تزوج صاحب حانوت لا ينجب من جميلة، وحرص عليها كما يحرص على بضاعته.والجميلة صورة في إطار: تزار ولا تزور، كريمة في نعيم البيت مع طير مفرد في أقفاص وسمك زينة ملون يسبح في آنية من زجاج، حوراء مطوقة الجيد بعقود من كريم الحجر، بخلاخيل من فضة وأساور من ذهب، تلبس الثياب الغالية وموشاة بالقصب، والمناديل ملونة ومعطرة ومطرزة بترتر وخرز.

والأيام كما شاء خالق الأيام قسمة بين ليل ونهار، ونهار ابن زماننا صاحب الحانوت أبيض بالنور السماوي وأبيض بالربح لما تتزاحم الخليقة على السلعة الشحيحة، أما الليل فوسواس خوّان.

كلما جاء ليل: أغرق رب البيت صاحب المال وحارس الجمال البيت بالنور الفاضح، وأطلق الكلب النابح، وعرى الحليلة ولاعبها وأرضاها بالفاكهة والحلوى وبعد ما ينال البعل مراده ينام ويشخر حتى يذهب الليل ويطلع نهار أبيض جديد بربح أبيض جديد. على هذا المنوال كرت الأيام، وذات ليل وعلى نباح الكلب الأمين هب صاحب الحانوت من النوم هلوعا: فها هي خيالات تتحرك في النور تبغي المال أو تبغي الجمال، وهو حريص على المال والجمال.

رمى الخيالات بكل ما وصلت إليه اليد من أشياء، وسقط خيال فحمله زميلاه وفرا من النور إلى العتمة، ولم ينم هو تلك الليلة، ولما طلع النهار رأى الدم على السجاجيد، وأيقن بفطنته أن الدم الذي سال من رأس الخيال قد يفقد الخيال حياته، هنا زاد خوفه من انتقام خيالين لصاحبهما الميت، فاشترى بندقية تزهق روحين، وكف عن البيع وأغلق حانوته، وإذا ما جاء الليل فهو سهران قابض على بندقيته يحمي المال والجمال وبين الحين والحين يطلق رصاصتين في الهواء.

في أبريل/نيسان 1981 رحل عن عالمنا في حادث مأساوي عبثي القاص والروائي يحيى الطاهر عبدالله وهو في ذروة عطائه في أوائل الأربعينات، حادث السيارة الذي أودى بحياته كان في طريق الواحات البحرية، أما هذه القصة فهي آخر ما كتب يحيى.