عندما نقلت شركة هاليبيرتون مقرها من هيوستن إلى دبي في العام الماضي، تسببت في اثارة عاصفة سياسية، وعلى الرغم من تأكيدات هاليبيرتون انها لم تحاول بخطوتها تلك تفادي ضرائب أو التهرب من التدقيق، إلا أن أنصار الحزب الديمقراطي وجهوا للشركة انتقادات حادة واعتبروها نموذجاً للجشع .
تقول فاينانشيال تايمز إن الأضواء تتركز على الجانب الآخر من الأطلسي، أيضاً على هروب الشركات لمقار جديدة بعد أن أعلنت اثنتان من الشركات البريطانية الكبيرة عزمها على الانتقال إلى إيرلندا لأسباب ضريبية . وألمحت شركات أخرى أيضاً إلى نيتها في الانتقال . وعندما أعلنت يونايتد بزنس ميديا وهي شركة نشر نقل مقرها الرئيسي إلى إيرلندا، انتقد فينس كيبل، الناطق بلسان شؤون الخزينة في حزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني، هذه الخطوة واصفاً إياها بالتلافي الضريبي السافر .
ويخشى السياسيون فقدان الوظائف وإيرادات الضرائب، عندما تنقل الشركات مقارها الرئيسية، بيد أن غضب هؤلاء السياسيين لا يترك أثراً في الشركات متعددة الجنسيات التي تراجعت قوة روابطها ببلدانها الأصلية بسبب التوسع الدولي وعمليات الاندماج التي تحدث عبر الحدود .
وعلى مدى العقد الماضي، وصلت نسبة الشركات متعددة الجنسيات التي نقلت مقارها لبلدان أخرى ستة في المائة، وذكر بحث أجراه مركز جامعة أوكسفورد لضرائب الشركات أن من أسباب نزوح تلك الشركات الضرائب التي تضطر لدفعها . وتتعرض الشركات، التي تنافس مع شركات موجودة في أنظمة ذات ضرائب متدنية، لضغوط لخفض فواتيرها الضريبية . وعلاوة على ذلك، تتعرض هذه الشركات لإغراءات غير مسبوقة من دول صغيرة تحرص على اجتذاب الوظائف أو إنشاء قاعدة ضريبية أكبر .
ويتوقع بنك الاستثمار يو . بي . إس تآكلاً تدريجياً في قدرة الحكومات على فرض الضرائب . وعندما أعلنت شركة شاير وهي شركة أدوية بريطانية انتقالها إلى إيرلندا في الشهر الماضي، قال عضو مجلس إدارة يو . بي . اس، أميت كارا، ان هذا هو نوع التنافس الضريبي الذي يتعين علينا أن نتوقعه، وسيبقى الضغط قائماً على دول مثل بريطانيا للاستمرار في خفض ضريبة الشركات، وربما انتقل عبء الضرائب إلى الشركات الصغيرة .
وللوهلة الأولى، لا توجد أسباب كثيرة تدعو الحكومات إلى الشعور بالذعر ازاء تهديد الشركات الكبيرة بنقل مقارها الرئيسية، فستواصل الشركات دفع الضرائب عن المصانع والمبيعات والنشاطات المربحة الأخرى في الدول التي تزاول العمل فيها . ولكن وزارات المالية تخشى ان تجد الشركات النازحة طرقاً جديدة لتجريد الدول التي تعمل فيها من قاعدتها الضريبية، وأظهرت الأبحاث الأكاديمية التي نُشرت في العام الماضي ان الشركات الصانعة المملوكة لأجانب في أوروبا دفعت أقل من نصف ما دفعته الشركات المملوكة محلياً من الضرائب .
ويرى جوليان أولوورث وهو زميل مشارك في مدرسة ساييد للأعمال في أوكسفورد أن الأسباب المالية هي الأقوى في تحديد نقل الشركات لمقارها الرئيسية . وأوضح خلال مخاطبته لمؤتمر انعقد مؤخراً أنه عند النظر إلى أسباب نقل الشركات لمقارها يجد المرء أن السبب في كثير من الأحيان يعزى لخفض المسؤولية في الدولة التي توجد فيها مقارها وتزاول عملياتها فيها . وأشار أولوورث إلى محاولة مثيرة للجدل من جانب شركة ستانلي ويركس وهي شركة أمريكية لصناعة الأدوات لنقل مقرها إلى بيرمودا في عام 2002 ولكنها تخلت عنها بعد موجة احتجاجات .
وتزيد شكوك وزارة المالية أيضاً جراء حركة الدخول التي تحققها الشركات من الملكية الفكرية أو عمليات التمويل . ويحاول كثير من الدول احتجاز هذه الدخول في صافي ضرائبها مستخدمة قواعد مكافحة التلافي الضريبي . وعن طريق الانتقال إلى نظام أكثر تساهلاً، تأمل الشركات في الفرار من هذه التقييدات .
وقد أصبح التباهي بامتلاك نظام ضريبي جذاب للملكية الفكرية جزءاً من ميدان التسويق لدى الدول الراغبة في اجتذاب الشركات الأجنبية، ولا سيما المقار الرئيسية للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات الموجودة في دول أوروبية . ومؤخراً، نقلت شركات كرافت وجوجل والكترونك آرتس وياهو مقارها الأوروبية من بريطانيا إلى سويسرا في حين انتقلت إيباي وأمازون ومايكروسوفت إلى لوكسمبورج، وتتباهى هولندا باجتذاب أسماء مثل سيسكو سيستمز ونايك وستاربكس .
ومع ازدياد مهارة الشركات متعددة الجنسيات في إدارة ملكيتها الفكرية، توجد ضرائب ومزايا تجارية أيضاً، ومن خلال الاحتفاظ بعلامات تجارية وبراءات اختراع في دول تفرض ضرائب متدنية وتكليف شركات تابعة أخرى باستخدامها تقل الأرباح في الدول التي تفرض ضرائب عالية .
ومن البديهي ان عمليات نزوح رؤوس الأموال هذه لا تحظى برضى سلطات الضرائب، وقبل عامين، حذر مارك ايفرسون المفوض السابق لإدارة الضرائب الداخلية الأمريكية من ان الانتقال المطرد للأصول غير الحقيقية يمثل مصدر قلق كبير بشأن الالتزام الضريبي، وأن دافعي الضرائب ولا سيما في صناعات التقنية المتطورة والأدوية ينقلون أرباحهم إلى الخارج .
وأما الدول الصغيرة التي تفرض ضرائب متدنية وتشجع نقل أرباح هذا النوع فإنها تتعرض للانتقاد أيضاً . وترى بعض الحكومات المنافسة ان نجاح ايرلندا في اجتذاب شركات تعمل في مجال المعرفة، عمل عدواني إلى حد بعيد . وفي العام الماضي اتهم أرنو مونتبورج وهو سياسي فرنسي سويسرا التي تفرض ضرائب منخفضة على الشركات بتطبيق ممارسات عدائية . وأما هولندا التي اجتذبت إيكيا من السويد وغوتشي من إيطاليا فقد تفرض أسلوبها في فرض الضرائب على الدخول المتحركة من قبل مركز أبحاث الشركات متعددة الجنسيات، وهي مجموعة بحثية غير ربحية تتخذ من أمستردام مقراً لها . وأوضح المركز ان جميع الأدلة التي تستند إلى الملاحظة والتجربة تشير إلى أن هولندا ملاذ ضريبي .
ويفند هذه الانتقادات مؤيدو المنافسة الضريبية الذين يعتقدون ان التنافسية الضريبية تشجع الاستثمارات . ولكن استياء المنافسين الكبار يشكّل مخاطر للدول الصغيرة المتلهفة لاجتذاب الشركات الأجنبية . ومن بين أكبر المخاوف التي يخشاها سياسيو إيرلندا ان تخضع بلادهم رغماً عنها لتتبنى مقترحات المفوضية الأوروبية الخاصة بطريقة مشتركة لاحتساب ضرائب الشركات . وعندما قالت كريستين لاجارد وزيرة المالية الفرنسية في الشهر الماضي، إن فرنسا ستدعم هذا المفهوم خلال رئاستها للمفوضية الأوروبية، استبعد رئيس الوزراء الايرلندي المنصرف، بيرتي أهيرن، ما قالته لاجارد باعتبرها فكرة سخيفة .
وفي الوقت ذاته، تعكف الدول الكبرى على تعزيز دفاعاتها، وفي الولايات المتحدة، تقاوم ادارة الضرائب الداخلية نزوح الملكية الفكرية وتفرض طلبات ضريبية تصل إلى مليارات الدولارات على شركات الأدوية . وعززت ألمانيا للتو قواعدها الخاصة بانتقال الأصول إلى شركات أجنبية . واقترحت بريطانيا تشديد قواعدها الخاصة بالتفادي الضريبي عن طريق فرض الضرائب على الدخول السالبة العالمية التي تحققها الشركات التي لديها مقار رئيسية في بريطانيا .
بيد أن المشكلة تتمثل في أن هذه الأنظمة الأكثر تشدداً تفرض عبء التزام ثقيلاً على الشركات ويعرّضها لخطر الازدواج الضريبي، وفي بريطانيا، أدت تعقيدات نظام مكافحة التفادي الضريبي المقترح إلى تفاقم موقف الشركات الكبرى الساخطة أساساً على النظام الضريبي البريطاني . ويقول ريتشارد لامبيرت مدير عام اتحاد العاملين البريطانيين سي . بي . آي ان الشركات قلقة للغاية بشأن ارتفاع مستوى تعقيد فرض الضرائب في بريطانيا .
وقالت شاير انها سترحل لتساعد على حماية وضع المجموعة الضريبي، وقالت يو . بي . إم ان مصالحها الطويلة الأجل ستتعزز بفضل نظام ايرلندا الضريبي الأقل تعقيداً . بيد أن أحداً لا يستطيع ان يتكهن على نحو موثوق به، بأن هذا النزوح الفردي سيصبح خروجاً جماعياً . وهناك عوامل قوية تمنع الشركات من النزوح، من بينها احتمال فواتير ضرائب الأرباح الرأسمالية، وخطر الضرر الذي يلحق بسمعة الشركات المعنية .
وعلاوة على ذلك، وبالرغم من كل الانتقاد الموجه إلى نظام الضرائب البريطاني، إلا أن بريطانيا تتمتع بجاذبية دائمة بالنسبة لبعض الشركات متعددة الجنسيات بسبب معاملتها الكريمة لتكاليف الفوائد والدفعات المقدمة للمساهمين . وقد فكّر بنك باركليز وهو ثالث أكبر البنوك البريطانية جدياً في أن ينقل مقره الرسمي الضريبي عندما حاول الاستحواذ على بنك ايه بي إن أمرو في العام الماضي، ولكنه ارتأى أن مساهميه سيكونون في وضع أفضل في حال بقي البنك في بريطانيا .
وعلى الرغم من ذلك، يدرس عدد من الشركات الكبيرة مغادرة بريطانيا . وقد ألمحت انترناشيونال باور ودبليو بيه بيه واسترازينيكا وجيه إس كيه إلى أن الأمر قيد الدراسة . وقبل سنوات قليلة، كان يمكن اعتبار أن الأمر من قبيل الجعجعة .
بيد أن حاجزاً كبيراً قد أزيل مؤخراً من أمام النزوح إذ أنه لم يعد مطلوباً من الشركات ان تكون لها قاعدة في بريطانيا لكي يتم ادخالها في مؤشر فوتسي .
ولا تستطيع الحكومة ان تعتمد على ضرائب التخارج لتوقف هذا المد . وخلافاً للولايات المتحدة التي حاولت صياغة قوانين لإبقاء الشركات على الأراضي الأمريكية تتعرض الحكومات الأوروبية لضغوط لإزالة الحواجز المفروضة على الحركة داخل السوق الواحدة .
وفي بريطانيا، أثار خطر خروج الشركات الجماعي جدلاً حول الكيفية التي يتعين على صانعي السياسات الرد من خلالها على هذه الظاهرة . وتضغط شركات التأمين على الخزانة من أجل تنازلات لوقف عمليات النزوح إلى بيرمودا . وقد طالبت شركة ديلوات وهي شركة الخدمات المهنية بمعدل ضريبة خاص على الدخل المتنقل مثل العلامات التجارية . والخيار الراديكالي الآخر الذي يجري بحثه هو فرض ضريبة دنيا بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات على أرباحها في بريطانيا كبديل عن تدابير مكافحة التفادي المشددة .
وتواجه وزارة الخزانة أزمة عويصة، فالخزانة تعتمد على الشركات الدافعة للضرائب لتأمين عُشر إيراداتها الضريبية، ولا ترغب في أن تقدم تنازلات سخية إلى حد بعيد . ولا ترغب الخزانة أيضاً في أن تميز قطاعات محددة أو أنواعاً من الدخل لتقديم التنازلات لها حتى لا تنشئ ثغرات جديدة للتفادي الضريبي .
وحتى الآن، ظل تركيز الخزانة على جعل النظام الضريبي أكثر جاذبية للشركات متعددة الجنسيات عن طريق اعفاء الأرباح الأجنبية من الضريبة . ويمكن ان تساعد هذه الخطوة على ايقاف نزوح الشركات لولا أنها مصحوبة بقواعد أشد صرامة لمكافحة التفادي الضريبي . ومن الأسباب الرئيسية التي جعلت شركة ديملر كرايسلر تتخذ من ألمانيا مقراً لها بدلاً من الولايات المتحدة بعد اندماج الشركة في عام 1998 هو أن ألمانيا أعفت الأرباح الأجنبية من الضريبة .
وقد وعدت بريطانيا أيضاً بمزيد من التخفيض الضريبي لضرائب الشركات بعد انخفاض إلى 28 في المائة في العام الحالي .
وكان رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون أبلغ قادة الشركات في الاسبوع الماضي أن من بين أهدافه كرئيس للوزراء هو خفض ضريبة الشركات بدرجة أكبر عندما تتمكن الحكومة من تنفيذ ذلك . وتطالب بعض الشركات بتخفيضات كبيرة . وتم مؤخراً توجيه مطالبة بتخفيض ضريبة الشركات إلى 18 في المائة .
ويتردد رأي داخل الحكومة في بعض الأحيان بأن الدول الكبرى مثل بريطانيا يجب أن تكون أكثر تفاؤلاً في ما يتعلق بفقدان مقار الشركات الكبرى، وأن تركز بشكل أكثر على اجتذاب أعمال حقيقية إلى البلاد بصرف النظر عمن يملكها أو يسيطر عليها . وتتجه الاستثمارات الحقيقية إلى الدول التي يمكن أن تزدهر فيها . وتعتبر الضريبة أقل أهمية بكثير في هذه الاعتبارات من القرب للأسواق والبنية التحتية ووفرة العاملين المهرة .
ومع ذلك، وفي حال أصبحت دول مثل بريطانيا مذعنة لفقدان المقار الرئيسية للشركات الكبرى لمصلحة دول منافسة ذات أنظمة ضريبية أكثر تساهلاً، فستدفع تلك الدول الكبرى ثمناً . وعلاوة على فقدان الوظائف التي تدر دخلاً عالياً، والعمل الاستشاري، تخاطر هذه الدول بالتراجع في نفوذها واستثماراتها مع توجه صانعي القرار إلى دول أخرى . وعندما تقتلع الشركات الكبرى نفسها من بلادها . فإن عوامل كثيرة تتعرض للخطر وليست الكبرياء الوطنية فقط .