لا يستطيع أحد أن يفهم طه حسين أو يصل إليه بمؤلف واحد من مؤلفاته، فهو رجل أحب الحرية وكلف بها منذ صباه وقد جر عليه حبه لها متاعب كثيرة، كانت هذه المتاعب في حلقاتها المتصلة، عاملاً من العوامل التي دفعته إلى أن ينشئ ألواناً مختلفة من الأدب، وفنوناً من الحديث.

لقد اصطدم طه حسين بالناس، واصطدم بالحكومات، واصطدم بالملك المطرود، واصطدم بالأزهر والأزهريين في مطلع حياته، وكان طوال هذه الأربعين عاماً من عمر أدبه، ينتقل من مرحلة إلى مرحلة، لا يتوقف ولا يجمد، ولا يبهره المجد الأدبي، أو تُسلمه الشهرة إلى النوم العميق، فهو دائب الإنتاج والإبداع والإنشاء، يُظهر القراء من نفسه وأدبه كل يوم على فن جديد، وهو إلى ذلك دائب القراءة والمطالعة والبحث، حتى ليكاد يصرف يومه كله أو أيامه كلها في بعض الأحيان، لا يلقى أحداً، وقد أغلق بينه وبين مظاهر الحياة اليومية المتعددة باباً صفيقا، ومضى يعيش حياته الأدبية الخالصة.

وبالرغم مما بلغ طه حسين من الشهرة المستطارة والجاه الأدبي الضخم، فإنه مازال حريصاً على أن يواجه القارئ أو السامع بشيء، يمكن أن تحس معه، أن الكاتب قد استهوته الشهرة الضخمة، فهو يحترم قارئه وسامعه، ويحرص على أن يتزوّد لهما حين يكتب أو يخطب. وإني لأذكر كيف حاولتُ أن أتصل به ذات مرة، فأُبلغت بأنه لا يستطيع أن يلقاني طوال أسبوع كامل. فلما استفسرت عن ذلك قيل إنه يُعد مُحاضرة، وقد استهواني هذا الغموض والتشويق أن أذهب لأسمع، حتى أفهم لأي مدى كانت هذه المحاضرة التي أخذت منه هذا الوقت الضخم، فألفيتُه صادقاً، حين عرض في بعض جوانب الحديث لمراجعات ضخمة، تناولت الأدب منذ ثورة 1919م حتى هذه الأيام.

وحياة طه حسين سلسلة من المتاعب والاضطهادات والنقد، فهو رجل حريص على الحرية في حياته وفي حياة مصر وفي حياة الأدب العربي. ولذلك فهو لا يلبث أن يصطدم بعامل من العوامل المعوقة حتى يثور، فهو ثائر أبداً، وثائر لا يهدأ ولا يستقر.

* الأديب أنور الجندي

مجلة الأديب يوليو/تموز 1953