سأله أحد أصحابه ذات يوم: إلى متى سوف تستمر في طلب العلم وقد أصبحت إماما للمسلمين وعالما كبيرا؟ فقال له (مع المحبرة إلى المقبرة) ويعني بذلك أنه سيستمر في طلب العلم إلى أن يموت ويدخل القبر.
انه الإمام أحمد بن حنبل الذي لم يكن في عصره احد أحفظ منه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطلقوا عليه (إمام السنة وفقيه المحدثين) وقالوا إنه كان يحفظ ألف ألف حديث شملت المكرر من الحديث والآثار وفتاوى التابعين.
هو، كما ذكر ابنه عبد الله: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، يصل نسبه إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة، ولد في ربيع الأول عام 164ه في بغداد وكان أصل أسرته من البصرة، ولكن جده كان يعمل والياً لسرخس في عهد الأمويين على مدينة سرد، وقد ولد ابن حنبل يتيماً ولكن والده ترك له ما يغنيه عن الناس إلا أنه كان يعمل حتى يكفل لنفسه مصاريف طلب العلم ورحلاته من أجل الالتقاء بالعلماء في مختلف الأمصار.
يقول أحمد بن حنبل عن بداية تعلمه كنت أحفظ القرآن فلما طلبت الحديث اشتغلت فقلت: متى؟ فسألت الله أن يمن عليّ بحفظه، ولم أقل في عافية، فما حفظته إلا في السجن والقيود، فإذا سألت الله حاجة فتقول في عافية.
بدأ ابن حنبل يطلب الحديث وهو ابن ست عشرة سنة، وكان قبل ذلك يختلف إلى أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وعلم منهما كتبهما، فكان إذا ما طرح أحد مسألة في كتبهما وهي ليست واردة فيها رد بأنها ليست فيها، فإذا ذهب السائل إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن قالا له: صاحبك أعلم منا بالكتب.
ورغم اشتهار أحمد بن حنبل برحلاته من أجل الاستماع إلى المحدثين وجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه عرف كتب الفقه، عبر حفظه لكتب أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وكذلك لقي الشافعي وأعجب بعلمه وقد استفاد ابن حنبل من دراسته للحديث ومنها كانت إجاباته في مسألة الفقه والعقيدة.
دقة وأمانة
بدأ أحمد بن حنبل تعليم الناس الفقه والحديث وسنه أربع وثلاثون سنة في مسجد الحيف بمنى، ولكنه لم يسمح لنفسه بالإفتاء إلا بعد أن صار عمره أربعين سنة، ولم يكن غريبا على ابن حنبل وخلقه ودقته أنه إذا سأله أحد عن فتوى أو مسألة أن يدخل بيته ويخرج بأجزاء متعددة من كتب مختلفة ليخرج منها بفتواه أو بإجابته عن هذه المسألة بعد التدقيق.
ومثلما كان لأحمد بن حنبل عدد هائل من الأساتذة الذين أخذ عنهم كان له عدد هائل من التلاميذ الذين ذكرتهم كتب الطبقات وقد دون عنه كبار تلاميذه مسائل وافرة في عدة مجلدات، فقد جمع أبوبكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاواه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع وذكر مائة تلميذ من أصحاب الإمام أحمد ثم أخذ يرتب ذلك ويهذبه ويقوم بتبويبه وقدم كتاب المعلم وكتاب العلل وكتاب السنة وكل منها في ثلاثة مجلدات.
أما مصنفات أحمد بن حنبل فهي امتداد له وهي تلاميذ من نوع آخر وأهمها المسند في الحديث ويضم ثلاثين ألف حديث وأيضا كتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب التاريخ وكتاب الإيمان وهي بعض ما ذكره الذهبي.
ويضاف إليها ما ذكره ابن الجوزي مثل نفي التشبيه، والإمامة، والرد على الزنادقة، والزهد، وفضائل الصحابة.
وكان الإمام أحمد بن حنبل موضع ثناء وتقدير من مشايخه وأقرانه وتلاميذه وكل من عرف حقيقة علمه.
فشيخه عبدالرزاق بن همام يقول عنه رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث (الشازكوني وكان أحفظهم للحديث وابن المديني وكان اعرفهم باختلافه ويحيى بن معين وكان أعرفهم بالرجال وأحمد بن حنبل وكان أجمعهم لذلك كله. وعبدالرزاق بن همام كان إماما للحديث وكان أيضا يعرف قدر أحمد بن حنبل في الفقه فكان يقول عنه: ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، وقوله هذا شهادة عظيمة لأنه كان قد رأى الثوري ومالك وابن جريج ومن أقرانه شهد له الإمام الشافعي بقوله كما يقول المزني: قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت فيها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا اتقى من أحمد بن حنبل.
أما تلاميذه وأتباعه الذين صحبوه فمنهم نذكر قول السجستاني فيما يرويه ابنه عنه يقول: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة ويروي ابن الجوزي عن أبي داود أيضا قوله رأيت مائتين من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس فإذا ذكر العلم تكلم.
منهج الإفتاء
كان الإمام أحمد بن حنبل يتبع منهجا واضحا يعتمد أساسا على تقديم النصوص من القرآن ثم السنة ثم فتوى الصحابي إذا لم يعرف له مخالفاً فيها ثم الاختيار بين فتاوى الصحابة المختلفين ثم الحديث المرسل أو الضعيف ثم القياس وهي الأصول التي كان عليها مدار علمه وفتواه.
وكان له موقف مناهض لكتب الرأي فكان ينهى أصحابه عن وضع كتب الرأي، ويقصد بذلك العودة دائما للأصول وهي الكتاب والسنة، وينقل أصحابه عنه قوله لعثمان بن سعيد: لا تنظر في كتب أبي عبيد ولا فيما وضع إسحاق ولا سفيان ولا الشافعي ولا مالك وعليك بالأصل.
ولم يكن رأيه هذا جمودا ولا رفضا للرأي بما يقتضيه من إعمال العقل واستخدام القياس وغيره من الأدلة ولكنه كان حريصا على أن يبدأ الناس بالنصوص من جهة ورداً على معاصريه من المعتزلة الذين بلغوا بالتأويل مدى غير مقبول من جهة اخرى، ولذلك أثر عنه حين قيل له: لا ينبغي أن يقيس إلا رجل عالم كبير يعرف كيف يشبه الشيء بالشيء، أنه قال: أجل لا ينبغي.
وقد عرف أحمد بن حنبل مختلف الفرق في عصره معرفة مكنته من التعديل والتجريح وأتاحت له أن يجيب بفتاوى فقهية أو عقدية ضدهم وتوج كل هذا بتفنيد موقفهم من أهل السنة عامة وأهل الفقه والحديث خاصة وقد دارت بينه وبينهم الكثير من المناظرات والمشاحنات فكان يقول دائما لأصحابه: لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة.
وذمه للمتكلمين كان متوجها للنهج الجدلي الذي غرق فيه علماء الكلام وعلى رأسهم المعتزلة، وذم الكلام كان مبعثه أنه يجلب الحيرة ويبعد عن النصوص ويغرق في التأويل. ورغم ذلك لم يكن أحمد بن حنبل يناظر أهل الكلام إلا إذا كان للضرورة ودفاعا عن أهل السنة وعلمائها.
محنة خلق القرآن
مر أحمد بن حنبل بكثير من المحن التي جرها عليه ازدياد نفوذ أصحاب الفرق الكلامية وقربهم من الأمراء والحكام في عصره ولكن محنته مع قول المعتزلة بخلق القرآن كان أكبر المحن وأعظمها ولم يكن قول المعتزلة بذلك وإصرارهم عليه من باب حاجة الناس في العقائد ولكنه كان تعصبا وانتصارا للرأي وحبا للغلبة حتى لو كان ذلك على حساب حرية البحث وحق الاجتهاد والفهم.
وقد بدأ قول المعتزلة بخلق القرآن متسترين، وعندما تولى المأمون الخلافة تبنى منهج المعتزلة واتخذ أحمد بن أبي داود المعتزلي صفيا له وفي عهده امتحن الفقهاء والمحدثون في خلق القرآن وفرضت عليهم عقوبات أولها: إسقاط شهاداتهم عند القضاة وحرمانهم من وظائف الدولة وآخرها السجن والتعذيب، وقد أوصى المأمون خلفه المعتصم بالاستمرار على المنهج نفسه فاستمرت المحنة التي نال أحمد بن حنبل منها الكثير.
فقد حاول المأمون أن يجبر أحمد بن حنبل على القول بخلق القرآن ولكن أحمد بن حنبل كان يردد دائما إن القرآن كلام الله وانه لم ير في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في كلام الصحابة والتابعين ما يشير إلى أن القرآن مخلوق.
وقد أوعز أحمد بن أبي داود المعتزلي للمعتصم أن يحبس أحمد بن حنبل الذي تعرض لكثير من التعذيب في محبسه ولكنه لم يتراجع أبدا عن موقفه حتى وصل الأمر إلى درجة تحريض المعتصم على قتله حين رأوا أن المعتصم بدأ يعجب بمنطق أحمد بن حنبل واستدلاله ولكنه رفض تحريضهم، فحاول ابن أبي داود أن يحتال على أحمد بن حنبل فقال له: اهمس في أذني بأن القرآن مخلوق حتى أخلصك من عقاب المعتصم، فقال ابن حنبل: اهمس في أذني بأن القرآن غير مخلوق حتى أخلصك من عذاب الله.
واستمرت محنة ابن حنبل حتى تولى الخلافة المتوكل الذي رفض الأخذ بقول المعتزلة وعفا عن أحمد بن حنبل وأطلق سراحه ودعاه لزيارته للاعتذار له في مدينة سامراء، ولما كان أحمد بن حنبل على مشارف المدينة لقيه فارس من قبل المتوكل وقال له: يا أبا عبدالله قد أمكنك الله من عدوك يعني ابن أبي داود وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع شيئا إلا تكلمت به، فما رد عليه ابن حنبل شيئا.
وهكذا لم يقل أحمد بن حنبل أي شيء عندما واتته الفرصة للثأر من ابن أبي داود الذي كان سببا مباشرا فيما ناله من تعذيب وحبس بل فضل السكوت.
وهو الموقف نفسه الذي اتخذه أحمد بن حنبل حينما حاول أحد أهل البدع أن يوقع بينه وبين المتوكل وثبت كذبه، حيث يروي الذهبي أن المتوكل أرسل إليه أن الرجل الذي دس عليك هذا عندنا وقد ثبتت براءتك فمر فيه بما تشاء فطلب أحمد بن حنبل أن يخلى سبيله.
واستمر أحمد بن حنبل في تحصيله للعلم وتعليمه بعدما أثرت المحنة التي مر بها في صحته حتى وافته منيته ببغداد في عام 241 هجرية عن عمر يناهز السابعة والسبعين بعد ما ترك ثروة هائلة من العلم والمصنفات وانتشر تلاميذه في أنحاء العالم الإسلامي كله وهم يحملون لواء المذهب الحنبلي الذي أسسه.