بعد ستة عقود من الإعلان عن إقامة الكيان الصهيوني تعرض الفلسطينيون - الذين يناهز إجمالي تعدادهم اليوم نحو 11 مليون نسمة - تحت وطأة الصراع لرزمة من التحولات الديموغرافية/السياسية فوحدة المجتمع الفلسطيني تفككت وأصبح هناك ما يمكن تسميته المجموعات الفلسطينية المنتشرة داخل وخارج فلسطين اتخذت تسميات ومسميات المناطق الجغرافية/السياسية التي أنتجها الصراع مثل: فلسطينيو 1948 الذين أقاموا وصمدوا في وطنهم لكن في ظل دولة لم يختاروا طواعية أن تكون دولتهم أو الكيان السياسي المعبر عن مصالحهم وطموحاتهم الوطنية والقومية بعد أن أصبحوا أقلية "قومية" في وطنهم أو لاجئين فيه أو مجرد عامل ديمغرافي مؤقت الوجود في دولة تضعهم في منزلة الحاضر/الغائب . ومن ضمن هؤلاء اللاجئين في الكيان الصهيوني الذين لم تشمل غالبيتهم الخدمات التي تقدمها المفوضية العليا للاجئين ممثلة بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) والذين لا تقدم لهم السلطات الرسمية في الكيان الصهيوني أية خدمات، هؤلاء يطلق عليهم اسم "المهجرون" وهم الفلسطينيين الذين هجرتهم المنظمات الإرهابية الصهيونية وبعدها منحتهم الحكومة "الإسرائيلية" الجنسية إلا أنها لم تمنحهم كافة حقوقهم كما تنص الأعراف والمواثيق الدولية التي شملت حق العودة أيضا أو حقوق المواطنة في الكيان الصهيوني .
سبقت إحدى جولات الحوار الوطني سجالات فلسطينية حول وثيقة جنيف التي توصل إليها مفاوضون وشخصيات سياسية فلسطينية و"إسرائيلية" في مقدمها: وزير العدل "الإسرائيلي" السابق يوسي بيلين ووزير الإعلام الفلسطيني السابق ياسر عبد ربه . وأكدت الوثيقة على أن الاتفاق الدائم هو الهدف المنشود وعليه فإن الطرفين يتفقان على الشروط التالية:
1- الاتفاق الدائم ينهي عصر المواجهة ويشق الطريق نحو عصر جديد يقوم على أساس السلام، التعاون والجيرة الطيبة بين الطرفين .
2- تطبيق الاتفاق سيؤدي إلى نهاية كل مطالب الطرفين، النابعة من أحداث وقعت قبل التوقيع على الاتفاق . وبهذا تنتهي إمكانية أن يطرح أي من الطرفين مطالب تعود إلى عصر ما قبل التوقيع . والعلاقات بين الطرفين تكون وفق ما يلي:
دولة "إسرائيل" تعترف بدولة فلسطين فور قيامها . دولة فلسطين تعترف فورا بدولة "إسرائيل" .
"إسرائيل" وفلسطين تقيمان فورا علاقات دبلوماسية وقنصلية كاملة، وتتبادلان السفراء الدائمين في غضون شهر من الاعتراف المتبادل .
لتحسين العلاقات بين الدولتين والشعبين، تتعاون "إسرائيل" وفلسطين في المواضيع المشتركة، بما في ذلك الحوار بين البرلمانيين، التعاون بين السلطات المحلية وكذا في مشاريع مشتركة في مواضيع الثقافة، الإعلام، الشبيبة، العلوم، التعليم، البيئة، الصحة، الزراعة، السياحة ومنع الجريمة .
"إسرائيل" وفلسطين تعملان معا وكل على حدة مع محافل مختلفة في المنطقة لتطوير التعاون الإقليمي .
وإزاء قضية اللاجئين ورد في وثيقة "جنيف" .
يعترف الطرفان أنه في سياق الدولتين المستقلتين، فلسطين و"اسرائيل"، اللتين تعيشان الواحدة الى جانب الأخرى بسلام، فإن حلا متفقا عليه لمشكلة اللاجئين ضروري لتحقيق سلام عادل، شامل ودائم .
القرارات الدولية
يعترف الطرفان بأن قرار الجمعية العمومية 194 وقرار مجلس الأمن 242 ومبادرة السلام العربية المتعلقة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، هي الأساس لحل موضوع اللاجئين، ويتفقان على أن هذه الحقوق تستنفد بقوة المادة 7 من هذا الاتفاق .
التعويضات
1- اللاجئون يستحقون تعويضا على مكانتهم كلاجئين وعلى فقدانهم للأملاك . وهذا الأمر لا يمس بالحقوق المتعلقة بمكان السكن الدائم للاجئ .
2- الطرفان يعترفان بحقوق الدول التي استضافت اللاجئين الفلسطينيين بالتعويض .
اختيار مكان سكن دائم
حل جانب مكان السكن الدائم يتضمن اختيارا واعيا من جانب اللاجىء يتم وفقا للخيارات والأنظمة المتقررة في هذا الاتفاق . خيارات مكان السكن الدائم التي يمكن من خلالها أن يختار اللاجئ ستكون على النحو التالي:
1- دولة فلسطين وفقا للبند "أ" أدناه .
2- مناطق في "إسرائيل" تنقل إلى فلسطين في اتفاق تبادل الأراضي، بعد أن تعلن فيها سيادة فلسطينية، وفقا لبند أ أدناه .
3- دول طرف ثالث، وفقا للبند ب أدناه .
4- دولة "إسرائيل"، وفقا للبند ج أدناه .
5- الدول المضيفة الحالية، وفقا للبند د أدناه .
أ- خيارا 1 و2 سيكونان حقا لكل اللاجئين الفلسطينيين ويخضعان لقوانين دولة فلسطين .
ب- خيار 3 يخضع للتفكر السيادي لدول الطرف الثالث ويكون وفقا لأعداد كل دولة طرف ثالث تنقلها الى اللجنة الدولية . هذه الأعداد تشكل إجمالي اللاجئين الفلسطينيين الذين ستستوعبهم دولة الطرف الثالث .
ج- خيار 4 سيكون خاضعا للتفكر السيادي ل "إسرائيل" ويتناسب والعدد الذي ستنقله "إسرائيل" الى اللجنة الدولية . وهذا العدد سيشكل إجمالي كل اللاجئين الفلسطينيين الذين ستستوعبهم "إسرائيل" . وكأساس، "إسرائيل" تأخذ بالحسبان متوسط الأعداد التي ستنقلها دول الطرف الثالث الى اللجنة الدولية .
د- خيار 5 سيكون بقوة التفكر السيادي للدول المضيفة الآن . حيثما يطبق هذا الخيار، الأمر سيكون في إطار برامج التنمية وإعادة البناء السريع والشامل لمجتمعات اللاجئين .
أولوية في كل ما ذكر تعطى للسكان اللاجئين في لبنان .
اختيار حر وواع
المسيرة التي في إطارها يصرح اللاجئون الفلسطينيون عن مكان السكن الدائم لهم ستقوم على أساس قرار حر وواع . الطرفان نفسهما ملتزمان بل وسيشجعان أطرافا ثالثة، على السماح للاجئين بالاختيار الحر لتفضيلهم، وصد كل محاولة للتدخل أو الضغط المنظم على عملية الاختيار . وهذا الأمر لن يمس بالاعتراف بفلسطين كتحقق لتقرير مصير للفلسطينيين .
نهاية مكانة اللاجئ
مكانة الفلسطيني كلاجئ تأتي إلى نهايتها مع تحقق مكان السكن الدائم، كما سيتقرر من قبل اللجنة الدولة .
نهاية المطالب
هذا الاتفاق هو حل كامل ودائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين . لا يجب طرح مطالب أخرى غير تلك المتعلقة بتطبيق هذا الاتفاق .
دور الأسرة الدولية
يدعو الطرفان الأسرة الدولية الى التعاون بشكل كامل في الحل الشامل لمشكلة اللاجئين وفقا لهذا الاتفاق، بواسطة، ضمن أمور اخرى، تشكيل لجنة دولية وصندوق دولي .
التعويض عن الأملاك
1- اللاجئون يحظون بتعويضات على فقدان الأملاك في أعقاب اقتلاعهم .
2- المجموع المتراكم للتعويضات يحسب كما يلي:
أ- الطرفان يطلبان من اللجنة الدولية تشكيل مجموعة خبراء لتقدير قيمة الأملاك الفلسطينية عند الاقتلاع .
ب- مجموعة الخبراء تقيم تقديرها استنادا إلى وثائق الأمم المتحدة، وثائق المسؤول عن أملاك الغائبين، وكل وثيقة أخرى ذات صلة . الطرفان يوفران هذه الوثائق للمجموعة .
ج- يعين الطرفان خبراء مستشارين للمجموعة في عملها ولمساعدتها .
د- في غضون ستة أشهر تسلم مجموعة الخبراء تقديراتها للطرفين .
ه- يوافق الطرفان على مضاعف اقتصادي، يطبق على التقديرات، من أجل الوصول إلى قيمة حديثة نزيهة للأملاك .
3- المبلغ الحديث الذي يتفق عليه الطرفان سيكون "المبلغ الشامل" الذي تساهم به "إسرائيل" في الصندوق الدولي . لا يمكن لأي ادعاء مالي آخر ينبع من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين أن يطرح ضد "إسرائيل" .
4- مساهمة "إسرائيل" تتم بدفعات وفقا لجدول يرفق بهذا الاتفاق .
5- قيمة الأملاك الدائمة ل "إسرائيل" التي ستبقى سليمة في المستوطنات السابقة، وتنقل الى فلسطين، تخصم من مساهمة "اسرائيل" في الصندوق الدولي . تقدير هذه القيمة يتم من قبل الصندوق الدولي، في ظل الأخذ بالحسبان للأضرار التي الحقتها المستوطنات .
التعويض على حالة اللاجئ
1- يقام "صندوق حالة لاجئ" كاعتراف في حالة كل لاجىء . الصندوق، الذي تكون "إسرائيل" أحد المساهمين فيه تشرف عليه اللجنة الدولية .
2- الأموال توزع على مجتمعات اللاجئين في المناطق التي عملت فيها وكالة الغوث، توضع تحت تصرفها للتطور المجتمعي ولتخليد ذكرى التجربة كلاجئين . تقام أجهزة من اللجنة الدولية يسمح في إطارها لمجتمعات اللاجئين بالقرار باستخدام الصندوق وإدارته .
اللجنة الدولية
1- التفويض والتشكيل
أ- تقام لجنة دولية تكون لها مسؤولية منفردة وكاملة لتطبيق كل جوانب هذا الاتفاق المتعلقة باللاجئين .
ب- إضافة إليهم يدعو الطرفان بذلك الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، وكالة الغوث، الدول العربية المضيفة، الاتحاد الأوروبي، سويسرا، كندا، النرويج، اليابان، البنك الدولي، روسيا وغيرها، ليكونوا أعضاء في اللجنة .
وشكل هذا البند مدخلا رئيسيا لتوجيه الانتقادات إلى أصحاب هذه الوثيقة من فلسطينيين و"إسرائيليين" وصلت إلى حدود التخوين في ذات الوقت الذي لم تتخذ فيه السلطة الفلسطينية موقفا واضحا مؤيدا أو رافضا لوثيقة جنيف .
أزمة ترتيب البيت الفلسطيني
نتيجة لتداخل السلطات بين منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي تبلورت خلال السنوات المنصرمة من عمر السلطة ملامح أزمة عرض لبعض جوانبها، مؤخرا، الدكتور جورج جقمان عميد الدراسات العليا وأستاذ الفلسفة في جامعة بيرزيت بالقول: "يوجد عدم رضا عام واستياء عارم أحيانا من الوضع الفلسطيني الحالي، ليس فقط في جانبه الاقتصادي، أو السياسي المتعلق بالمفاوضات، وإنما أساساً من الوضع الداخلي للنظام" . وهو استياء غير مقتصر على شريحة واحدة في المجتمع، استياء يشترك فيه الجمهور العام، على الصعيد الشعبي، وعلى صعيد النخب السياسية خارج الحكم، والنخب السياسية داخل الحكم، وفي الوزارات والدوائر الحكومية المختلفة، وبين المهنيين والمثقفين، وفي النقابات، والمؤسسات الأهلية وغيرها من الأطر الجماهيرية أو النخبوية . ولهذا الاستياء أسباب متنوعة، سواء أكانت ضآلة الرواتب وعدم كفايتها، من منظور أغلبية من العاملين في الوزارات والدوائر الحكومية، بما فيها الشرطة وأجهزة الأمن، أو عدم كفاية المخصصات للجهاز الصحي الحكومي، على سبيل المثال . أو بسبب عدم وجود نظام قضائي فعال وموحد . فهنالك ثلاثة نظم قضائية مستقلة عن بعضها البعض ومتداخلة الاختصاص . فالمطالبون بفصل السلطات، يجدون أن لديهم فصلاً للقضاء، والمطالبون باستقلال السلطات، يجدون، بدلاً منه، استقلالاً لأجهزة القضاء الثلاثة، وهي: المحاكم والتي تعمل بدرجة محدودة جداً من الفعالية؛ والقضاء العشائري، الذي يعمل بشكل مستقل عن المحاكم، وقضاء المحافظات وعدد من الدوائر الحكومية والذي يعمل بتداخل أحيانا مع القضاء العشائري، ولكن باستقلال عن المحاكم .
واعتبر جقمان أن النظام الرسمي، بمسمياته ومناصبه ومديريه ووحداته وأقسامه ومكاتبه، لا يعكس آليات اتخاذ القرار الفعلية أو صلاحية المناصب والمسميات الرسمية وسلطتها . والسبب في ذلك هو وجود نظام آخر موازٍ للنظام الرسمي، يطغى في معظم الأحيان على النظام الرسمي، ويستمد صلاحياته وقوته من محاور الارتباط المشار إليها سابقاً . وهذا ما يفسر وجود مدير عام له نفوذ أكبر من الوزير أو مدير دائرة له نفوذ أكبر من المدير العام، على سبيل المثال .
وفي هذا ما يفسر أيضاً أزمة المجلس التشريعي بسبب ارتباط أغلبية من أعضائه بالعلاقات الأفقية والعمودية للنظام . ولكن، في الوقت نفسه، وبحكم الدور الرسمي الموكل له، توجد أسباب تدفعه للعمل خارج هذه المحاور، خاصة وجود ضغوطات مجتمعية عليه ليقوم بدوره الرسمي . فيتأرجح المجلس باتجاه العمل خارج النظام إلى أن يصل إلى حدوده، فما يلبث أن يتراجع، لأن العمل خارج هذا النظام السياسي والإداري هو بمثابة انقلاب عليه . وهذا معنى عدم سحب الثقة من الحكومة، وهي فكرة طرحت في المجلس في أكثر من مناسبة، لأن سحب الثقة هو من آليات عمل النظام الرسمي، وليس من آليات النظام الفعلي القائم حالياً .
وكذلك الحال بالنسبة لأزمة أحزاب المنظمة الرئيسية وفصائلها، لأنها أيضاً تعمل ضمن نظام المحاور هذا . فهي عاجزة عن التأثير والتغيير، إلا في حدود ما يسمح به النظام . والنظام، مثلاً، لا يسمح بتداول السلطة، بدليل عدم إجراء انتخابات للمجلس التشريعي أو لمجالس منظمة التحرير المختلفة، أو للمجالس البلدية .
وعن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني يرى جقمان أنه إذا كان النظام مبنياً على وجود محاور ارتباط مختلفة تستمد قوتها من محور الارتباط العمودي، فإن استمرار هذا النظام مرهون بتوفر شخصية لها صفات خاصة تقف على رأس محاور الارتباط هذه . وهذا ما توفره، حالياً، القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني من شرعية داخلية، وشرعية خارجية، وقبول لدول عربية وأجنبية بها، وعلاقات واتصالات دولية وعربية لها جذور في الماضي، وامتدادها في الحاضر . وإضافة، فإن ما يمكّن النظام الحالي من الاستمرار هو الصراع غير المنتهي مع "إسرائيل"، وخشية الجمهور من التغيير الجذري في هذه المرحلة . ليس لأن الجمهور ضد التغيير، بل لأن آليات التغيير السلمي غير متوفرة، إمّا لأن النظام الحالي لا يوفرها، أو لضعف القوى المنظمة في المجتمع، والتي يعول عليها، في العادة، من أجل التغيير، بما في ذلك الأحزاب والنقابات والأطر الجماهيرية والهيئات الأخرى المنظمة .
وكان شخص "أبو عمار" في منزلة الصمغ اللاصق للنظام السياسي والإداري الحالي، ومن المتعذر رؤية إمكانية قيام أي شخص آخر بهذا الدور في المستقبل، بخاصة في ظروف سياسية غير تلك الموجودة حالياً . إن السمة الأساسية للمرحلة الحالية تكمن في كونها مرحلة انتقالية بين ما تبقى من نظام منظمة التحرير الفلسطينية، وآليات عملها، واتخاذ القرار فيها، وبين المرحلة المقبلة، التي يمكن رؤية معالمها بقدر من الوضوح .
وخلص جقمان إلى أنه هناك دور "إسرائيل" ومصالحها المستقبلية في فلسطين، فإن دولة فلسطين ستحتل حيزاً كبيراً من الأهمية ل "إسرائيل"، بسبب القرب الجغرافي، وطول الحدود، وتنقل العمال والبضائع، إضافة إلى عوامل أخرى . ولم تتمكن "إسرائيل"، خلال فترات الاحتلال، من إيجاد عزل جغرافي تام، بخاصة بين "إسرائيل" والضفة الغربية . ومن المتوقع أن تبقى هذه مشكلة في المستقبل، من منظور "إسرائيل" الأمني . بالتالي، فإن استقرار النظام السياسي في الدولة الفلسطينية أمر في غاية الأهمية ل "إسرائيل"، لأن الاستقرار السياسي يعزل "الخروقات الأمنية"، ويبقيها محدودة . ولن تعتمد "إسرائيل"، في مجال ضمان أمنها، على الاستقرار السياسي فقط، ولكنه يبقى أحد العوامل التي لا يمكنها إهمالها . ولا يبدو أن "إسرائيل" تخشى من فتح النظام السياسي لدخول المعارضة فيه، سواء أكانت إسلامية أو غير إسلامية، بل العكس من ذلك تماماً . إن النخب السياسية التي ستدخل النظام السياسي، بفعل الانتخابات، ستجد نفسها أمام اتفاقيات ملزمة لها، بموافقة دول عربية وعالمية عدة وضمانها . بالتالي، فإن المجال الوحيد المتاح لتغييرها أو تعديلها هو المفاوضات السياسية . ولا تخشى "إسرائيل" ذلك، وهي في موقع قوة على الأرض، آخذين بعين الاعتبار موقعها الإقليمي والدولي .
إن التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني هي نوعان: مآزق آنية ومآزق بعيدة المدى . وللخروج من مآزق النوع الأول لا بد من وجود نهج عقلاني وشرعي لاتخاذ القرار يضم معظم المجموعات والتيارات السياسية ويرضيها، ومنها حماس والراديكاليون وجل "الأغلبية الصامتة" في مناطق الحكم الذاتي والشتات . ومن المهم في هذا الصدد إنشاء مؤسسات ديمقراطية شرعية وضمان المشاركة السياسية وخلق التسامح وحرية التعبير وحرية الاجتماع . ومن الضروري كذلك إصلاح المؤسسات والوكالات السياسية والقانونية والخدمية وإعادة هيكلتها وذلك لتوفير العون اللازم للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات . وفي صميم المأزق السياسي الفلسطيني مسألة إعادة تركيب العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بحيث تكون هذه السلطة مختصة فقط بالحكم الذاتي في الضفة والقطاع . وتكون المنظمة ومؤسساتها هي الإطار السياسي والممثل للفلسطينيين جميعا أينما وجدوا، وليس فقط للفلسطينيين الموجودين في المناطق المحتلة، على أن يتم إنعاش روح المنظمة وإعادة الشرعية لها وجعلها قادرة على العمل أو إنشاء منظمة تخلفها .
وللخروج من المآزق الآنية ولا سيما في المجال الاقتصادي لا بد من علمنة وتطوير التخطيط والاستثمار وذلك لتوليد فرص العمل، ولخلق بيئة قانونية ونظامية ملائمة لإدارة النشاط الاقتصادي والمالي بشكل سليم، ولبناء البنية التحتية المادية اللازمة . ويترتب على القيادة الفلسطينية في المقام الأول تحديد رؤية لمجتمع المستقبل، مجتمع إنساني، حر، ديمقراطي، يقوم على حكم القانون والعدالة الاجتماعية .
وإزاء المآزق بعيدة المدى المتعلقة بأوضاع لاجئي الشتات وتحديد جديد لطبيعة العلاقة القائمة بين الفلسطينيين في الوطن والفلسطينيين في الشتات . وهي المآزق التي ستولدها مرحلة التسوية النهائية، يعتقد أن الاحتمال الأقوى هو نشوء كانتونات مشتتة في أجزاء من أرض الوطن الأم، يتمتع فيها الناس بحقوق مدنية وسياسية أقل مما يتمتع به الفلسطينيون في "إسرائيل" أو الأردن . ومن المحتمل أن يرافق ذلك "أرمنة" مجتمعات الشتات . أي جعل مصير فلسطينيي الشتات على شاكلة مصير الأرمن، أو الأكراد