يعبر الناس عن انفعالاتهم بطرق مختلفة، بعضها مألوف ومقبول، وبعضها الآخر مستنكر ومرفوض، وتأخذ طريقة التعبير أحياناً شكل الصمت، وأحياناء البكاء، وأحياناً أخرى التأفف والصراخ، ولكن أن يتحول الغضب إلى بركان ينفجر ليحول كل طاقته الغاضبة نحو تكسير الأشياء كوسيلة للتعبير عن الغضب، فهذا ما يثير الحنق أو الجدل أو بركاناً آخر لا يعرف أحد عواقبه.
المواقف المتعلقة برد فعل مبالغ فيه تحتل مكاناً أكبر من غيرها في ذاكرة الإنسان، فلا تزال ش.ص، موظفة، تذكر نوبات غضب والدها التي عادة ما يرافقها تكسير وتحطيم كل ما يراه أمامه من دون وعي أو حساب لقيمة ما يقوم بتكسيره، وتذكر أنها بعد انتهاء كل نوبة غضب كانت تذهب لترى حجم الخسائر وتتفقد أغراضها لتعرف ما الذي خسرته في كل نوبة. وتقول: كم هو مؤلم أن أرى والدي في هذه الحالة، ولكنه يندم بعد ذلك ويحتضنني حين يراني أبحث عن بقايا قطعة أو لعبة تخصني بين أكوام الزجاج والورق والخشب.
الانفعالات العنيفة وردود الأفعال المتهورة غالباً ما تكون سبباً في تدهور العلاقات الاجتماعية وزيادة المشاكل الزوجية، هذا ما أكدته ل.أ، ربة منزل، التي عانت كثيراً من تصرفات زوجها الانفعالي والذي أصبح يشكل مصدر خوف وتهديد لها ولأبنائه، فحين يدخل في نوبة غضب ينسحب الجميع إلى غرفهم وتنسحب معهم كل قدرة لتهدئته، ويتحول المنزل إلى ساحة معركة تكون فيها الضحية غالباً قطع الفخار والأثاث حتى تعم الفوضى المكان، وتقول: أصبحت أحتفظ بأسراري لنفسي ولا أريد مشاركته في أي شيء لأني لن أنال منه سوى الصراخ والصوت المزعج، علاقتي به توترت كثيراً، كما أن علاقاته مع الآخرين تتأثر كثيراً بانفعالاته وتصرفاته غير المسؤولة.
وتشاركها معاناتها س.غ، موظفة، والتي اكتشفت بعد زواجها مباشرة أن زوجها يتكلم بلغة العنف وتكسير الأشياء وضرب الحائط بيديه في حالة الغضب، وتناقشت معه كثيراً في هذا الموضوع والذي قال إنه خارج عن إرادته وسيطرته، ووعدها أن يحاول السيطرة على نفسه في المرات المقبلة، ولكنه لم ينفذ وعده، كما أنها عرضت عليه الذهاب لطبيب نفسي فانتابته أسوأ حالة غضب فقد رافقها عنف شديد وصراخ متواصل، وتقول: يؤسفني أن أرى زوجي بهذه الحالة ولكن صفاته الجميلة الأخرى تجعلني أتمسك به. لم أتحدث مع أهلي في هذا الموضوع لأنني لا أريد أن أسبب لزوجي الإحراج كما أنه قد يتهور وينهي حياتنا معاً في لحظة من لحظاته الغاضبة المملوءة بالعواصف المؤذية.
الأمر مختلف بالنسبة ل سالم. ص، موظف، والذي يعاني من عصبية زوجته والانفعالات التي ترافقها باستمرار لدرجة أنها لا تتحكم في نفسها أمام أطفالهما، وهذا أكثر ما يضايق سالم، فهو لا يحبذ أن يراها الأطفال بهذه الصورة لأن طفله الأصغر البالغ من العمر 3 سنوات يذهب تلقائياً لوالده ويتشبث به بقوة حين تبدأ الأم بالصراخ، ويقول: حين تغضب زوجتي فإنها تضرب الأطفال أحياناً أو تستمر بالصراخ الذي يتبعه رمي بعض قطع الأثاث على الأرض، واكتشفت هذا الأمر منذ زواجنا فهذا النوع من رد الفعل لا يمكن إخفاؤه، ويضيف: أنا هادئ بطبعي، ولذا أتحمل نوبات غضبها لأني أعرف أنها طيبة القلب وحساسة جداً.
وأصعب ما في الأمر أن ترى الأم طفلها الصغير في حالة من الغضب والهياج الذي ترافقه تصرفات عنيفة ومؤذية للطفل نفسه ولمن حوله، فها هي نيرمين. و، ربة منزل، تتألم لرؤية ابنها ذي السبعة أعوام يضرب رأسه بالحائط كتعبير عن غضبه من شيء ما، بالإضافة إلى أنه يؤذي أخيه الأصغر بضربه المستمر له خاصة في حالة الغضب، وتقول: لا أعرف كيف يتحمل طفلي الألم، انه يؤذي نفسه بشدة وأخاف أن يسبب لنفسه مشكلة في الدماغ، وتستطرد: سألت من حولي فقالوا إن هذه المرحلة التي يمر بها ابني ستنتهي مع الوقت ولكنها طالت فعلاً ويجب أن أتصرف في أسرع وقت.
وغالباً ما تتفاجأ الفتيات برد فعل قاس من فتاة مثلهن، فهذه طريقة لا تمت للأنوثة بصلة، وهذا ما عبرت عنه غادة. س، طالبة، والتي أدهشها في موقف ما رد فعل غاضب من صديقتها التي لم تتحكم في انفعالاتها التي طغت على كامل تفكيرها فألغت من قاموسها قانون المكان والزمان، فتنسى أنها في المدرسة لتضرب نفسها بطريقة مخيفة ومثيرة للدهشة، وتمسك بكل ما تقع عليه عيناها وتلقيه بقوة أرضاً ليتحول المكان إلى حطام وفوضى، وقالت: سمعت سابقاً عن نوبات الغضب التي يصاب بها البعض ولكني لم أتوقع أن تكون بهذا السوء وخصوصاً حين تصاب بها فتاة لتتحول تلقائياً إلى كيان مجرد من الأنوثة.
وحين تفوق توقعات الشخص الواقع، يصاب بحالة من الإحباط متبوعة بالغضب، الذي يتحول إلى وحش كاسر حين لا يلقى من يتفهمه أو يقدم له العذر المقنع، وهذا ما حدث مع باسل محمد، مهندس، الذي لجأ لاستخدام لغة التكسير للتعبير عن الغضب في موقف ما، فقد أخذ سيارته الجديدة لعمل صيانة شاملة لها في الوكالة التي اشتراها منها، ليتصلوا به في اليوم التالي ويخبروه بأنها أصبحت جاهزة، وذهب لاستلامها ليجدها متسخة تماماً بالإضافة إلى عدة تصليحات صغيرة لم يتم الاهتمام بها، وحين سأل عن السبب رد أحد العاملين باستخفاف بأن الأمر بسيط وليس عليه سوى الانتظار لمدة ساعة ليتمكن من إكمال المهمة، وهنا شعر باسل بأن الوكالة التي اشترى منها سيارته ووثق فيها لم تكن أهلاً للثقة، بالإضافة إلى أن العاملين لا يملكون الأسلوب الأمثل في التعامل، مما أثار غضبه ليرمي بكوب القهوة المعدني على الأرض بكل قوة لتتناثر القهوة هنا وهناك باعثة رائحة البن الممزوج بالغضب في أرجاء الوكالة، ليتغير مستوى الخدمة في ثوان ويأمر مدير الوكالة العاملين بالاعتذار له والعمل جميعاً على السيارة وتجهيزها بأسرع وقت محاولاً تهدئة الزبون الغاضب، وهنا يقول باسل: ما كان يجب علي أن أنفعل لهذه الدرجة وحدث هذا رغماً عني، واعتذرت للمدير عما فعلت، ويضيف: لا أصدق أنها الطريقة التي أعادت الجميع لصوابهم، وقد أضطر لاستخدامها مرة أخرى فقد ثبتت فعاليتها.
تعبير عن الغضب
الدكتور أسامة الموسى اخصائي نفسي أكد أن عملية تكسير الأشياء وتحطيمها يتبعها الإنسان العصبي للتنفيس عن غضبه وهي طريقة سلبية للتعامل مع الغضب وعادة ما يتبعها الندم، فالأم التي يدفعها غضبها في بعض الأحيان إلى ضرب أبنائها بقسوة تبدأ بالبكاء واحتضان أبنائها والاعتذار لهم حين تهدأ، وكذلك الأب أو الزوج الذي يكسر الأشياء أو يؤذي أبناءه أو زوجته، فإنه غالباً ما يندم على فعلته بعد فترة، وهؤلاء الأشخاص الذين يعبرون عن غضبهم بتكسير وتحطيم الأشياء عادة ليس لديهم تقدير لقيمة الشيء، فالعصبية تلغي لديهم القدرة على التمييز، ولكن هذه الحالة لا تصنف في باب الأمراض النفسية بل هي عبارة عن كهرباء زائدة في المخ تترجم انفعال الغضب إلى هذا النوع من السلوك، ولكن ان زادت هذه الكهرباء عن حدها فمن الممكن أن تتحول إلى صرع، فصاحبها لن يستطيع السيطرة على نفسه، مما يستدعي العلاج، وقد يكون الأمر وراثياً فتزداد حساسية طفل للتأثر بسلوك الأب أكثر من أخيه فيسلك نفس السلوك.
وينصح الدكتور الموسى الشخص العصبي الذي يتصرف بهذه الطريقة بالخروج إلى أي مكان طلق أو الذهاب لزيارة أحد الأقارب حتى يتخلص من شعوره بالغضب.