تجاوز هذا الرجل مائة عام، عاصر دولا ونظما متعاقبة، ورحل هنا وهناك في أرجاء الأمة الإسلامية، التي أشرقت شمسها على العالم، وشرفت مدينة الإسكندرية بإقامته نحو خمس سنوات في آخر أيامه، وبقيت شذرات متفرقة عن حياته، متناثرة في صفحات المخطوطات القديمة، بينما تألق في علوم الحديث والأنساب والنحو وقراءة القرآن، وتتلمذ على يديه عشرات الفقهاء الذين ضربوا بسهم وافر في الفقه والشريعة. وصفه د. جمال الدين الشيال في أحد أعداد المجلة التاريخية المصرية، بأنه

من أعلام الإسكندرية التي مازالت تعتز بتشريف الصحابي الجليل أبي الدرداء، وبالضريح المنسوب إليه، وعندما توجه إليها عبد الرحمن بن هرمز المعروف بالأعرج، وأقام بها كان هو الصحابي الثاني الذي أجمعت المصادر المختلفة على إقامة ابن هرمز عدة سنوات هناك. غير أن هذه المصادر نفسها، أغفلت الكثير من تفاصيل حياته، فبدت غامضة غموضاً عجيباً، فبعض التفاصيل تبدو واضحة مؤكدة تجمع عليها المصادر، بينما يبدو بعضها الآخر غائبا تماما عن الذاكرة الإسلامية.

هو عبد الرحمن بن هرمز بن أبي سعد، وكنيته أبو داود والمشهور بالأعرج القرشي المدني. أما ارتباطه بأسرة النبي صلى الله عليه وسلم فيرجع للولاء لأنه مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإذا كانت كتب التراجم أغفلت سنة ولادته، إلا أن المؤكد أنه من الطبقة الثانية من التابعين، ولد في المدينة وعاش بها بين الصحابة والتابعين، وانخرط مع رفاقه الأجلاء الذين كان أول ما يشغلهم في ذلك الوقت القرآن وتفسيره والحديث والفقه واللغة.

أما أول أساتذته فهو أبو هريرة، ومعه عبد الله بن كعب بن مالك والخدري وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس وغيرهم من الصحابة الكرام. قال السيوطي عنه: صاحب أبي هريرة، أحد الحفاظ والقراء، أخذ القراءة عن أبي هريرة وابن عباس، بينما وصفه الذهبي في تاريخ الإسلام بأنه ثقة ثبت، عالم بأبي هريرة. وفي طبقات ابن سعد كتب الأخير حدثنا ابو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت من يقرأ على الأعرج حديثه عن أبي هريرة عن رسول الله فيقول: هذا حديثك يا أبا داود؟ قال: نعم. قال: فأقول حدثني عبد الرحمن وقد قرأت عليك؟. قال: نعم، قل: حدثني عبد الرحمن بن هرمز.

ومع ذلك فإن الحديث لم يكن العلم الوحيد، الذي برع فيه ابن هرمز، ورفعه إلى مصاف الصحابة الأجلاء، حيث كان من العلماء الثقات بأنساب العرب، وله خبرة عريضة بأنساب قريش، كما كان من الثقات بالقرآن، ويلجأ إليه الناس يقرأون عليه، ويثقون به في كتابة المصاحف، بل قال ابن سعد عنه في طبقاته كان الأعرج يكتب المصاحف وهي مرتبة جليلة.

وإذا أضفنا إلى هذا وذاك ما تجمع عليه المصادر والمراجع المختلفة من أنه أول من وضع علم العربية والنحو، وإن كان هناك بعض المصادر تذكر اسم أبي الأسود الدؤلي، فالقفطي مثلاً كتب عنه: قال أهل العلم إنه أول من وضع علم العربية، والسبب في هذا القول أنه أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وهو أول من أظهره وتكلم فيه بالمدينة، كان من أعلم الناس بالنحو.

ولما كان الأعرج قد شهد السنوات الأولى للفتح ودخول الشعوب المختلفة الإسلام، فإن دوره كان بالغ الأهمية بسبب اللغات المختلفة لتلك الشعوب حتى إن الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين يقول في هذا الصدد: فشا الفساد في اللغة العربية، واستبان منها في الإعراب الذي هو في حَليها، والموضح لمعانيها فتفطن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب، فعظم الإشفاق من فشو ذلك وغلبته، حتى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم، إلى أن سببوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه، وتثقيفها لمن زاغت عنه.

ويضيف أن كلا من عبدالرحمن بن هرمز ونصر بن عاصم وأبي الأسود الدؤلي كانوا أول من وضع للنحو أبواباً وأصّلوا له أصولاً، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاعف.

إلى جانب كل ذلك، فإن ابن هرمز هو الأستاذ الأول للإمام مالك الذي ظل يلازمه ويصاحبه وحده سنين طويلة، ويروي الإمام مالك نفسه بداية معرفته بابن هرمز على النحو التالي:

كان لي أخ في سن ابن شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة، فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم، فغضبت، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره.

ويواصل الإمام مالك قصته الطريفة عن علاقته بأستاذه قائلاً إنه كان وهو في العاشرة تقريباً من عمره يهدي زملاءه من تلاميذ ابن هرمز ما معه من التمر لتتاح له فرصة الانفراد بأستاذه أطول وقت ممكن. ولم يكن ابن هرمز أقل محبة لتلميذه وإدراكا لنجابته وذكائه، حتى إنه كان يسمح للإمام مالك بالدخول عليه في أي وقت، وقال مالك في هذا الصدد: كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل.

من جانب آخر عاش الصحابي الجليل عمره كله في المدينة، ولم يغادرها إلا مرة واحدة إلى الشام أثناء ولاية يزيد بن عبد الملك الأموي بين سنتي 101 و105ه. أما رحلته إلى الإسكندرية فيحدثنا عنها البلاذري صاحب فتوح البلدان قائلا: وحدثني محمد بن سعد الواقدي أن ابن هرمز الأعرج القارئ كان يقول: خير سواحلكم رباطا الإسكندرية، فخرج إليها من المدينة مرابطا، فمات فيها سنة 117ه.

ويستند د. جمال الشيّال في مرجعه سالف الذكر، إلى تاريخ وفاة أبي هريرة ليصل إلى العمر التقريبي لابن هرمز، وإذا كان مؤكداً أن أستاذه توفي عام 57ه أو 58ه، ولو قدرنا عمر الأعرج آنذاك بين الثلاثين والأربعين، وإذا أضفنا إلى هذا أن تلميذ ابن هرمز الإمام مالك، ولد عام 93ه وأنه تتلمذ عليه في سن العاشرة أي عام 103ه تقريباً، وأنه صحبه ولازمه 7 سنوات، فالمرجح طبقا لذلك أنه رحل إلى الإسكندرية بعد عام 110ه، وأقام بها نحو خمس سنوات قبل أن يتوفاه الله عام 117ه.

المثير للدهشة والأسى أيضاً أن المراجع والمصادر والترجمات على تنوعها واختلافها، غفلت عن ذكر كلمة واحدة عن فترة إقامته بالإسكندرية، والمعروف أن الكثير من المخطوطات لم يصلنا وفقدنا المئات منها سواء بالضياع أو بالذهاب إلى مكتبات العالم المترامي، وربما ضمت هذه المخطوطات أخبارا عن فترة إقامته بالإسكندرية، ومع ذلك فالأرجح أنه قضى سنواته الأخيرة في الإسكندرية في رواية الحديث والتدريس، فالإسكندرية في ذلك الوقت كانت تجتذب الكثير من علماء المسلمين والتابعين مثل ابن شفي الهمداني وربيعة بن سيف المعافري الإسكندراني وزاهر بن معبد وغيرهم.

لكن الإسكندرية التي لا تنسى من تشرفت بوجودهم واستضافتهم على أرضها، مازالت حتى اليوم تحتفظ بمسجد سيدي عبد الرحمن بن هرمز، في شارع رأس التين الذي ذكره علي مبارك في خططه التوفيقية، إلا أنه لم ينسبه إلى سيدي عبد الرحمن لأنه حديث البناء وبني في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وأكثر الباحثين في تاريخ الإسكندرية لا يطمئنون إلى نسبة هذا المسجد لابن هرمز، ولجأ المؤرخ الكبير الراحل جمال الدين الشيال إلى الشيخ بشير الشندي مدير مكتبة بلدية الإسكندرية يسأله عن حقيقة هذا المسجد، وهل صحيح نسبته إلى الصحابي الجليل، خصوصاً أن هناك داخل المسجد ضريحاً منسوباً له.

روى الشيخ الشندي حقيقة الأمر، وهو أن الشيخ محمد البنا أحد علماء الإسكندرية في القرن التاسع عشر، كان يمر بشارع رأس التين كما كان في طريقه لزيارة الخديو إسماعيل في سراي رأس التين، فحلم في إحدى الليالي بمن يقول له: كيف تمر بقبري ولا تحييني؟

فسأله الشيخ البنا: ومن أنت؟

قال: أنا عبد الرحمن بن هرمز.

وبينما هو في جلسة مع أصدقائه وخلصائه حكى لهم الحلم، وكان من بين الحضور ثري من أبناء المدينة هو الشيخ درويش أبو سن الذي تطوع لبناء مسجد يضم الضريح، ولذلك نسب المسجد والضريح إلى سيدي عبد الرحمن بن هرمز ومازال المسجد موجودا إلى الآن.