كانت جورجيا احدى الجمهوريات السوفييتية ال.15 واليها ينتسب الدكتاتور السوفييتي السابق يوسف فيساريونوفيتش جوغاشفيلي (ستالين)، الذي حكم الاتحاد السوفييتي منذ 1924 حتى وفاته في 1953. كما ينتسب اليها أيضا آخر وزير خارجية سوفييتي، وهو إدوارد شيفارنادزه، الذي كان من أقرب أعوان ميخائيل غورباتشوف، واضطلع الى جانبه بدور رئيسي في تدمير المنظومة السوفييتية وتفكيك الاتحاد السوفييتي، ورميه في أحضان السياسة الغربية ولقمة سائغة لعصابات المافيا والنهابين، الوطنيين والصهاينة وشركائهم، الذين باسم الديمقراطية والليبيرالية والخصخصة انقضوا على المنجزات الاقتصادية والاجتماعية للدولة السوفييتية السابقة، واستولوا عليها في سنوات قليلة بأبشع الاشكال المافياوية.

جورجيا هي بلد قوقازي صغير وفقير، لا يتجاوز عدد سكانه 3،5 مليون نسمة (حسب آخر احصاء سوفييتي في 1987). ومع انها كانت بلدا مزدهرا في العهد السوفييتي، حيث كانت تعتبر حديقة فواكه الاتحاد السوفييتي، الا انها، بعد تحولات البيريسترويكا الغورباتشوفية، وحل الاتحاد السوفييتي وتحقيق الاستقلال، تحولت الى احد افقر بلدان العالم، حيث اصبح دخل الفرد فيها لا يتجاوز 15 دولارا شهريا، وحيث اصبح المعاش التقاعدي، للجيل السابق الذي بنى اقتصاد ومنجزات البلاد، لا يتجاوز 6 دولارات في الشهر. وفي خلال سنوات معدودة من الحكم الديمقراطي بزعامة إدوارد شيفارنادزه ذاته، الذي انتخب رئيسا للجمهورية في ،1995 نهبت خزينة الدولة تماما، وبلغ حجم الدين العام ملياري دولار، مما يساوي 66 في المائة من الدخل القومي. وتقوم روسيا حتى الآن بتزويد جورجيا بالطاقة الكهربائية مجانا. ومن دون هذه المساعدة، الموروثة من العهد السوفييتي السابق، فإن جورجيا هي معرضة للموت، بالمعنى الحرفي للكلمة.

ولا توجد في جورجيا مكامن مميزة للخامات المعدنية ومصادر الطاقة. وفي الحسابات الاقتصادية فهي لا تمثل سوقا مرموقا، ولا منطقة سياحية مميزة. وبذلك فهي لا تمتلك أية ميزة اقتصادية قد تجعلها مقصدا لتوظيف الرساميل الاجنبية ولا سيما الغربية، التي تبحث عن الارباح المضمونة والسريعة. ولكن بالرغم من ذلك، وبالرغم من انتشار الفساد والجريمة المنظمة والفوضى السياسية والأمنية في البلاد، فإن جورجيا تحظى باهتمام مميز من السياسة الأمريكية خاصة.

الاهتمام المريب

إلامَ يعود هذا الاهتمام؟

هذا ما نحاول الإجابة عنه في ما يلي:

النقطة الأولى التي يجب الالتفات اليها، هي الموقع الجغرافي لجورجيا. فمساحتها لا تزيد على 69 الف كلم،2 ولم تكن تمثل اية اهمية خاصة في العهد السوفييتي، الا انها كانت جزءا من الحدود الطويلة التركية السوفييتية السابقة. اما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستقلال جورجيا، فقد تغير الوضع، حيث اصبحت جورجيا جغرافيا دولة عازلة بين روسيا، من جهة، وتركيا اكبر حليف استراتيجي لأمريكا، والقاعدة الناتوية الاوراسية الوحيدة من جهة أخرى.

انطلاقا من هذا المفتاح الجغرافي، اكتسبت جورجيا اهميتها الاستثنائية، في نظر دهاقنة الاستراتيجية الدولية لأمريكا.

فبالرغم من نهاية الحرب الباردة السابقة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، لا تزال روسيا تمثل مركز الاهتمام الاول للسياسة الدولية لأمريكا، ولا تزال الإدارة الأمريكية تعتبر ان روسيا تشكل عمليا العدو رقم واحد لأمريكا، على كل المستويات، ولا سيما على المستوى الامني والعسكري. وبالرغم من كل الادعاءات الأمريكية، حول مكافحة الارهاب الدولي، فإن الخطر الروسي لا يزال، بنظر الاستراتيجيين الأمريكيين، يمثل الخطر الاول على الامن القومي الأمريكي. ولا تزال السياسة الخارجية الأمريكية تتمحور حول استبعاد وتطويق الخطر الروسي، بكل الاشكال الممكنة.

من هنا تتأتى الاهمية الجديدة لجورجيا، بعد استقلالها، بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة، وحليفتها الاستراتيجية: تركيا. وبالطبع ان الاهتمام الأمريكي التركي بجورجيا اصبح يشمل تركيبتها السكانية، وطبيعة النظام السياسي والقوى السياسية فيها.

فمع انهيار الاتحاد السوفييتي طرأت ثلاثة تغييرات استراتيجية على الساحة الدولية:

1 ان التناقض السوفييتي الإسلامي السابق، الذي سبق وتفجر بشكل خاص بعد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، قد تقلص من مستوى صراع دولي، الى مستوى صراع محلي، داخلي، في بعض اجزاء الدولة الروسية ما بعد السوفييتية، وبالأخص في جمهورية الشيشان ذات الحكم الذاتي في روسيا الاتحادية، التي تحاذي جورجيا. وفي الوقت ذاته، فإن الدولة الروسية الجديدة قد استفادت بشكل ما من الدرس الافغاني، وأخذت تحاول إيجاد لغة وأرضية مشتركتين مع التيارات والدول الإسلامية، على اختلافها، ودعمها في مواجهة السياسة التسلطية الأمريكية، من دون التنازل امام التيارات الإسلامية الانفصالية داخل روسيا بالذات، مستفيدة من الشعارات الأمريكية ذاتها حول مكافحة الارهاب.

2 ان التناقض الأمريكي الإسلامي قد طفا على سطح التطورات الدولية، بشكل لا مثيل له في السابق، انطلاقا من الترابط الاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي/الصهيوني. ونشأ خطر جديد تماما أمام الإدارة الأمريكية، وهو امكانية تحول التيارات والدول الإسلامية، بشكل عام، الى قوة مناهضة للسياسة الامبريالية الأمريكية الصهيونية، بما في ذلك التيارات والدول التي كانت، بهذا الشكل أو ذاك، هذه الدرجة أو تلك، حليفة للولايات المتحدة. ومع بروز التيار الإسلامي التركي، وبوادر تحوله هو أيضاً الى قوة مناهضة للأمريكيين، على الطريقة الفلسطينية/العربية الإيرانية، شعرت الإدارة الأمريكية بخطر داهم، لا مثيل له، قد ينشأ عن خسارة القاعدة التركية التقليدية الموالية للغرب، وامكانية تحولها الى امتداد للتيارات الإسلامية المناهضة لأمريكا في إيران وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية والإسلامية.

3 في مقابل ذلك، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي، واستقلال الجمهوريات الإسلامية السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى، اعطى للعامل الإسلامي، والتركي الطوراني، بشكل خاص، اهمية استثنائية جديدة، فوق ما كان في السابق من اهمية خاصة لتركيا. ولكن بما ان النظام التركي المعاصر، الموالي للغرب وأمريكا تقليديا، قد سبق وقام على أساس ايديولوجي وسياسي معاد للإسلام، يتمثل في ما يسمى الاتاتوركية، فقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها امام ضرورة اعادة نظر تاريخية في الحالة التركية برمتها، بهدف اعادة تكييفها باتجاه تشكيل اسلمة تركية جديدة موالية للغرب، ولأمريكا خاصة، وقادرة على ان تضطلع بدور إسلامي خاص، لتحجيم وتحوير وتطويع الدور الإسلامي العربي/الإيراني المعادي لأمريكا واسرائيل، من جهة، ولاستعماله اي الدور الإسلامي التركي لتحريك المسألة الإسلامية في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى خاصة، ومن ثم في العالم الإسلامي عامة، باتجاه الارتباط بتركيا وأمريكا، من جهة ثانية.

هذه الاسباب مجتمعة دفعت أمريكا، ولا سيما بعد احداث 11 ايلول ،2001 والحروب التي اعقبتها، لوضع استراتيجية احتواء جديدة في تركيا والمنطقة المحيطة بها، تتناقض ظاهريا، ولكنها تكمل فعليا، استراتيجية العدوان والاحتلال، التي اعتمدتها، الى جانب اسرائيل، ضد افغانستان والعراق وفلسطين وغيرها من الدول العربية والإسلامية.

وتقع المنطقة المعنية ضمن المربع الذي تحده: بلغاريا في البلقان، جورجيا في القوقاز بمواجهة روسيا، كردستان العراق، في قلب المنطقة العربية/الإيرانية، وقبرص، بمواجهة سوريا ولبنان وفلسطين في شرقي البحر الابيض المتوسط. وبالطبع ان تركيا تقع ضمن هذا المربع، وهي على صلة مباشرة، خارجيا وداخليا، جغرافيا وسياسيا ودينيا، بكل اضلاعه والاطراف المتصلة به. وهذا ما يسمح لنا بتسميته، لا مجازا وحسب، بل واستنادا الى الاهداف الاستراتيجية الأمريكية، المربع التركي.

وخلافا للخطة الأمريكية الهجومية في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام، فإن الخطة الأمريكية في هذا المربع تقوم على ما يلي: الاحتواء الهادئ لجميع الاطراف الاتنية والسياسية المتنازعة، في جميع بلدان المربع المذكور، بعدم التبني المكشوف للمواقف المتشددة لأي طرف على حساب الطرف الآخر، والاحتواء الجماعي للجميع في وقت واحد، مما يقتضي فتح الخطوط على الجميع: الاتنيات المتناقضة، السلطة والمعارضة، التيارات العلمانية والإسلامية، الخ. والهدف الابعد هو: تحضير المربع التركي بمجمله، للمواجهة الاكبر التي يجري التحضير لها بطرق جديدة، ومنها طرح مشاريع اقتصادية استراتيجية كبرى مثل خطوط النفط العملاقة، التي تعبر المربع التركي من حوض قزوين، وتصبح بديلا محتملا لنفط الشرق الاوسط، واقامة علاقات إيجابية مع مختلف الفئات، واعطاؤها الحرية في وضع حلول للمشاكل المحلية، وذلك برعاية أمريكا وتحت وصايتها. وتتلاءم هذه الخطة تماما مع الاستراتيجية الجديدة لحلف الناتو ولأمريكا خاصة، والتي تقوم ليس فقط على الاعتماد على الجيوش العسكرية الضخمة وثقيلة التسليح، المخصصة لاحتلال اراض واسعة أو للدفاع الفعال عن الاراضي تجاه هجوم كلاسيكي واسع محتمل، كما كان الامر في مرحلة الحرب الباردة، بل وتقوم على تشكيل قوات تدخل سريع خفيفة الحركة، للتدخل خارج الحدود التي يسيطر عليها الحلف وأمريكا، وكذلك على الوحدات والعمليات الخاصة، التي تشرف عليها، بالدرجة الاولى، اجهزة المخابرات موسعة الصلاحية. وكل ذلك يتلاقى تماما مع اعطاء دور اكبر للعمل السياسي المخابراتي المافياوي، الذي تقوم به السي آي إيه والموساد والميت التركية الخ. ومن ضمن هذه الخطة، فإن الإدارة الأمريكية تضع نصب عينيها، في المرحلة الراهنة، تحقيق هدفين رئيسيين هما:

الاول محاصرة واضعاف روسيا، ومحاولة السيطرة عليها داخليا اذا امكن.

الثاني تطويع التيارات الإسلامية، لمصلحة الاهداف الاستراتيجية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، الأمريكية.

المعبر المزدوج

وفي كلا هذين الهدفين، فإن الدور التركي لا بديل له.

وانطلاقا من ذلك، يعود الدور الخاص لجورجيا، نظرا لموقعها وتركيبتها الاتنية ومشاكلها، وهذا ما نحاول ان نتناوله في ما يلي:

تقع جورجيا في وسط القوقاز، على الحدود بين العالمين السلافي المسيحي، ولا سيما روسيا، من جهة، والإسلامي، تركيا وشعوب آسيا الوسطى، من جهة ثانية. وتبدو السيطرة على منطقة القوقاز، المحاذية لتركيا، شرطا رئيسيا لا يمكن بدونه تحقيق السيطرة على جمهوريات آسيا الوسطى التي تؤلف جزءا رئيسيا من حوض بحر قزوين، خزان الطاقة الكبير الذي تطمح الاحتكارات الأمريكية للاستيلاء عليه، وحرمان روسيا، بالاخص، من امكانية الاستفادة منه ومن موقعها بجواره، كمعبر بينه وبين أوروبا الغربية. وهنا تكتسب جورجيا دورا لا بديل له، هو دور مزدوج:

اولا كمعبر لانابيب النفط والغاز، من حوض قزوين الى تركيا، بدلا من المرور بروسيا نحو أوروبا الغربية والعالم.

ثانيا كمقر وممر للنفوذ التركي الإسلامي الأمريكي الصهيوني الى الجمهوريات الإسلامية السوفييتية السابقة، والى روسيا ذاتها.

والتعامل الأمريكي مع جورجيا، بعد انفصالها عن الاتحاد السوفييتي، هو مثال نموذجي تماما لخطة الاحتواء التي اخذت تتبعها الدوائر المعنية الأمريكية في المربع التركي المذكور آنفا.

ان تعبير جورجيا ذاته يدل على مفهوم جغرافي، أكثر مما يدل على مفهوم قومي. فالواقع ان القومية الجورجية هي قومية صغيرة جدا لا يتعدى تعدادها 4 ملايين في كل الاتحاد السوفييتي السابق، و3،5 مليون في جورجيا نفسها. ويطلق الجورجيون على انفسهم اسم كارتفيليين. وتعيش في جورجيا اقليات اتنية كثيرة أخرى، اهمها: الاوسيتيون، الابخازيون، الارمن، الروس، الاذربيجانيون، الاجاريون وغيرهم العديد من الاتنيات الاصغر عددا.

ومن ضمن كيان الدولة الجورجية، توجد:

جمهورية أبخازيا ذات الحكم الذاتي، عاصمتها سوخومي، مساحتها 9،8 آلاف كلم،2 عدد سكانها حوالى 350 الف نسمة، وتقع على الحدود مع روسيا.

جمهورية أجاريا ذات الحكم الذاتي، عاصمتها باطومي، مساحتها 3 آلاف كلم،2 عدد سكانها 385 الف نسمة، وتقع على الحدود مع تركيا.

اقليم جنوب اوسيتيا ذو الحكم الذاتي، مساحته 9،3 ألف كلم،2 عدد سكانه 99 الف نسمة. ويقع على الحدود مع روسيا.

والدولة المركزية لا تسيطر في الوقت الراهن على هذه المناطق الاتنية الخاصة. وبالرغم من انها لم تخرج رسميا من كيان الدولة الموحد، الا ان هناك مشاكل قومية لم تحل، وقد اندلعت في سنة 1991 1992 حرب اهلية بين الجورجيين والابخازيين. وتتهم السلطة المركزية الجورجية روسيا بمساعدة الابخازيين. فيما تتهم موسكو جورجيا بمساعدة الانفصاليين الشيشانيين، الذين يستخدمون جورجيا كقاعدة خلفية لهم. وتطالب كل من ابخازيا واوسيتيا الجنوبية بالانضمام الى روسيا. كما ان الاجاريين يعارضون أيضاً السلطة المركزية، ويؤيدون روسيا. وبعد الازمة التي تمخضت عن استقالة شيفارنادزه في ،2003 عمدت روسيا الى إلغاء نظام الفيز للاجارييين فقط، بينما ابقتها بالنسبة لجورجيا ككل.

اللعبة المزدوجة

هذا الوضع القومي السياسي المفكك لجورجيا سهل للدوائر الأمريكية خطة الاحتواء التي اتبعتها تجاهها.

ماذا تريد أمريكا من جورجيا، وما هي الخطة التي اتبعتها لاجل تطويعها، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؟

بالرغم من ان ادوارد شيفارنادزه، اول رئيس جمهورية ديمقراطي في جورجيا، كان يشغل منصبا سوفييتيا كبيرا، هو منصب وزير الخارجية، في الاتحاد السوفييتي السابق، فمن الملاحظ انه بعد انهيار الدولة السوفييتية، انتهجت السلطة الجورجية الجديدة خطا صلبا معاديا لروسيا، ومؤيدا لأمريكا، مما لا يجد الكثيرون تفسيرا منطقيا له. وربما يمكن تلمس الجواب على هذا اللغز السياسي في ان شيفارنادزه، مثل ميخائيل غورباتشوف، لم يكن مسؤولا حزبيا (شيوعيا) وحكوميا وحسب، بل كان أيضاً احد الضباط الكبار في جهاز كا جي بي (المخابرات البوليس السياسي السوفييتي)، الذي كان بالدرجة الاولى هو الذي يتحكم بمصائر الدولة التوتاليتارية. ان اسرارا كثيرة لا تزال تحيط بعملية التحول التي تمخضت عن انهيار الاتحاد السوفييتي. ولكن الكثير من الوقائع تشير الى انه كانت توجد كتلة معينة في الكا جي بي بالدرجة الاولى، وفي بيروقراطية الدولة ثانيا، تجمعت حول غورباتشوف. وهذه الكتلة هي التي تتحمل مسؤولية قرار تفكيك المنظومة السوفييتية والاتحاد السوفييتي ذاته. ومن ضمن هذه الكتلة يمكن الاشارة الى يلتسين وشيفارنادزه. ومن الملاحظ ان العديد من رموز هذه الكتلة، ولا سيما ضباط الكا جي بي السابقين، هم الذين استلموا السلطة في روسيا، مثلما في الجمهوريات السوفييتية والاشتراكية السابقة. وان هذه العملية تمت ليس من دون مساعدة وتنسيق مع الدوائر الأمريكية والصهيونية، ولا سيما السي آي ايه والموساد.

من اجل السيطرة على جورجيا، وشل ارادة شعبها، وتزييفها، فإن اول ما لجأت اليه السلطة الجديدة، ال(كا جي بي الديمقراطية بزعامة ضابط كا جي بي السابق، شيفارنادزه، هو التخريب، بكل الجوانب الممكنة: السياسية والاقتصادية والامنية. وفي خلال بضع سنوات تحولت جورجيا الى بلد فقير تسود فيه قوانين الغاب وتنهشه الفوضى والنزاعات الاتنية والانهيار الاقتصادي والبطالة والتضخم والفساد والرشوة والجريمة المنظمة. وقد تعرض شيفارنادزه نفسه لمحاولتي اغتيال دمويتين، نجا منهما بأعجوبة.

ولكن ما يجب التوقف عنده بشكل خاص هو ان الدوائر الأمريكية، وأيضاً ليس من دون مساعدة وتنسيق وتفاهم ضمني مع فلول الكا جي بي الغورباتشوفييين، في الوقت ذاته الذي كان يتم فيه تخريب ونهب جورجيا على يد حلفاء أمريكا الجدد، بزعامة الرئيس الديمقراطي شيفارنادزه (ضابط الكا جي بي، وزير الخارجية السوفييتية السابق)، فإنها اي الدوائر الأمريكية كانت تعمل أيضاً على تحضير المعارضة للسلطة الفاسدة لحليفها شيفارنادزه، وذلك بزعامة ميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي الجديد. وساكاشفيلي هو محام شاب، تخرج في الجامعات الأمريكية، وكان يعمل في مكتب محاماة في أمريكا، وقد قدمته الدوائر الأمريكية ذاتها لشيفارنادزه، فعينه وزيرا للعدل، ولكنه استقال في سنة ،2001 وبدأ حملة معارضة ضد الفساد، ولكن مع التأكيد على الارتباط بالغرب عامة وأمريكا خاصة. وهو الذي قاد المظاهرات المعادية لشيفارنادزه في كانون الاول ،2003 التي اقتحمت البرلمان، واجبرت شيفارنادزه على تقديم استقالته. وقد فاز ساكاشفيلي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 5 كانون الثاني ،2004 بنسبة 96 % من اصوات المقترعين. واللافت للنظر، ان شيفارنادزه نفسه صرح بعد الانتخابات ان الأمريكيين خانوه وانهم هم الذين نظموا الانقلاب ضده، وقد اتهم علنا مؤسسة الملياردير اليهودي الأمريكي جورج سوروس بتقديم ملايين الدولارات للحركة الطلابية المعارضة المسماة كمارا (كفى)، التي شاركت في المظاهرات التي اقتحمت البرلمان بزعامة ساكاشفيلي. والتقت وجهة نظر شيفارنادزه هذه مع وجهة النظر الروسية الرسمية، اذ ان وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف صرح قائلا : ان ما جرى مؤخرا في جورجيا لم يكن عفويا، بل مدبرا، وقد شارك في هذا الانقلاب السفير الأمريكي وجمعية جورج سوروس. كما ادلى الزعيم الاجاري الموالي للروس أصلان أباشيدزه بتصريح مماثل قال فيه إن الأمريكيين هم الذين اطاحوا بشيفارنادزه وجاؤوا بالحكام الجدد. مضيفا ان الحكام الجدد سينتهون بأسرع مما انتهى به شيفارنادزه.

واللافت للنظر أكثر ان شيفارنادزه صرح بعد فوز ساكاشفيلي انه هو نفسه اعطى صوته لساكاشفيلي. وهذا ما صرحت به أيضاً مانانا، ابنة ادوارد شيفارنادزه، قائلة عن ساكاشفيلي: انه يمكن ان يؤمن مستقبلا جيدا للجمهورية. فهو حيوي ونشيط جدا. وبالرغم من الاتهام الروسي للأمريكيين بأنهم هم الذين دبروا الانقلاب على شيفارنادزه، فإن وزير الخارجية الروسي ذاته، إيغور ايفانوف، الذي قام بزيارة تفليس، غداة اقتحام البرلمان، هو الذي طلب من شيفارنادزه تقديم استقالته، وعدم استعمال صلاحياته التي يمنحه اياها الدستور في اعلان حالة الطوارىء واستخدام القوة. وكانت هذه الاستقالة بمثابة تسليم مسبق امام ساكاشفيلي، الذي ايده في الانتخابات ليس فقط حزبه الخاص، المسمى الحركة الوطنية الجورجية، وحزب الرئيسة المؤقتة بالنيابة نانو بورجانادزه المسمى بورجانادزه ديمقراطيون، بل أيضاً غالبية حزب شيفارنادزه ذاته المسمى الحركة الديمقراطية. وكانت نانو بورجانادزه، الرئيسة الموقتة بالوكالة بعد استقالة شيفارنادزه، قد صرحت بأن احتمال فشل الانتخابات الرئاسية سيكون بمثابة كارثة للبلاد. وقد اتصل بها الرئيس الأمريكي جورج بوش ووعدها بتقديم الدعم للعهد الجديد، في مواجهة اي تهديد داخلي أو خارجي.

وقد اطلق ساكاشفيلي عبارة ان اصدقاءنا الغربيين سيمدون لنا يد المساعدة. وبعد فوزه في الانتخابات صرح قائلا ان المهمة الرئيسية امام عهده هي المحافظة على وحدة اراضي جورجيا. علما ان تبلسي تسيطر على ثلث اراضي البلاد فقط، وان ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية، اللتين تقعان على الحدود مع روسيا، تعلنان عن الرغبة في الانضمام الى الجمهورية الاتحادية الروسية. وليس من الصدفة ان يصرح ساكاشفيلي اننا نعطي اولوية عالية لعلاقاتنا مع روسيا. ذلك ان توحيد جورجيا لا يمكن ان يتم بدون موسكو، أو ضد ارادة اباشيدزه، زعيم أجاريا، الموالي هو أيضاً للروس. والسؤال الان: ماذا سيكون عليه موقف ساكاشفيلي بعد الانتخابات النيابية في 25 كانون الثاني، التي حقق فيها أيضاً فوزا ملحوظا.

يبدو مما تقدم ان موسكو، التي عبرت عن تضايقها من ازاحة الأمريكيين بهذه الطريقة لشيفارنادزه، الذي سبق له ان فتح الابواب على مصاريعها لأمريكا، هي اي موسكو ساعدت أيضاً في تمهيد الطريق امام الرئيس الجديد، الموالي لأمريكا، ميخائيل ساكاشفيلي.

فما هو سر هذا الحرص الروسي على الدفاع عن خصمها شيفارنادزه، وعلى الجمع بينه وبين ساكاشفيلي، الأمريكي الولاء أيضاً، في منتصف الطريق؟

ان ألسنة السوء حسب تعبير بعض الصحف البلغارية، المعروفة باطلاعها الواسع على الاوضاع في المعسكر السوفييتي السابق تقول ان جد ميخائيل سآكاشفيلي، كان هو أيضاً زميلا لشيفارنادزه، اي ضابطا في الكا جي بي. وان الصلات الخاصة للكا جي بي، هي التي لعبت دورها الخاص في تقدم وبروز هذا السياسي الشاب، المعارض السابق. وهذا كله يذكر بدور الكتلة الغورباتشوفية في تخريب دول الاتحاد السوفييتي السابق، والسيطرة عليها، بالتفاهم والتنسيق مع الدوائر الأمريكية. ولكن: هل ان الولاء الحقيقي، أو النهائي، لشخصيات سياسية ملتبسة، مثل شيفارنادزه وساكاشفيلي، سيكون لروسيا أو لأمريكا؟ وبشكل أعم: هل ان الكتلة الغورباتشوفية لا تزال لها الكلمة الاولى في موسكو؟ هذا موضوع آخر. الا أنه من المؤكد أننا هنا امام تقاطع بين الصراعات الروسية الداخلية، وبين الصراع الخارجي الروسي الأمريكي. وما يؤكد ذلك انه فور حدوث الانقلاب في جورجيا، قام الملياردير الصهيوني بوريس بيريزوفسكي، احد كبار اعوان يلتسين خلال عهده، الملاحق الآن من قبل عهد بوتين، واللاجئ حاليا في بريطانيا، قام بزيارة تبليسي، واجتمع ببعض اصدقائه، حسب تعبيره، وقد دخل البلاد بجواز سفر بريطاني باسم غير اسمه، مما حدا بموسكو الى تقديم احتجاج لبريطانيا ولجورجيا معا، والمطالبة باعتقاله. الا ان السلطات الجورجية الجديدة رفضت ذلك.

وبصرف النظر عن الالتباسات التي القت بظلالها على العلاقات الأمريكية الروسية، في عهد غورباتشوف ويلتسين، فإن السياسة الأمريكية استطاعت، في عهد شيفارنادزه، ان تحقق النجاحات التالية في جورجيا:

أ تصديق الاتفاق على مد خط انانيب النفط القاري باكو تبليسي جيهان في تركيا، الذي سيؤمن نقل النفط من اذربيجان، مزاحما خط باكو نوفوروسييسك (على البحر الاسود في روسيا)، مما يعطل الدور الاستراتيجي للأرض الروسية كممر لنفط حوض قزوين الى أوروبا، ويقطع الطريق على تنمية العلاقات الروسية الأوروبية الغربية، على حساب المصالح العليا الأمريكية. كما ان من شأن هذا الخط ان يرفع بشكل استثنائي من اهمية تركيا في نظر أوروبا الغربية، ويجعل عضويتها، المؤجلة باستمرار، في الاتحاد الأوروبي بحكم المضمونة، لان أوروبا الغربية ستصبح بحاجة لهذه العضوية مثل بل واكثر من حاجة تركيا اليها. كما انه اي خط الانابيب هذا سيقلل من الاهمية الاستراتيجية العالمية لنفط الشرق الاوسط، ويزيد اوراق الضغط الأمريكية ضد الدول العربية وإيران وغيرها من الدول المنتجة للنفط، كما ويعزز الدور التركي في العالم الإسلامي عامة، وبمواجهة الدول العربية وإيران خاصة.

ب الحصول على موافقة عهد شيفارنادزه على استقدام قوات عسكرية أمريكية، هي الاولى من نوعها التي تتموضع في القوقاز، وذلك تحت ستار خبراء ومدربين، لتدريب الوحدات الخاصة في الجيش الجورجي على مكافحة الإرهاب.

ج تحويل جورجيا الى قاعدة دعم رئيسية وخط دفاع ثان للمتمردين الشيشان. فالدوائر الأمريكية والصهيونية استغلت بنجاح الصفة غير الإسلامية لجورجيا، ومحاولة إضفاء الطابع الأوروبي والغربي عليها، من أجل إعطائها نوعا من الحصانة الدولية، الدبلوماسية والسياسية، تجاه التدخل العسكري والسياسي الروسي. وهذا ما يمكنها من القيام بهذا الدور.

مشروع حلف الناتو

وتضاف الى هذه الورقة القوية بيد أمريكا، ورقة قوية أخرى، هي ورقة المخدرات، التي اكتسبت اهمية خاصة في يد أمريكا أيضاً بعد احتلال افغانستان، أكبر مزرعة افيون في العالم. فمن أفغانستان الى أوروبا الغربية وأمريكا، الأسواق الرئيسية والأكثر عائدية لتسويق المخدرات، فإن تركيا تصبح هي أيضاً المعبر الرئيسي لتجارة المخدرات، باتجاه أوروبا والعالم الغربي، عبر البلقان، من جهة، وباتجاه روسيا ذاتها، عبر جورجيا والشيشان، من جهة ثانية. وهذه هي القاعدة الاقتصادية الاستراتيجية الثانية للجبهة الأمريكية الصهيونية الإسلامية التركية. ان تجارة المخدرات، عبر تركيا المسلمة، وبالتعاون مع المافيات الشيشانية والألبانية وغيرها من المافيات الإسلامية، أصبحت هي المعتمدة أكثر من غيرها أمريكيا. وهذه التجارة، بالاضافة الى تجارة النفط، المزمع تحويل انابيبها عبر تركيا أيضاً، تصبح هي الأرضية الاقتصادية، التي تقوم عليها الآن الخطط الاستراتيجية لبناء الحلف الأمريكي الصهيوني الإسلامي التركي الجديد، المرشح كي يحل محل حلف الناتو ذاته. واذا كانت الدوائر الأمريكية الصهيونية التركية تتظاهر بأن هذا الحلف هو موجه ضد روسيا، فإنه في الحقيقة سيكون موجها أيضاً، اولا، ضد الاتجاه التحرري، المعادي للصهيونية والهيمنة الأمريكية، في التيارات الشعبية الإسلامية، وثانيا، ضد البلدان والدول العربية والإسلامية المتحررة نسبيا، وثالثا، ضد إيران والبلدان العربية المنتجة للنفط، وبالأخص السعودية، التي يراد اضعاف دورها العالمي، النفطي والإسلامي معا، الى اقصى حد ممكن، ورابعا، ضد الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وألمانيا، الطامحة الى التخلص من الهيمنة الأمريكية.

كاتب لبناني مستقل