لا يختلف اثنان على ان موت الزوج صدمة مدمرة للزوجة، خصوصاً إذا كان مفاجئاً، وتكاد تفقد صوابها لهول الصدمة التي قلبت حياتها رأساً على عقب، وتتوالى أيام العذاب ولكن رغم ذلك فإن إرادة الحياة أقوى وخصوصاً إذا كان هناك أولاد.
هذا ما أوضحته نوال صايغ غبريس التي تحدثت بقوة وإرادة صلبة عن تجربتها بعد أن فقدت زوجها في ريعان شبابها، وعاشت مرارة العذاب والفراق أمام حياة صعبة ومجتمع لا يرحم، ربما صدمة الموت تفاجئ الإنسان، فقررت الثورة، على الواقع.
رسمت طريقها بدموع على ذكريات جميلة وحنين إلى أيام لا تمحوها السنون، تشبثت بكل تذكار من زوجها، وتأملت صورته في ملامح ولديها (مصطفى 6 سنوات ومحمد 3 سنوات) وتحقيق أحلام زوجها التي كان يراها في أولاده.
وتسأل نوال: ماذا يفعل البكاء والنواح أمام طفلين يبحثان رغم صغر سنهما عن حياة آمنة، ومستقبل واعد وعن يد حانية تعوض لهما حنان الأب؟ وتقول: لم أجلس في منزلي فريسة الألم واليأس بل صممت رغم المعاناة على استكمال المشوار وحمل المسؤولية، فبعد وفاة زوجي دخلت العمل للمرة الأولى، ونجحت في عملي وعززته عبر الدورات التدريبية في المعلوماتية والسكرتارية. وهكذا جعلني الترمل أتعلم كيف اكون صلبة في مجتمع كالغابة وأثبت أن الأرملة يمكنها ان تعيش في ظلها وتمكنت من تربية ولديّ وأمنت لهما مستقبلهما.
قصة نوال كقصص كثير من النساء اللواتي فقدن أزواجهن وناضلن في الحياة لاستمراريتها.
رد الفعل الطبيعي والمألوف عند حدوث الموت هو الصدمة التي سيعقبها الرفض لهذا الواقع الأليم. هذا ما أوضحته د. سامية مكداشي الاختصاصية في الطب النفسي، مضيفة أن المرأة التي تفقد زوجها تقع تحت ضغط وألم نفسي كبير وردود الفعل في حالات الموت تتفاوت حسب شخصية الإنسان الذي يعاني هذا النوع من الفراق، وتعتمد حدة ونوعية رد الفعل على عوامل عدة منها مدى الاعتماد على الشخص المتوفى، ومقدار الحب تجاهه والارتباط به بجانب عوامل أخرى تتعلق بكيفية الموت وظروفه إذا كان مفاجئاً أو متوقعاً.
وتضيف: من هنا يكون وقع موت الزوج على زوجته وترملها صدمة ساحقة لها تشعر عندها بأن عقلها شل وتستمر هذه الحالة لفترة طويلة لا تعرف فيها الأرملة النظام لحياتها وتسمى هذه المرحلة فقدان التوازن.
وترى د. مكداشي ان الأسلوب العلاجي الذي يتبعه الطب النفسي في مساعدة المرأة الأرملة على تخطي أحزانها يسمى ترشيد الحزن بمعنى اتاحة الفرصة للحزين لمعايشة التجربة بشكل واقعي وبصورة تدريجية وتدور في محورها حول نوعية العلاقة بينها وبين زوجها اثناء حياته، والحديث عنه باستفاضة ورؤية صوره واستشكاف المشاعر الكامنة في نفس الحزين تجاهه من الحب والكراهية ويتدرج بعد ذلك ليتناول شعورها الحالي من الاستسلام والضعف وعدم مقدرتها على مواجهة الواقع وملء الفراغ الذي تركه الزوج بجانب مقاومتها لتعلم الجديد والضروري الذي يمكنها من التخلي عن دور المسكينة والمستضعفة ويعطيها القوة للبحث في داخلها عن منابع الثقة والسمات الايجابية التي لم تكن تعرفها عن نفسها من قبل، مما يجعلها ترى الحياة بنظرة جديدة تدفعها إلى بناء حياتها ومستقبلها من جديد.
ولأن عجلة الزمن دائماً في دوران ولا يوقفها أبداً موت إنسان، فليس من الصواب، حسب مكداشي، الظن بأن الترمل هو نهاية الدنيا، بل هو البداية لمسيرة كفاح مقبلة لا بد منها من كسب الرهان حتى لا نخسر كل الأشياء، وبدل التحسر على ما فات يجدر النظر والتفاؤل بما هو آت، والتطلع للغد والتخطيط للمستقبل وللأولاد.