مهمة تحمل عنوان "شمس كوفان" وأتساءل دائماً متى سأكمل هذا المشروع؟ إذ لا نستطيع أن نتفرغ مائة في المائة طالما نحن مرتبطون بإدارة حياتنا وتوفير رغيف الخبز.

كيف تجد أدب الحرب وهل هناك فعلاً أدب مقاومة خصوصاً وان المقاومة في العراق تغيرت مفاهيمها بعد القيام بعمليات مشبوهة باسمها؟

أعترض على مصطلح أدب الحرب في العراق برغم أن أدب الحرب أنتج نصوصاً تعد على أصابع اليد الواحدة يمكن أن يعتمد عليها ويمكن أن تخضع لما يسمى بأدب الحرب ولكن على العموم ابتداء من ثمانينات القرن الماضي وتحديدا في الحرب العراقية الإيرانية لا نجد هناك نصاً مقنعاً لهذا الأدب باستثناء بعض الأسماء التي استطاعت أن تفلت من قبضة الرقيب ومقصه وتطفلاته.

أدب الحرب كان أدبا تعبويا ضعيفاً هشا هزيلا يخضع لوصايا وتعليمات وهكذا ظهر أدب لا يستطيع الحفاظ على ديمومته. هناك قصص مكتوبة عن المعركة "الفلانية" وقد انتهت تلك القصص بانتهاء تلك المعارك، هناك أدب حرب وأدب مقاومة في العالم كله، كما حصل في الاتحاد السوفييتي السابق على رغم التوجيه والتعبئة ولكن الكتاب هناك أحسوا بمسألة مهمة حيث إنهم يكتبون إلى التاريخ والذاكرة.. يكتبون معاناة الشعوب وعندما يكتب الكاتب بهذه الطريقة يستطيع أن يضع لمسة سحرية تعطي ديمومة إلى النص، اما هنا فنحن في أدب الحرب نتلقى الجوائز وننتظر المكافآت وننتظر الإملاءات من النظام، وآمل أن يكون العراق وهو بلد الحروب والحصارات هو أيضاً بلد أدب يؤرخ للشعب العراقي ويؤرخ للذاكرة العراقية.

ولكن هناك نصوص ذات نبرة حماسية عالية ترفض الاحتلال وتقاومه فلماذا تقول انه لا توجد مقاومة؟

أتحدث عن أدب مقاومة حقيقي يظهر في بنية القصة والرواية.. ابحث الآن في جعب الكثير من الأدباء فلن تجد رواية تتحدث عن المقاومة ولا حتى قصة قصيرة، اعتقد انه ما زال الوقت مبكراً جداً لكتابة هكذا نصوص لأننا ما زلنا نعيش في حالة عدم استيعاب ما يجري للعراق وإذا كتبنا ستخرج كتابتنا بشكل ضعيف ومهزوز، اعتقد انه آن الأوان لنكتب عن الحرب العراقية الإيرانية بعدما اختمرت واكتملت صورة تجربة تلك الحرب أما أن نكتب عن أدب مقاومة اثناء الاحتلال فهذا سابق لأوانه.

الرواية الأخيرة لك "صحراء نيسابور" قال البعض عنها إنها مكملة لروايتك الأولى وإعادة مختلفة لنفس القصص لما مررت به من مآسٍ في المعتقلات والسجون، والبعض الآخر اهتم بها واحتفى بروايتك، لماذا برأيك هذا التناقض؟

هذا شيء يفرحني، دائما النص الذي يحمل شيئاً من الإبداع يثير البعض، ويقف البعض منه موقفاً ضدياً هذه الرواية كتبتها في السجن، ولكنها لا تحمل أي شيء من حياة السجن، لم اكتبها عن السجن ولكن كتبتها لضغوطات السجن، عن حالة عرفانية مقاماتية إن صح التعبير تحلق بالكائن، بالإنسان، بالبطل إلى مستويات عليا وهناك حالة نفسية في الحقيقة دفعتني إلى كتابة مثل هذا النص كوني سجين "أبو غريب"، وأنت تعرف السجين يكون عادة محاصراً بالعيون ومحاصراً بالقضبان بالظلام وبالبعد عن العائلة، لذلك كانت الرواية فسحة استطيع من خلالها أن احلق عاليا بعيدا عن ظلمات السجن.

ظهرت اسماء عراقية شابة في فن الرواية بعد الحرب.. كيف تنظر إلى هذه الكوكبة من المبدعين؟

هناك بعض الأسماء الجادة التي ظهرت بعد زوال النظام السابق رغم أن هؤلاء كانوا متواجدين قبل هذا التاريخ لكن لم تتسن لهم الفرصة ليظهروا وليطبعوا نتاجاتهم بعد 9/4 /2003 فقد برزت أسماء مثل الشاعر احمد سعداوي الذي انجز رواية جيدة بعنوان "البلد الجميل" ثم هناك رواية "الراحل" لمحمد الحمراني الذي اختطفه الموت وكان من الممكن أن يكون روائيا كبيرا لو بقي حياً، وكذلك الروائي نصير فلك الذي كان يكتب منذ زمن طويل ولكنه مضرب عن النشر، وفي الفترة الحالية استطاع أن يخرج نتاجاته وبالتحديد روايته التي أثارت جدلاً في الفترة الأخيرة وهي "خضر القد والعصر الزيتوني" كذلك الأمر مع ناظم العبيدي وهو من الأسماء الشابة الجادة جداً وأنا أعول كثيراً على هؤلاء. كما أن هناك أسماء تتصدى لحمل الرواية العراقية الجديدة وقد أضافوا شيئا جديداً رغم أن كلمة إضافة هي كلمة كبيرة.

نراك خجولا إزاء كتابة الشعر أو إصدار ديوان شعر بعدما عرفنا انك كتبت مجموعة قصائد، لماذا لا نرى حميد المختار الشاعر يجاور حميد المختار الروائي؟

في السبعينات من القرن الماضي كتبت الشعر وكنت على خجل كبير من هذا الأمر لأني شاهدت المشهد العراقي الثقافي وهو يغص بالغالبية العظمى من الشعراء، فاحترمت نفسي وبدأت بكتابة القصة القصيرة والرواية، ولكن رغم ذلك لم استطع أن أتخلى عن الشعر فمضيت في كتابته ولكن حولت قصائدي إلى قصائد "مناسباتية" كأن تخص مواليد أهل البيت ووفياتهم ومناسبة عاشوراء ورثاء الإمام الحسين وأكملتها في السجن حتى تألف لديّ ديوان يحمل عنوان "علوي الهوى" وبعد خروجي من السجن نشرت هذا الديوان بشكل سري رغم وجود النظام السابق أي قبل سقوطه وفي السجن أكملت أيضا كتابة قصائد نثرية تحت عنوان "سأتبع خطاك حتى خريف الغابات" حيث بعثتها إلى اسبانيا من داخل سجن أبو غريب وقد طبعت بمساعدة أصدقاء عراقيين يعيشون هناك.

كيف تنظر إلى حال المثقفين العراقيين اليوم تحت الاحتلال أو ما يمكن ان يُسمى النظام الحالي؟

كان المثقف العراقي أيام النظام السابق في حالة يرثى لها.. كان محاصراً ومطروداً من جنته الموعودة وكان يعيش في ظلام زاويته الخاصة وبعد سقوط النظام تأملنا خيراً وقلنا سيكون للمثقف العراقي شأن كبير، ولكن للأسف هناك الكثير من سياسيي اليوم توارثوا شيئاً من النظام السابق واخذوا يمارسون الأسلوب السابق من استهزاء واستصغار وتهميش وعدم إعطاء الفرصة الكاملة ليقوم الكاتب بدوره في هذه المرحلة. الحكومة العراقية تفكر الآن بعد طلبات كثيرة من الاتحاد العام للأدباء والكتاب ونقابة الصحافيين وبعض مؤسسات المجتمع المدني بالاهتمام بالمثقف العراقي أي منحه شيئاً من المال، ولو أن هناك، الكثير من وجهات النظر المغايرة لإعطاء الحكومة شيئا من المال للمثقف مخافة أن يكون هذا العطاء يجير إلى مصلحة الحكومة إننا لا نريد أن نجير صوت المثقف إلى الحكومة أو الى أية جهة معينة لأن المثقف حر ومستقل هذا مرفوض طبعا وغير مقبول المثقف يبقى مهما اخذ من هذه المؤسسة أو تلك له صوته واستقلاليته وامتيازه وحريته الكاملة في الكتابة عن أي كان، ولكن بشروط الموضوعية والإنسانية، لذلك ادعو المثقف العراقي أن ينفض عنه غبار الكسل وحالة التردي، ونحن لا نستطيع أن نقارن بين حال المثقف العراقي العربي في بغداد بزميله الكردي في كردستان الذي استطاع أن يأخذ قطعة ارض مثلاً وراتباً شهرياً وآمل من الحكومة أن تهتم بالمثقف العراقي كما اهتمت حكومة إقليم كردستان بمثقفيها وهذا مطلب إنساني ووطني أيضا.